نحو بيئة آمنة للأطفال !

تاريخ النشر: 7 يناير 2010

   إن تخلت الأسرة عن معظم أدوارها الحيوية وأوكلت للمدرسة والشارع ووسائل الإعلام القيام بأدوار تربوية وتعليمية وتثقيفية فإن ذلك يعد مؤشراً خطيراً على بيئة الطفل وثقافته التي تعتمد اعتمادا كليا على ثقافة الأسرة بما تحويه من العادات والقيم والمعتقدات وأساليب السلوك والعلاقات بين أفرادها والأدوار المناطة بكل فرد والتقنيات التي ينبغي نقلها وتعليمها لأبنائها والتكيف معها بما يعطي الحياة نمطاً واضحا ومحدداً،ويمنح الطفل الأمن والارتياح.

 وثقافة الأطفال واعتقاداتهم ووعيهم بما يدور حولهم تتصل عادة بالتنشئة الاجتماعية انطلاقاً من ثقافة مجتمعهم وتقاليده وتاريخه وعاداته التي تميزه عن غيره.وينشأ الطفل متشبعا بهذه التقاليد والعادات التي ورثها من أسرته،برغم أن بعض الثقافات سيئة وينبغي للأسر تجنب انتقالها إلى أبنائهم،مثلما ينبغي الحذر من انتقال ثقافات رديئة من قبل أقرانهم.وليس أجمل من ترسيخ ثقافة ناضجة في نفوس الأبناء تحترم حقوقهم.

   وينبغي التركيز على ما يواجه الأطفال من مصاعب وحوادث في حياتهم وبيئتهم لتأثيرها في تنشئتهم.مع الأخذ بالاعتبار أن المشكلات البيئية المتعلقة بنمط حياتهم ليست مسؤولية هيئات حكومية بقدر ما هي مسؤولية أسرهم كأفراد راشدين.وعليه،لابد أن يدركوا ما يحيط في تفاصيل حياة أبنائهم وتعاملهم مع البيئة.لأن التعامل معها بشكل سليم هو ما يخلق عادة لدى الطفل الشعور بالأمن الذي  يحتاجه بشدة في كل جوانب حياته التعليمية والفكرية والعاطفية والاقتصادية،كما يحتاجه عند مواجهته مختلف الحوادث.

     وقد أشارت دراسات نفسية إلى تأخر النمو الجسدي لبعض الأطفال عند حد معين في حالة انعدام الأمن النفسي،حيث يصاب الطفل بعسر الهضم ويبدو عليه الهزال والنحول وبالتالي الخور،عدا عن مشاعر الخوف والنظر للحياة بوحشة وارتياب.وبدلا من أن يكون عضواً فعالاً في المجتمع سيكون مشروعا لمواطن عاجز عن أداء دوره فيه.

    والأطفال عادة هم الأكثر عرضة للحوادث البيئية،وبرغم ذلك قد ينسى الآباء أو يتجاهلون ضرورة تثقيفهم وإرشادهم بأمور السلامة البسيطة التي قد تنقذهم من خطر محقق حين يكونون بمنأى عن والديهم وقت وقوعه.فيجدر تعليمهم أرقام الطوارئ في البلد الذي يقطنون فيه،والوقت والظرف المناسب لاستخدامها.كما ينبغي إشعار الأطفال بالأمن عند عدم تواجد والديهم معهم وتدريبهم على حفظ أرقام هواتف آبائهم وعنوان سكنهم بكل وضوح،أو ترك ورقة مدون فيها العنوان وأرقام الاتصال تحسبا لأي طارئ،وهذا من شأنه جعل الطفل يتعايش مع بيئته المدرسية أو الخارجية براحة وأمن، فالإحساس بالأمن ضروري لنمو الطفل جسدياً وعاطفياً وخلقياً.

ولابد من التأكيد على أن حاجة الطفل إلى الأمن في وقت غياب والديه أو تقصيرهم قد يلجئه للبحث عنه من لدن أشخاص آخرين،وهذا كفيل بإبعاده عن أسرته وحضنها الدافئ والانفصال عنها تدريجيا،والثورة على النظام الأسري.وهو ما يجر لمفاسد أخلاقية وسلوكية ويجعل لديه القابلية لممارسة بعض التصرفات المرفوضة كالادعاءات الكاذبة والتمرد على سلطة الأسرة وعصيان أوامرها،والهروب من المنزل.

  و يجدر بالأسرة تعميق الأمن النفسي لأبنائها بمنحهم مساحة واسعة من الحوار الخلاّق والنقاش البناء وتجنب الكذب عليهم أو استغفالهم،وضرورة التعامل معهم باحترام وصدق،وإشعارهم بالاستقرار وتوفير الملاذ الآمن لهم بشكل دائم والتأكيد على طلب اللجوء للوالدين في الشدائد،والعمل على رفع المعنويات بصورة تسمح للطفل بأن يرتمي في أحضانهم عند شعوره بالخطر.حيث يمكن لعامل الأمن توفير الأجواء الملائمة للحركة والنشاط والمساهمة في إيقاد النشاط الفكري وتوجيهه نحو مجالات مفيدة،ودفعه إلى الأمام وهذا من شأنه خلق بيئة اجتماعية آمنة لأحبابنا،بعيدا عن العنف الأسري،مع ضرورة تفعيل ثقافة وطنية تحترم حقوق الأطفال ليعم الأمن محيط الطفولة البريء.

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

هـروب الخدم ، والفتاوى!!

تاريخ النشر: 5 يناير 2010

تقع بعض الدوائر الحكومية والمؤسسات في ورطة أمام كل قرار يحتاج للمشاركة والتفعيل الاجتماعي،  لدرجة أن تستنفر المشائخ ليصدروا فتوى لكبح جماح الناس وردعهم عن استمراء الخطأ والانسياق فيه.

    حصل ذلك إبان عجز المرور عن السيطرة على سلوك السائقين وقطعهم الإشارة الحمراء وتجاوزها بسلام أو بدونه ! وآنذاك استعان المرور بذكاء بالمفتي لإصدار فتوى تحرم قطع الإشارة . برغم استطاعتهم تفعيل قانون العقوبات بالغرامات والسجن والجلد إلا أنهم بحثوا عن الطريقة الأسهل والأكثر نفوذا، فاستعانوا بالفتاوى.

   وكنت قد ناقشت صديقتي الحبيبة وأبديت لها رغبتي في طرح اقتراح إصدار فتوى تحرم تشغيل عاملات المنازل والسائقين الهاربين، فرمقتـني بنظرة حادة تنم عن استغرابها اقتراحي، بحسب وجهة نظرها أن الفتاوى لا تكون لهذه الأمور! وبرغم قناعتي بقوة نفوذ الفتوى وتأثيرها على الناس إلا أنني أقلعت عن الفكرة بتاتا، بيد أنها ظلت تعيش في داخلي بعد أن ازدادت وتيرة الهرب وعلا صوت الناس المتضررين من هذه الظاهرة حتى شكى منها أحد أصحاب مكاتب الاستقدام.

  وسعدت حقا بإطلاق الشيخ عبد المحسن العبيكان،المستشار في الديوان الملكي،فتوى شرعية تحرم تشغيل الأسر للخادمات الهاربات،بحسب تقرير نشرته صحيفة الرياض الأربعاء 2/12/2009قال فيه الشيخ العبيكان (إن تشغيل الأسر للخادمات الهاربات لا يجوز شرعاً,وممنوع نظاماً,والخادمة الهاربة حق لصاحب التأشيرة).وأكد الشيخ أن تشغيل الخادمات الهاربات فيه تعدٍ على حقوق الغير,ويعتبر بمثابة تشجيع على الهروب والتمرد على أصحاب التأشيرات.

   وتأتي الفتوى بعد تزايد حجم الطلب من قبل الأسر الراغبة في تشغيل عاملات هاربات،ولذا ارتفعت أجور العاملات المخالفات لنظام الإقامة ارتفاعاً ملحوظاً.وأصبحت الحاجة ملحة لاستصدار فتوى؛نظرا لغياب الأنظمة التام وعدم وجود حلول حازمة توقف حركة السماسرة بالسوق السوداء الذين نشط عملهم وأصبحوا يشتغلون لحسابهم الخاص عن طريق نشر إعلانات بالصحف وعلى جدران المحلات متضمنة أرقام الجوالات لتأمين عاملات منزليات بالأجر اليومي والشهري بناء على طلب الأسر،وفي أوقات قياسية,مقابل أجور شهرية مرتفعة وأسعار خيالية تصل إلى100%من الأجور التي تتقاضاها الخادمات النظاميات.وتتضاعف في المواسم كشهر رمضان والأعياد.

  ويواجه الراغبون في استقدام عاملة منزلية إجراءات طويلة فضلا عن ارتفاع أجور استقدام الأيدي العاملة,إضافة إلى تأخر وصولها عن الفترة التي تحددها تلك المكاتب,وهو الأمر الذي يشجع الأسر على تشغيل الخادمات الهاربات خلال فترة انتظار العاملة المنزلية النظامية والتي قد تستمر فترة انتظارها عدة أشهر،وبرغم وعد المكاتب بأن لا تتعدى فترة الاستقدام ستين يوما إلا أنها لا توفي بوعدها،ناهيك عن أن الجوازات لا تمكـّن المواطن من الاستقدام إلا بعد تسجيل حالة الهروب أو القبض عليه مخالفا وتسليم جواز السفر،وبعدها ينتظر المواطن ثلاثة شهور ليتسنى له استقدام البديل،وبسبب ذلك يضطر للاستعانة بالعاملات الهاربات والمغرر بهن.

   ولازال الأمل معقودا بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشرطة والجوازات للقيام بحملات استباقية مفاجئة وتفتيش غرف السائقين الملحقة بمساكن الكفلاء أو الموجودة بالمجمعات وفوق سطوح المنازل،والقيام بتوزيع منشورات توعوية لتنبيه العمالة الوافدة من مغبة القيام بما يخالف أنظمة البلد كتهريب العمالة من كفلائها وتأجيرها،أو تصنيع الخمور،أو نسخ الأفلام المخلة بالآداب.حيث أن القبض عليهم بعد حصول المحذور يؤدي لسجنهم وتسفيرهم،وفي ذلك خسارة على الكفيل الذي لا يـُعفى أيضا من مراقبة سائقه وتجنب ترك مفاتيح السيارة معه.ويفضل إيقاف السيارات داخل المنازل تحسبا  لاستخدامها في الليل لأغراض مشبوهة أو أعمال مريبة.مع يقيننا أن وجود هؤلاء العمالة الرخيصة عبء على الوطن وبلاء على المواطن !

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

في الحوار الوطني .. تلاشت الوسطية!!

تاريخ النشر: 3 يناير 2010

   وسط ثلاثة وستين متحاوراً يمثلون أطيافاً ومذاهبَ متعددة ورؤى وتطلعات وأفكاراً مختلفة؛ضاعت الوسطية،بل غرقت وسط بحيرة الإقصاء والتهميش،وتخوين الآخر والأحادية والاعتداد بالرأي،بدلاً من السباحة في محيط التسامح والاعتدال! حيث أدى انقسام المتحاورين لفريقين ليبرالي ومتشدد إلى انزواء الوسطية وانطوائها وخوفها من أن تنالها شظايا المعركة وسهامها،لدرجة اتهامها بالنفاق،ووصف معتنقيها بالمائعين! وتعميم المقولة الشهيرة (من لم يكن معنا،فهو ضدنا!) فاللون الرمادي ممنوع! وحين تتصالح مع شخصيات الطرفين،وتتسامح مع أفكارهم وتناقشها بهدوء،فلن يقبل بك كلاهما ولن تجد مكاناً بينهما ولن يُسمع لك صوتٌ! بل يجد الوسطيون أنفسهم بين تراشق الألفاظ وتبادل الاتهامات خارج دائرة الحوار التي ينبغي أن يكونوا نجومها!

    وجدت صاحبة( المنشود) اسمها في الحوار الوطني يتوسط شخصيتين في غاية التناقض الفكري،وعلى مدى خمس جلسات كانت ترقب الوضع فلا ترغب في خسارة الطرفين ليبرالياً كان أو متشدداً،فأرخت خيوط النزاع وشدت حبال التسامح لتكسب جولات الحوار،وتخرج منه أكثر حلماً وأوسع أفقاً وأعمق فكراً بأن الإنسان هو الجوهر،والأفكار والرؤى والتطلعات صفات عرضية وسلوكيات متغيرة يمكن أن تبقى أو تزول أو تتهذب و تتطور.

   وعادت من جلسات الحوار أكثر تصميماً على تمسكها بوسطيتها (المائعة) حتى ولو كانت بدون طعم ولا رائحة ولا لون كالماء تماماً! الذي يحمل هذه الصفات ولا غنى عنه! لأنها لا تريد طعم الشقاق،ولا رائحة الإقصاء،ولا ألوان الفرقة. فالوسطية تنادي بالحوار الخلاق،بما تحمله الأخلاقيات من مُـثــُـلٍ سامية ومعانٍ نبيلة!لإدراكها أن أفكار الآخرين وآراءهم هي خيارات وليست ملزمات مفروضة! وثقافة التشكيك بالمواطنة ما هي إلا مؤامرة لئيمة،كما أن ثقافة التكفير نبذٌ ممجوج ! وفي حين أن الوطن أرض وأمومة وانتماء وهو قادر على احتواء أبنائه،فإن الإسلام أوسع من سنن الرواتب وتخليل الأصابع في الوضوء! والتكفير ليس رأياً محضا كما أن الحكم بدخول الجنة ليس حكراً على فئةٍ دون أخرى!

    انضممتُ إلى عـِقد الحوار الثقافي وكنتُ آمل ألا يتأبطَ أحدنا أجندته المعدة سلفاً،وإن فعل فلا يخرج بها ذاتها دون أن يفكر بتطعيمها بأفكار المتحاورين ممن حوله،ليكون بعدها قادراً وإياهم على صياغة رؤية مستقبلية للخطاب الثقافي واستخلاص الأفكار الإيجابية المطروحة وتطويرها وفق ثوابت دينية ووطنية.

     وإن كان قد عاد بعضنا بنفس أفكاره وذات قناعاته،ولم يصقله الحوار ويهذب ألفاظه؛فليس للوطن فيه حاجة! ولا لسلسلة التنمية فيه مطمع! برغم التطلعات أن يذيب الاجتماع الوطني فوارق البعد الجغرافي ويقرب شتات القلوب،ويجمع الأهداف،ويرسخ القناعة بأن بلداً كبلدنا يستحق أن يجد له مكاناً يليق به بين الدول العظمى! بعيداً عن مصطلح الخصوصية المغرقة بالبدائية،قريباً من مفهوم الهوية الإسلامية التي لا تقبل المساومة ولا تخضع للمزايدة! في الوقت الذي يجب أن ينأى مفهوم المواطنة عن أي مسمياتٍ سوى الانتماء له وقبوله أبنائه مهما كانت اتجاهاتهم وأفكارهم ومذاهبهم.

    بعد نهاية فعاليات الحوار،قرأت تداعياته في مواقع الإنترنت فاكتشفت أن كل فريقٍ يطبّل لمعتنقي أفكاره وكأنه هو من أوفدهم لملتقى الحوار! فهذا يُشاد به لأنه أسكت فلاناً! وذاك يصفـّق له لأنه أفحم فلاناً ! والآخر يُدعى له لأنه ألقم فلاناً حجراً ! وعلى مستوى المناطقية؛فقد توالت احتفالات بعض المحافظات بعودة مثقفيها الذين مثـلوها في الحوار الثقافي،وكأنه ليس تمثيلاً للوطن!بينما هم لم يحركوا ساكناً ولم يسكنوا متحركاً! وعلى المستوى القبلي؛فقد احتفت إحدى القبائل بابنها البار الذي شارك في الخطاب الثقافي وكأنه جاء من مهرجان المزاين!

    أيها الوطن الحليم ،الشامخ بمثقفيك…أحسن الله عزاءك!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد
صفحة 3 من 3«123

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner