الاحتساب وسوق الأعشاب !!

تاريخ النشر: 5 فبراير 2011

لا أحد يشك إطلاقا في مهارة وقدرة وسرعة إنجاز أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مباشرة الحوادث الأخلاقية في الأسواق العامة والمطاعم،لما لديهم من إمكانيات هائلة في الكوادر البشرية والمادية،فضلا عن حماسهم وإخلاصهم،وهو جهد يشكرون عليه.
ولعل مصطلح (الهيئة) ارتبط في أذهان الناس بمحاربة المشاهد المخلة،والعلاقات المحرمة أو المشبوهة. بينما وظيفته أشمل من ذلك.ففي تعريف الحسبة المصطلح المرادف لهيئة الأمر بالمعروف هي(رقابة إدارية واجتماعية وأمنية،لتعلق واجب الحسبة بمراقبة الأخلاق والدين والآداب العامة والاقتصاد والأسواق وغيرها ـ أي مجال نشاط الأفراد ـ وتقوم بها الدولة عن طريق موظفين خاصين تحقيقا للعدل والفضيلة).
ومن خلال هذا التعريف يظهر اتساع أدوارها ومناشطها وعدم اقتصارها على مواقف ردود الأفعال أو التبليغات،حيث ينبغي تجاوزها إلى القيام بالأفعال،ومن ضمن ذلك ضرورة ممارستها مراقبة البيع والشراء والغش والتدليس والاحتيال في الأسواق وتنظيم واقعها ومنع التظالم فيها كأحد أدوارها المهمة في ظل تقاعس وزارة الصحة وأمانات المناطق والبلديات.
ويؤكد ما أقوله ما أشار إليه عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الله بن محمد المطلق حول مسؤولية الاحتساب في الأسواق لاسيما سوق العلاج الشعبي. يقول الشيخ المطلق (لقد كثُر في هذا الزمان محلات تبيع الأدوية الشعبية يشرف على بعضها أناس ليس لديهم شهادات علمية،ولم يُعرفوا بتجربة مشهود لها من أهل الخبرة،يبيعون خلطات شعبية لم يحسنوا مقدار الخلط ولا عدد الجرعات اليومية وهم يسيئون تطبيق ما ورد في كتب الطب النبوي من غير دراية، فلم تعمل على أيدي خبراء.ويجعلون ذلك مصدر رزق وتجارة يروجونها فيأكلون بها أموال الناس بالباطل، ويضرون أبدانهم).
وكلنا ندرك أن سوق الأعشاب ومحلات العطارة على وجه التحديد لم يتوقف الأمر فيها على البيع، ولكن تجاوزها إلى التشخيص وصرف الدواء وتركيب الأدوية،بل وخلطها بمستحضرات طبية ومواد كيميائية بمقادير عشوائية دون اعتبار للأعراض الجانبية المحتملة أو الواقعة،ودونما تحذير من تجاوز الجرعات. وبرغم خطورة هذا الأمر على الصحة إلا أن لا أحد يتحمل مسؤولية هذه الفوضى،حيث لم يثبت أن وجهت التهمة لأي شخص من الباعة المحتالين والمتطببين على حساب جهل الناس.وبحسب الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من تطبب ولم يعلم من قبل ذلك الطب فهو ضامن) ولأنه ليس ثمة دليل على تسبب أولئك المحتالين بتلك الكوارث، لذا فهم بمعزل عن العقاب،مما يجعلهم بعيدا عن المحاسبة لضعف الرقابة وعدم وجود جهة تحمل المسؤولية.وكثير ما نسمع عن حالات وفيات أو حصول أمراض مزمنة من أكثرها التليف الكبدي أو الفشل الكلوي.
وحري بالرئاسة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممثلة في رئيسها النشط المتنور الاضطلاع بهذه المهمة الشرعية والإنسانية والاجتماعية،حيث أنها من أحد الأسباب التي تقربهم للناس وتقرب الناس لهم،وتؤصل الثقة بهم والرضا عنهم،وهو ما تسعى له الرئاسة مؤخرا،باعتبار أن وظيفة الحسبة رقابية وإصلاحية وبديلة عن بعض الدوائر التي بان ضعفها وظهر بعض فسادها.ولا ريب أن استحداث الوسائل البديلة الصالحة للناس هو سمة حضارية لمجتمع ينشد الإصلاح.

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

قلبي عليك يا مصر !

تاريخ النشر: 3 فبراير 2011

نتابع بألم وقلق تداعيات الأحداث الجارية في مصر،ويدرك العاقل مدى انعكاسها على الأوضاع العربية والإسلامية،خصوصا بعدما دخلت نفقا مظلما بل ومخيفا من التخريب والانفلات الأمني المريع،ولعل أغلبنا شاهد النيران وهي تلتهم مراكز الشرطة،وسمع عن السطو على مستشفى أطفال أمراض السرطان الخيري، فضلا عن عمليات النهب لأحد المصارف قرب المتحف الوطني.
والتظاهرات الشعبية (عموما) تحمل طابع المطالبة بالتغيير وإعطاء الشعب فرصته بالمشاركة في الحكم،والمناداة بمحاربة البطالة والغلاء،وتردي المعيشة،وربما تكون دوافع معظمها عاطفية بحتة حين تحمل بين جوانحها الحماس المدفوع بالبحث عن البدائل السياسية التي غالبا لا تكون بمستوى الطموحات،أو أن تكون دوافعها نشد العدالة،لأن أحد أسباب الفتن غياب العدل،فالظلم يولــّد الفوضى وهو نتيجة لعدم تكافؤ الفرص !
ولا شك أن حلم التغيير والتطوير في السياسات وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والتنموية المرافقة لتطور فكر المجتمع مطلب جميع الشعوب،بيد أن الاختلاف في الأسلوب الذي يطمح أي عاقل أن لا يكون بالثورة العارمة،والعبث والفوضى والانفلات الأمني والخسائر في الأرواح والممتلكات.
والديمقراطية هي بالواقع (الوهم العربي)و(السراب الأزلي) الذي تلاحقه الشعوب العربية على وجه الخصوص بينما قد لا يكون من مصلحتهم ممارستها. فالمطالبة بالحرية والتعبير عن الرأي أساءا للعرب كثيرا،حين لم يحسنوا استخدام حدودهما واحترام أبعادهما ! وقد تحول التعبير عن الرأي إلى قلة أدب وخروج عن اللياقة (أحيانا) كما حدث في بعض الدول العربية؛وإنه ليخشى إن ترك الباب مفتوحا للحرية على مصراعيه فإنه قد يدخل ما ليس مقبولا ولا ملائما لتلك الشعوب المحافظة. لذا كان من الصالح العام مواربة باب الحرية،أو اللجوء لشعرة معاوية الذي طال حكمه دون أن تنقطع شعرته المشهورة. ومن هنا يكون من الحكمة عدم تجاهل مطالب الشعوب أو تهميش جميع فئاته والاكتفاء بحقنهم بالوعود. كما يحسن عدم الاستهانة بحقوق الحكام والمسؤولين على طول الخط أو رميهم بالفساد! فليس من العدالة ولا الديمقراطية ولا حرية الرأي الدخول بالذمم والقذف ما لم نكن على اطلاع وثيق بملفات الفساد، فرمي الكلام على عواهنه جعل المفسد يزداد فسادا دون اعتبار للرأي العام،حينما تساوى مع النزيه عبر معادلة غير عادلة ! برغم اتفاقنا أن الفساد يبطئ بعجلة التنمية،فضلا عن قهره النفوس وسلبه الانتماء من قلوب المواطنين،ومساهمته في نهب مقومات الأوطان. وينبغي على الحكومات أن تولي اهتماما كبيرا بمكافحة الفساد بإيقاظ الضمير الجمعي،وتأصيل الانتماء للوطن،وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين، وإشباع حاجاتهم الأساسية التي لها مساس في حياتهم ومستقبلهم وأمنهم من السكن والتعليم والصحة.
والواقع إن ما يحدث في مصر الجريحة يجعلنا نصاب باللوعة على ما ألم بأهلها من إحباط ويأس كانت نتيجته الزحف نحو الشوارع في محاولة للتعبير عما ناله بعضهم من تهميش وإقصاء عن المشاركة في صنع القرار برغم مساهمتهم في الإصلاحات،إلا أنهم تحولوا دون أن يدركوا إلى وقود لهذه النار الملتهبة.
وإن كان أبناء مصر الأحباء ممن كانوا لنا أساتذة ومعلمين ومهندسين وعمال مهرة نشأت على أيديهم أجيال من بلادي الحبيبة،وشُـيدت بسواعدهم بنايات شاهقة. فإننا لا ننسى قط فضلهم علينا حين كانت بلادنا ترسف بقيود الجهل.وهذا الجميل يتطلب وقوفنا معهم بمشاعرنا والدعاء لهم بألسنتنا وقلوبنا أن يحفظ الله مصر وأبناءها وشيوخها،كما حفظ نيلها العظيم من الجفاف على مدى السنين.

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد
صفحة 3 من 3«123

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner