أمي ورحيلها العشرون !!

تاريخ النشر: 6 سبتمبر 2011

لئن كان الموتي يرحلون لمثواهم الأخير مرة واحدة في عمرهم؛ فإن رحيل أمي يتجدد سنويا ولو قلت يوميا لما بالغت ! ففجيعة رحيلها جمرة تتلظى في قلبي وجرح لم يندمل ونزف لا يتوقف.

ومنذ توفيت الوالدة قبل عشرين عاما في رمضان المبارك 1412هـ والدمعة تترقرق في عيني منذ رحيلها. حتى أجدني ـ وأنا في هذا العمر ـ أنهمر في بكاء مرير ساعة تذكري لحظات وجودها قربي.

فلم تكن أمي فحسب بل صديقتي ومخبأ أسراري وملهمتي في مسيرتي، والقوة الدافعة لي بتشجيعي على القراءة والعلم والاطلاع ،وتحمـّل المسؤولية وعدم التواني والكسل برغم أنها لم تكن تقرأ ولا تكتب، كما أن الأوضاع الاقتصادية لا تؤهلها لتوفير الكتب والمجلات آنذاك، ولم تكن شخصيتها نافذة أو مسيطرة، بل إنها خجولة لدرجة ضياع حقوقها.

وإن حدثتكم عن العاطفة المتبادلة بين أم وابنتها فكأنني أتحدث عن علاقة من نسج الخيال ! فقد كنت ملازمة لها طيلة طفولتي وجزءاً من شبابي، وأتلذذ بالجلوس معها وشرب القهوة سويا حتى أنني أفزع من نومي السادسة صباحا حيث لا تنام بعد الفجر، وأستغل الوقت للجلوس ولتبادل الأحاديث الشيقة معها. فكانت رحمة الله عليها تمتن لهذا ـ ولها المنِّة والفضل ـ فترفض أن أصب لها القهوة حين نكون سويا وتقوم به بكل حنان وتقدير برغم غضبي حينا ورفضي أحايين كثيرة ،حتى لكأنها تصبها لضيف كبير مما أوجد في نفسي الثقة وأدخل فيها حب العزة والسمو والشموخ مع تواضعي التام وخضوعي لأمي دوما وطاعتي المطلقة لها وعدم الاستغناء عنها واستشارتها والأخذ برأيها. وكانت تكيل لي المدح والثناء على هيئتي وتصرفاتي مما صرفني عن سماع أي مدح أو إطراء من غيرها وجنبني ذلك استغلال عاطفتي المتدفقة وساهمت مع توفيق الله بعدم وقوعي بما يمكن أن تقع به المراهقات، وتحمَّـلت مسؤولية التربية كاملة لوحدها بعد رحيل والدي رحمه الله.

وكانت أحلامها بسيطة وطموحاتها الستر والعافية لها ولأبنائها وللمسلمين، وأن ترى أحفادها؛ وقد أكرمها الله بقبيلة من الأحفاد في حياتها وبعد مماتها. فقد نشأت يتيمة الأم حين توفيت والدتها بعد إنجابها، وعاشت على الكفاف. وأذكر قلة ملابسها واحتياجاتها حين جمعناها بعد وفاتها وكأنها احتياجات مسافر لأقل من أسبوع! وقد علمتني أن لا أستكثر من الملابس حتى لا يشقى أحد بعد وفاتي بجمعها، وألا يكون عقلي متوجها نحو تكديس الملابس حيث أنها تبلى وتتمزق أو يمل منها! فكانت تقول (من عقله ثوب يتقطع !) وكانت شديدة الولع بالنظافة وترى أنها نور في الوجه ومحبة عند الناس، كما أوصتني ألا يكون همي الأكل والشرب، ولو طلبهما سائل فلأعطيه إياهما وأصبر على الجوع والعطش فقد يكون أحوج مني، ويبقى لي ذِكرا ورصيدا مع الخيرين. وكانت تنهى عن جمع المال بقولها (راعي القليل أكله، وراعي الكثير راح وتركه) وكانت حكيمة بالخبرة ومثقفة بالفطرة، فلا تقول نصيحة إلا وربطتها بمثل أو مقولة مأثورة، وتشدد دوما على رد أسئلة الفضوليين بعبارة (لا أدري) حيث لا عواقب لها.

وأجد نفسي دوما أردد عبارات والدتي وأتقمص شخصيتها وأحاكي تصرفاتها، وأتلذذ بترديد تلك العبارات حتى ولو كنت لوحدي. وأتمنى لو امتد بها العمر لأبرَّ بها، ولعل هذه المقالة نوع من البر وترديد الجميل، فجميلها لا أستطيع أن أرده ولو حرصت.

فعليك رحمة الله ما ردد المسلمون الدعاء، وعليك رحمة الله بقدر حزني عليك وفقدي لك يا أغلى من سكن في قلبي ولم يبرحه.

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

فساد ذوق الألفاظ

تاريخ النشر: 3 سبتمبر 2011

منذ اندلاع الثورة الليبية بات من المعتاد سماع ألفاظ نابية خارجة عن الذوق العام، فأصبحنا وأمسينا نسمعها عدة مرات من معظم القنوات الفضائية الإخبارية، وكادت تلك الألفاظ أن تكون مألوفة حتى أنها دخلت في قاموس المسلسلات، وأخشى أن تدخل في القاموس الاجتماعي العام. فالجرذان والفئران والصراصير بدلا من أن تكون في مخابئها بعيدة عن الشهرة والظهور، تقتات طعامها خلسة وبشق الأنفس، وتحافظ على حياتها؛ فقد أجبرت على الظهور وأصبحت تتجول بيننا بالصفات والكنى !!
وإن المرء ليخاف أن تكون تلك الصفات دارجة ومأنوسة مستقبلا فيعمد لها الناس بتسمية أبنائهم، فبدلا من إطلاق اسم ذيب وعقاب وشيهانة وغزالة تستبدل بصرصور وجرذي وفأرة!! وتخيل بعدها كيف ستتم المناداة !
وأخشى أن يأتي زمن يطلق زعيم على شعبه صفات الروائح السيئة وبعدها تختفي أسماء مثل نسيم وعبير لتحل أسماء نفايات وصرف صحي وزبالة ومستنقع .
وإن كان العرب يتفاءلون بإطلاق الأسماء التي تجلب السعد مثل اسم عيد حين تصادف ولادته العيد، أو فرح حين توافق مناسبة سعيدة، فإنهم بالطبع لا يحبون اسم حُـزن، ويسمون بمطر وربيع ورمضان وغانم ورابح وسابح فلا يوجد اسم صيف وخريف وشتاء وفاقد وخاسر وغارق برغم منطقيتها أو حصولها أثناء الولادة. بل إنهم أطلقوا مسميات أكثر تفاؤلا حين سمّوا مجموعة المسافرين المغادرين بـ(القافلة) تيمنا بعودتها وقفولها راجعة ،وأطلقوا على المريض(السليم ) تفاؤلا بسلامته وعودة صحته.
وطالما كانت أسفار العرب تحمل الزخم الجميل بالألفاظ والصفات فلِــم يستمرئ بعضنا خروج تلك الألفاظ السيئة ومخرج الكلام واحد، والحروف واحدة ؟ بيد أنها تحتاج لترتيب وتنسيق .
ولئن أثبتت الأيام، وأكدت الوقائع ،وبرهنت الحقائق على أن ثوار ليبيا لم يكونوا جرذانا ولا فئرانا بحسب وصف رئيسهم؛ بل كانوا نسورا وصقورا ـ حسب الوصف المعروف ـ فإن التاريخ لا ينسى أبدا بل إن ذاكرته حديدية !وسيذكر لمتصفحيه أن رئيسا نعت شعبه بأقذع الألفاظ ، ووصفهم بأردأ الأوصاف . فإن كان يعتقد أنهم كذلك، فهل سيرضى أن يكتب التاريخ بأنه كان رئيس الجرذان إلا أن يكون جرذا كبيرا متضخما بذاته متلفعا ببردة الغرور والتكبر والازدراء ؟ برغم أنه بالواقع إنسان قد كرمه الله، فالله تعالى يقول (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) وابن آدم لفظ عام يطلق على المسلم وغيره، وعلى الرئيس والمرؤوس، والكبير والصغير.
ولئن كان من السوء أن نسمع تلك الألفاظ من زعيم دولة ؛ فإنه من الأسوأ أن نسمعها من الشعب ضد رئيسهم السابق بعد الانتصار، حيث عانوا من تلك الأوصاف، كما قاسوا من الاضطهاد، وكان ينبغي الترفع عنها والاقتداء بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام حين طأطأ رأسه تواضعا وهو المنتصر برغم مكابدته القهر والتسفيه والتكذيب والتعذيب !!
وأني لأرجو أن تنقشع الغمة وندع مسميات الحيوانات (الداجنة والمفترسة والجوارح والزواحف والفواسق والحشرات القافزة واللاسعة) ونعاود تبادل الألفاظ الجميلة التي تليق بإنسانيتنا ،والأسماء اللطيفة، فهذا بطل، وهذه عسل وذاك زكي وباسم، وتلك شذى وربى وغيداء.

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد
صفحة 3 من 3«123

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner