تاريخ النشر: 16 نوفمبر 2011
قامت أمانة مدينة الرياض بتجهيز الحدائق العامة بأكثر من سبعة ملايين متر مربع، وحرصت على أن تكون على مستوى عال من التصميم والتجهيز وتوفير المرافق والبنى التحتية وكثافه الغطاء النباتي والتشجير, لتكون متنفسا ترفيهيا لسكان المدينة وزوارها, وتلطيف المناخ والحد من التلوث، استكمالا للخدمات الجمالية المكملة لنسيج المدينة العمراني.
وقد أولت الأمانة ـ في البداية ـ عناية خاصة للحدائق باعتبارها متنزه للعوائل، ومكانا فسيحا وآمنا للصغار للعب فيه مع تواجد أسرهم. إلا أنه على الرغم من وجود 372حديقة ومتنزهاً في مدينة الرياض إلا أنه يلاحظ عزوف أغلب العائلات السعودية عن ارتياد الحدائق العامة، لافتقادها بعض الخدمات كالمطاعم، ودورات المياه النظيفة ،ومعاناتها من الإهمال، فغالب الأشجار غير مقلمة والممرات غير نظيفة وملاعب الأطفال خطيرة وتفتقد الصيانة..
ويشكو بعض المرتادين من عدم توفر الأجواء المناسبة للعوائل، بسبب ضعف احترام الخصوصيات ووجود الكثير من المضايقات. فرغم تجهيز مضمار خاص بالرجال وآخر للسيدات إلا أنهم يتطفلون على الجنس الناعم، فتضطر المرأة للإحجام عن المشي، تلك الرياضة النفسية والجسدية المفيدة ،وذلك لعدم وجود إدارة خاصة بالحديقة عدا عن عامل أجنبي مما يستوجب تعيين موظفين وطنيين بدلا من الوافدين.
ولا تعجب حين ترى على جوانب الحديقة بعض الأسر التي تجلب معها المشروبات الحارة والباردة وبعد الانتهاء يتخلصون من النفايات بطريقة غير حضارية مما يتطلب الحزم والتوجيه والغرامة إن أمكن. وقد تندهش حين ترى رب الأسرة وقد تمدد على الأرض نائما ومنبطحا فبدا شكله محرجا وقد أخذ كامل راحته وكأنه في منزله فيرتفع ثوبه الفضفاض وقد تظهر ملابسه الداخلية وهو يتمطى، دون مراعاة لبقية المرتادين أو المشاة المارين بالمضمار!
وتبدو المظاهر غير الحضارية حين ينطلق الأطفال بالدراجات وسط المضمار مما يربك المشاة ويقطع عليهم الرياضة فينصرفون بتذمر ! ويفترض أن تكون الممرات مرصوفة ومعزولة عن حركة الدراجات.
وبرغم الهدف الجميل من تجهيز الحدائق العامة الذي تشكر عليه أمانات المدن إلا أنه ينبغي إعادة النظر في تشغيلها بعقود من قبل مستثمرين ليتم تطويرها بدلا من وضعها الحالي وما تعانيه بعضها من إهمال وصدود من العوائل حتى تحولت مأوى للقطط والكلاب الضالة في وسط الأحياء.
ولعله من الجاذب للمرتادين وضع لوحة إرشادية لمواقع معالم الحديقة ومرافقها وزراعة الأشجار المثمرة كالنخيل ،وتوفير المساحات الخضراء من الأشجار المتنوعة وإحاطة الحدائق بسياج نباتي، وتوزيع أشجار الظل والزينة في أماكن مناسبة، وتوفير البحيرات الصناعية المكسوة من جانبيها بالحجارة الطبيعية، والمنطلق منها شلالات من أعلى لأسفل وبنوافير زاهية خلابة؛ وتوسيع الممرات ورصفها بالطوب لكي تتيح للمتنزهين التجول في الحديقة والاستمتاع بما فيها، ووضع جلسات عائلية محاطة بسياج وأخرى حول النوافير وعلى المسطحات الخضراء؛ ليجد الزائر نسمة الهواء العليل في وسط الخضرة والأشجار الوفيرة كونها تعد أهم عناصر الجذب في الحدائق العامة.
تاريخ النشر: 15 نوفمبر 2011
قتله جبروته وظلمه، قتله غروره واستبداده وهمجيته في إدارة شؤون بلاده، حيث ظل ينكر أنه رئيس الدولة، ويفضِّل أن يلقب بملك ملوك أفريقيا لدرجة أضاع فيها بلاده.
وبقتله تكون قد طويت صفحة القذافي، بل سجله الأسود! وبدأت ليبيا بفتح صفحة بيضاء نأمل أن يجمع الله كلمة شعبها في السلام كما جمعها وقت الحرب والمعارك. كما نرجو من السياسيين أن يوفوا بعهدهم الذي قطعوه إبان الثورة بإقرار الدولة المدنية، سيما أن لدى ليبيا من القدرات والكفاءات ما يهيئوها لقيادة بلادها. وهو ما يتطلب من الحكومة الجديدة الجلوس على طاولة الحوار لبناء دولة القانون، فأمامهم مشوار طويل من الإعمار الفكري والسياسي والاقتصادي.
وبالإصرار على تحرير البلاد؛ أثبت الشعب الليبي صموده في اقتلاع جذور الشر وسيقانه وأوراقه!
وما نرجوه أن تقوم ليبيا من كبوتها التي دامت أربعة عقود وما تم فيها من إبعادها عن الحضارة والمدنية الحديثة، ولن يحصل ذلك مالم يكن الشعب بجميع فئاته وأطيافه وأيديولوجياته قلبا واحدا ويدا واحدة ليستطيع بناء مؤسسات الدولة المدنية، ومبتدئا عصرا جديدا من الحرية وقيام العدل واستقلالية القضاء والانتخابات النزيهة التي ينبغي أن تنبع من إرادة الشعب الذي دفع أرواح أبنائه مهرا لساعة التحرير والقضاء على مظاهر الظلم والاستبداد، واستطاع الليبيون بحق أن يسطّروا ملحمة تاريخية نادرة الحدوث بصمودهم وتكاتفهم، ووقوفهم في وجه الطغيان والاستبداد.
والسؤال المحير هو: كيف يمكن لشعب كان مغيبا ويرزح تحت حكم الرجل الواحد وفكره المعوج من خلال تمييز عنصري بين القبائل أن ينضوي تحت لواء حكومة يديرها القانون والنظام المدني وهو لم يجرب قط حكومة مؤسسات؟!
ويبدو أن هذه هي المهمة الصعبة أمام الحكومة الجديدة، ويتطلب منها الانتقال السلس من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، والاتفاق على نظام سياسي قائم على دستور واضح لا يحتمل التأويلات أو الاجتهادات التي قد تفضي للاستحواذ على السلطة أو سرقتها مرة أخرى! كما يحسن تجنيد عدة فرق من الثوار لإقامة نواة الجيش الليبي المنظَّم، وفتح الباب للباقين للانضمام إلى الأمن الداخلي اعترافا بجهودهم في تحرير بلادهم ،والاستعانة بهم لضبط الأمور، والتحكم غير المباشر بعدم العبث بأسلحتهم التي استلموها إبان الثورة، والقضاء على البطالة المتوقعة. ولن يتم ذلك مالم تسعى الحكومة الانتقالية بتطوير المجتمع المدني وتحرير الناس من الخوف والقهر وتقبل الرأي الآخر؛ ليتمكنوا من المشاركة الفعالة في بناء دولتهم الحرة بعيدا عن الفكر الأحادي السابق.
ما نرجوه هو بث روح الأمل ومشاعر الطمأنينة في نفوس الليبيين بقيام عهد جديد من الأمن بعد سنوات من الحكم الاستبدادي.
وإننا لنبتهل لله عز وجل أن يبرم لأهل ليبيا أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل الضلال والفوضى والفساد. وأن يجنبهم الفرقة ويؤلف بين قلوبهم لما فيه مصلحة بلادهم.
تاريخ النشر: 12 نوفمبر 2011
المتابع لإحصائيات الحجاج؛ يجد أن الأعداد تتزايد عاما بعد آخر حتى وصل إلى ما يربو على ثلاثة ملايين حاج هذا العام، ومن المتوقع زيادة الأعداد أكثر في الأعوام القادمة بإذن الله.
ويعد موسم حج هذا العام ناجحا بجميع المعايير قياسا على الأحداث السياسية والاقتصادية العالمية غير المستقرة، مما كان يستدعي المزيد من القلق من لدن القيادة التي تحرص على راحة الحجاج وعدم تعكير صفو حجهم. والسعي لتوفير الإمكانات الأمنية والخدمية التي يمكن أن تساهم بشكل مفصلي في نجاح كل ما يتعلق بخدمة وراحة الحجيج وتمكينهم من أداء مناسكهم بكل يسر وسهولة.
وليس مثل الأمن حاجة ومطلبا، وهو الذي تنضوي تحته جميع المطالب. فلا أداء لمناسك دون أمن، ولا طواف ولاسعي ولا رمي للجمرات ولا مبيت ولا هدي دونه. فكان هو المؤشر للنجاح. وحين حصل،فقد تحقق التفوق.
ولاشك أن نجاح الموسم جاء نتيجة الدراسات والخطط وورش العمل التي تسبقه، والاستفادة من جميع الخبرات التراكمية والتجارب السابقة والتنبؤات والاحترازات التي تتضمنها خطط الحج الأمنية والخدمية السابقة، فضلا عن تكاملية منظومة الخدمات التي شاركت فيها جميع الجهات المعنية بالحج الصحية والخدمية والأمنية والإعلامية. وكان لخبرة المسؤولين وعزيمتهم ونواياهم الصادقة، وإرادتهم ومهارتهم في التخطيط الدؤوب لمدة عام كامل والتنفيذ على الأرض أثر في عوامل النجاح، وجعل الحج أمرا سهلاً وميسورا. وهو ما يؤكد أن الإعداد الجيد لموسم الحج بصورة مبكرة يؤدي إلى نتائج أفضل.
كما ساهمت في النجاح الخطط المحكمة للتصعيد والنفرة والتفويج إلى جسر الجمرات، وتشغيل قطار المشاعر وجسر الجمرات بكامل طاقته التشغيلية الذي استقله ما يقارب نصف مليون حاج، وكان من أسباب النجاح أيضا الحركة الترددية التي طبقت بكل دقة، وتطوير الخطط المرورية وحجز المركبات المخالفة وتلافي السلبيات السابقة، وتخصيص طرق خاصة بالمشاة مما أدى إلى تيسير تنقلاتهم بين المشاعر، وكذلك تعاون مؤسسات الطوافة وحجاج الداخل في إلزام حجاجها بعدم الخروج لرمي الجمرات وقت الذروة مما حدّ من التدافع والزحام وجعل العمل أكثر دقة وإنجازاً ونجاحا. كما أن إشادة القيادة بجهود جميع العاملين على كافة المستويات تعد حافزاً كبيراً نحو الإنجاز. إضافة إلى الإحساس بالواجب الديني واستشعار المسؤولية الأخلاقية والوطنية من لدن رجال الأمن تجاه ضيوف الرحمن وخدمتهم ومساعدتهم مما أدى إلى تقديم أرقى الخدمات المتميزة لهم والتفاني من أجل ذلك.
وفي كل عام يلمس الحاج النظامي خدمات وتحسينات جديدة يستحقها، وهو جدير بها فيعود لبلده مثنيا ممتنا شاكرا، ويعود كل من ساهم بذلك مبتهجا راضيا.
وفي ختام الموسم، ندعو الله سبحانه وتعالى بأن يزيد بيته الحرام تكريما وتشريفا ومهابة، ويضفي على بلادنا أمنا واستقرارا، وأن يتقبل الله من كافة العاملين ومن جميع الحجاج والمعتمرين العمل الصالح
تاريخ النشر: 8 نوفمبر 2011
كانت أحداث هذا الشهر صاخبة في العالم على المستوى السياسي والاقتصادي والبيئي حيث كان مقتل القذافي تلاه رحيل سمو الأمير سلطان رحمه الله، ثم جاء زلزال تركيا ،وها نحن نتأهب في المملكة لاستقبال موسم الحج الذي نرجو من الله أن يحيطه الأمن وتغشاه السكينة ويؤدي الحجاج مناسكهم بيسر وسهولة. ولأن لقراء المنشود يوما معلوما فسيستعرض تعليقاتهم وآراءهم.
** في مقال( صرخت البيئة، فمتى نصرخ؟!) يضيف القارئ المطلع فهد الهديب إضافة ضافية بقوله (الموضوع الذي تطرقتِ له يمس أمرا مهما وهو صحة الإنسان التي تسير الحياة، بها وتدور بسلامتها عجلة التنمية في البلاد. وتعد الجبيل من مدن العوالق وأكثرها تضرراً، لأنها تحوي مصانع منتوجات كيميائية ذات مواد سامة كالغازات التي لا يراها الشخص ولا حتى يشمها، ويكون وقت انبعاثها بعد منتصف الليل (الفليرات) وقد حذر منها مختص في سلامة الأجواء والبيئة. فيجب أن تراعي الشركات ذلك وتنشئ سكنا لموظفيها في مواقع بعيدة عن هذه المصانع بما لا يقل عن 50 كم) وليست حال العاصمة أفضل منها يا فهد حيث يشكو القارئ نواف الرياض من التلوث وأنه سبَّب له حساسية دائمة!!
وفي الوقت الذي أدعو الله أن يلطف بسكان الأرض؛ آمل أن يعلو صوت المواطن الواعي ليطالب المصانع بتقدير إنسانيته وحقه بالعيش دون تلوث.
** في مقال (الطلاب بين المقاصف والتربية !) يعلق الزميل محمد العرفج بحرقة قائلا (لو نظرنا لأنفسنا لوجدنا بأننا حصاد ما زُرع في طفولتنا, فلو كان اهتمام المدير والمرشد الطلابي بالناشئة بقدر اهتمام بائع المقصف – الذي لا يكترث بالطالب بل بنقوده – لاختلف نمط تفكيرنا اختلافا كبيرا. فدائما يسعى الإنسان للتعامل مع من يسهل له أموره ويحقق له مطالبه بسهولة وبأسرع وقت, فلِمَ لا يشعر الطالب بالامتنان للبائع ويفضِّل الاستهلاك على طرح الاقتراحات والشكاوى لإدارة المدرسة ؟ ببساطة: لأن الأولى أسهل وأسرع!).
وأقول لا تجرحني يا أستاذ محمد بهذه الحقيقة المؤلمة!
** في مقال (سيدات الشورى أم حريم القاعدة؟!) يعلق القارئ عبد الإله بقوله (يعني يا يتم فتح كل شيء للمرأة أو سوف تكون ضمن القاعدة ؟! مو صحيح) وأقول فعلا مو صحيح إنك قرأتَ المقال ولكنك اكتفيت بالعنوان! وقد أسأت فهما فأسأت تعليقا! بينما علقت المشرفة التربوية أم محمد بفهم ووعي بقولها(حفظ الله بناتنا ونساءنا من أي فكر منحرف، فقد كنتُ أقرأ في المنتديات قبل سبع أو تسع سنوات دعوات لتطرف النساء وتشددهن، وشكرا لحملة السكينة على موقعها المنفتح الذي خرج من ربقة التقليدية).وأنا أقول: شكرا لكل امرأة راقية وواعية مثلك يا سيدتي.
تاريخ النشر: 5 نوفمبر 2011
قال تعالى:( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق؛ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات).والمتمعن في هذه الآية يتبين له أن الله جل شأنه لم يحدد ماهية تلك الفوائد. وجاءت كلمة (منافع) نكرة حتى تشمل جميع مناشط الحياة المختلفة والمتغيرة في زمن النبوة الشريفة والأزمنة اللاحقة، وأضاف عليها عز وجل العبادة المحددة في الآية بذكر الله.
فالحج برغم أنه عبادة لا تكتمل أركان الإسلام إلا به؛ فإنه في الوقت ذاته مشهد سياسي واقتصادي ونفسي واجتماعي. حيث يتم اللقاء بين قيادات الدول في أجواء إيمانية بعيدة عن مقتضيات الحكم وأبهته، كما يحدث الالتقاء بين جميع الأجناس البشرية من كافة أصقاع الدنيا ويجري التقارب بينهم وينبذون الخلافات، وبه يحصل البيع والشراء والتجارة وتبادل المصالح الاقتصادية. أما المشهد النفسي فهو ما يحصل من تدريب النفس على المشقة والسفر وفراق الأحبة والوطن، وحظر ملذات النفس وشهواتها في اللبس والتطيب، وعدم المجادلة والانتصار للذات، يضاف عليها تحمّل محدودية الزمان وتواضع المكان والمأوى.
وعلاوة على ذلك؛ فالحج مؤتمر اجتماعي تربوي فريد من نوعه، لأنه يربي في نفوس الناس المعاني والمثل الاجتماعية التربوية السامية لمن يوفق لذلك؛ ففيه يتجسد معنى التعاون بين الحجاج ورحمة القوي بالضعيف والكبير بالصغير، وحنو الغني على الفقير وجوده عليه، والتجرد الكامل من مظاهر الفوارق الطبقية الدنيوية، فالكل في صعيد واحد، متجهون نحو خالق واحد يتوسلون له بكل أساليب الذل والفقر والحاجة، وقد خلعوا الجاه والأوسمة والمناصب. وهنا يحصل ذوبان للفوارق بينهم ولو لفترة قصيرة. فحين تجتمع الحشود الهائلة من مختلف الطبقات والأجناس وتزدحم بهم المعابر وتغص بهم الأماكن العامة ؛ يحرصون على تحمل بعضهم دون خصام أو ضجر تعظيما لهذه العبادة. وبعدها يعود المسلم الحقيقي وقد هذبه الحج واستفاد من دروسه العبر والتوجيهات التربوية الفريدة. فضلا عما يكسبه الحاج من توفيق لدعاء، أو إرشاد لضال أو تعليم لجاهل أو إغاثة لملهوف أو إعانة لضعيف أو إطعام لجائع.
والعجيب في أمر الحج أنه لم يفرض كتابا كالصلاة والصوم، بل قُرن بالاستطاعة، وبرغم ذلك تجتمع كل عام ملايين متجددة من الأمم في هذا المكان المحدود تعظيما لشعيرة الله، وقد بذلوا المال وتحملوا الصعاب من أجل أن يرضى الله عنهم، ويكافئهم بغفران الذنوب فيعودون كما ولدتهم أمهاتهم إذا أخلصوا والتزموا بتعاليمه وتجنبوا نواهيه مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).
نرجو الله أن ييسر أمر الحجاج ويعين الحكومة على خدمتهم، تلك الخدمة التي تليق بهم وتشرفنا أمام ربنا وتبقي قامة ملكينا كما هي، دائما مرفوعة بفخره بخدمة الحرمين الشريفين.
قال تعالى:( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق؛ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات).والمتمعن في هذه الآية يتبين له أن الله جل شأنه لم يحدد ماهية تلك الفوائد. وجاءت كلمة (منافع) نكرة حتى تشمل جميع مناشط الحياة المختلفة والمتغيرة في زمن النبوة الشريفة والأزمنة اللاحقة، وأضاف عليها عز وجل العبادة المحددة في الآية بذكر الله.
فالحج برغم أنه عبادة لا تكتمل أركان الإسلام إلا به؛ فإنه في الوقت ذاته مشهد سياسي واقتصادي ونفسي واجتماعي. حيث يتم اللقاء بين قيادات الدول في أجواء إيمانية بعيدة عن مقتضيات الحكم وأبهته، كما يحدث الالتقاء بين جميع الأجناس البشرية من كافة أصقاع الدنيا ويجري التقارب بينهم وينبذون الخلافات، وبه يحصل البيع والشراء والتجارة وتبادل المصالح الاقتصادية. أما المشهد النفسي فهو ما يحصل من تدريب النفس على المشقة والسفر وفراق الأحبة والوطن، وحظر ملذات النفس وشهواتها في اللبس والتطيب، وعدم المجادلة والانتصار للذات، يضاف عليها تحمّل محدودية الزمان وتواضع المكان والمأوى.
وعلاوة على ذلك؛ فالحج مؤتمر اجتماعي تربوي فريد من نوعه، لأنه يربي في نفوس الناس المعاني والمثل الاجتماعية التربوية السامية لمن يوفق لذلك؛ ففيه يتجسد معنى التعاون بين الحجاج ورحمة القوي بالضعيف والكبير بالصغير، وحنو الغني على الفقير وجوده عليه، والتجرد الكامل من مظاهر الفوارق الطبقية الدنيوية، فالكل في صعيد واحد، متجهون نحو خالق واحد يتوسلون له بكل أساليب الذل والفقر والحاجة، وقد خلعوا الجاه والأوسمة والمناصب. وهنا يحصل ذوبان للفوارق بينهم ولو لفترة قصيرة. فحين تجتمع الحشود الهائلة من مختلف الطبقات والأجناس وتزدحم بهم المعابر وتغص بهم الأماكن العامة ؛ يحرصون على تحمل بعضهم دون خصام أو ضجر تعظيما لهذه العبادة. وبعدها يعود المسلم الحقيقي وقد هذبه الحج واستفاد من دروسه العبر والتوجيهات التربوية الفريدة. فضلا عما يكسبه الحاج من توفيق لدعاء، أو إرشاد لضال أو تعليم لجاهل أو إغاثة لملهوف أو إعانة لضعيف أو إطعام لجائع.
والعجيب في أمر الحج أنه لم يفرض كتابا كالصلاة والصوم، بل قُرن بالاستطاعة، وبرغم ذلك تجتمع كل عام ملايين متجددة من الأمم في هذا المكان المحدود تعظيما لشعيرة الله، وقد بذلوا المال وتحملوا الصعاب من أجل أن يرضى الله عنهم، ويكافئهم بغفران الذنوب فيعودون كما ولدتهم أمهاتهم إذا أخلصوا والتزموا بتعاليمه وتجنبوا نواهيه مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).
نرجو الله أن ييسر أمر الحجاج ويعين الحكومة على خدمتهم، تلك الخدمة التي تليق بهم وتشرفنا أمام ربنا وتبقي قامة ملكينا كما هي، دائما مرفوعة بفخره بخدمة الحرمين الشريفين.