تغرق في عمل مهم جدا، وكلما فكرت بإنهائه لتؤدي صلاتك، يهمس لك الشيطان من خلال نفسك بأنك قد شارفت على الانتهاء، بل لم يتبق لك إلا القليل وينتهي العمل، وتغريك نفسك المسوفة بمتابعته لتتمكن بعده من التفرغ لصلاتك والخشوع فيها، دونما تفكير بذلك العمل، وتركن لهذا الرأي الذي يوافق هواك، وتتلذذ باتباعه.
تتابع برنامجاً تلفزيونياً ممتعاً يداعب اهتماماتك، ويلقى عنايتك، وتؤجل بسببه فروضاً شرعية أو واجبات اجتماعية ملحّة, وربما يتبع الأمر من التهاون الذي قد لا يصل إلى المساس بالحدود الشرعية، ولكنه يظل أحد أنواع التسويف والمتعة والاستمراء!
الشخص المدخن يستمرئ ممارسة التدخين ويجد فيه الاستمتاع، وهو يعلم أن في ذلك مخالفة شرعية بحسب أضراره على النفس والجسم والمجتمع والمال. وتراه يؤجل قرار التوقف عن التدخين سنة بعد أخرى، وكأنه يستمرئ التدمير الذي يشعره بتحقيق هوى النفس وإثبات هويتها.
أشخاص ابتلوا بالمعاكسات والمكالمات الهاتفية الفارغة، فتجدهم أسرى لهذه المحادثات الخاوية، وقد يعيدون كلاماً سبق أن قيل واستهلك حتى الملل، ويلوكون عبارات أعيدت ورُددت حتى الطفش، ولكنهم أبداً لا يرعوون أو يتوقفون للتفكير، فهم يمارسون استمراءً للخطأ وتأجيلاً لاتخاذ قرار لا رجعة فيه! وهم يغفلون عن أهم شروط هذا القرار وهو حضور النفس اللوّامة وتواجدها، تلك النفس الحازمة التي لا تكتفي بقرع الأجراس فوق الرؤوس، بل تدق الطبول لتوقظ النفوس، حتى يفزع المرء فيرى فساد الفعل، وسوء المصير، وشر العاقبة والمنقلب!
وإن حدثتكم عن استمراء الغيبة، وتوق النفس لمضغ هذا الفعل والسلوك المحرَّم الذي شبهه الله عز وجل بأكل لحم الإنسان الميت؛ فإنه حديث ذو شجون، حتى أشار لذلك صلى الله عليه وسلم كنوع من الحث وهو ضمان الجنة لمن ضمن ما بين لحييه، ويقصد حفظ اللسان من الغيبة والنميمة.
إن استمراء الخطأ أيا كان شكله، أو مبرراته، ما هو إلا عجز عن أخذ زمام النفس، وقبض عنان القلب، وجذب لجام الضمير، وشد رسن العقل. وبالمقابل يلزم ترويض الروح على نهج الطريق السليم، ونبذ الاستمراء، وكراهية السير فيه، ومقت الاستمتاع بغير ما أحله الله من قول السوء، أو فعل المنكر، أو سلوك الباطل. والأخذ بما يقبله الشرع، وما يوافق الفطرة السليمة، وما يعارض الهوى. فما رأيت مثل الهوى قاتلاً، وما شاهدت مثل الانحراف عن الصراط مهلكاً!!
في رسالته يقول سعود السبيعي وهو صاحب معاناة: (أما آن لهذا الابن البار للدولة (السلم العام للموظفين) أن يحظى بالتفاتة من ولاة الأمر؟ فنحن لا نطلب أمراً فيه العسر إنما يكمن طلبنا بالموافقة على تحسين مراتبنا الوظيفية التي مرت عليها وعلينا سنوات ونحن قابعون بانتظار نقلنا من على تلك المراتب الدنيا، فأين العدل؟ وحينما نرى بعض زملائنا أفضل من رؤسائهم وظيفياً فإن الإحباط يعصرنا).
والحقيقة أنني أشارك الأستاذ سعود مطالبته المنطقية بضرورة تحسين أوضاع موظفي السلم العام، بل بات من الضرورة الملحة خصوصاً بعد إتمام عملية تثبيت العمال والمستخدمين لا سيما حين يرون ترقيات بعض زملائهم تحتسب بواقع (3 سنوات) فقط! بينما هم صعدوا درجات المرتبة الخامسة عشرة و(صفطوا) السلم كله جيئةً وذهاباً دون ترقية لمرتبة أخرى! فهم يشعرون بالظلم حين يرون حامل الشهادة الابتدائية يحصل على مرتبة عالية وصاحب الشهادة الجامعية يُعيَّن على المرتبة الثانية والثالثة، والمنطق لا يقبل أن يبقى الحاصلون على الشهادات الجامعية وما فوقها على المراتب الدنيا من السلم العام في حين يحظى أصحاب الشهادة الابتدائية والكفاءة والثانوية على المراتب العليا بفعل ترقيات المحسوبية المقيتة!
ورغم ذلك لا زالوا يأملون بتحسين مراتبهم وفقاً لمؤهلاتهم العلمية واحتساب سنوات الخبرة التي قضوها في خدمة وزارة التربية والتعليم. لا سيما وهم يطَّلعون على التعاميم الواردة بهذا الخصوص التي أصبحت كالسراب!
وإني أقترح على ديوان الخدمة المدنية الاستعانة بالشؤون الصحية في الحرس الوطني لفصل الموظف عن السلم الوظيفي البائد، أو الأخذ بفكرة المراكز التجارية بأن تضع لكل وزارة مصعداً خاصاً لموظفيها، خصوصاً وزارة التربية والتعليم التي قضت على السلم التعليمي للطلبة ولم تحوله مصعداً أو سلماً كهربائياً بل مركبة فضائية سريعة تنقل الطلبة من الصف الأول الابتدائي وتوصله للمريخ (أقصد) الثالث ثانوي دون المرور على الحروف الأبجدية أو جداول الضرب فلا.. قرأ ولا كتب! ولكنه دج وفشل!!
أقول ذلك وأنا أسمع دائما نغمة موحدة تدور في محيط الشكوى من الفقر وقلة الدخل، وارتفاع الأسعار، فلا تكاد تجد إلا متأففا من وضعه الاقتصادي، متضجرا من مصروفاته حاسدا فلانا من الأغنياء، مبديا غيرته بلا حياء من آخر يملك سيارة فارهة أو قصرا مشيدا. وكأنه – والحالة هذه – يشكو رباً رزقه الكفاف ومنحه الصحة والأمن والحرية.
والعجيب أن حالة من العدوى أصبحت تستشري بين الناس، فما أن يبدأ أحد بالشكوى حتى يشاركه الجميع بالتبرم والسخط ولاسيما حين يأتي ذكر لرجال أعمال مشهورين فيتهمونهم بعدم إخراج الزكاة وهم لا يعلمون عنهم شيئا، وصولا لمسئولين بالدولة يغمزونهم باستخدام سلطاتهم للوصول إلى مآربهم والحصول على تسهيلات مالية فيكونون قد أدخلوا في ذممهم ما لم يروه أو يقفوا عليه، ولا يقف الأمر عند ذلك الحد بل وتدخل الدولة في إطار الاتهام ليتساءلوا عن أموالها وميزانيتها الضخمة وكيف صرفت؟! ولو جعلوا للإنصاف موضعا لرأوا كمية الأموال التي تصرف على مدرسة واحدة بما تحويه من مبنى وفصول ومرافق عامة، فضلا عن رواتب معلميها وموظفيها، فكيف بأعداد المدارس والمعاهد والجامعات؟ ولشاهدوا ما يصرف على مستشفى واحد بكل ما يشمله من تكاليف على مدى عام كامل، ولو أعطيت الميزانية جميعها لشخص واحد غير راشد لصرفها في وقت قصير مثلما يصرف راتبه، ولبات يشكو الفقر ويتذمر ويسخط على كل من حوله، ومن غير المنطق الإسراف في الإنفاق والشكوى من الفقر!
وما أود الوصول له هو ضرورة تعلم لغة تدبير المعيشة، وأبجديات الرضا والقناعة، فليست العبرة بكثرة الدخل ولكنها بحكمة الصرف، والتوقف عن شراء ما لا يلزم أو ما يمكن الاستغناء عنه، ووضع حدود كافية بما يكفي المرء ويعفه عن النظر بما في أيدي الناس وما منحهم الله إياه من زينة الحياة الدنيا، ويسأل الله من فضله بما يكفيه ولا يطغيه، ولا يستدرجه لمعصية أو يشغله عن ذكر ربه أو تربية أبنائه.
وعلينا أن نحارب ظاهرة التذمر من الفقر ونوقف شلال الشكوى من تكاليف المعيشة والسخط من الأوضاع الاقتصادية الراهنة. وبالمقابل يحسن أن نوطن معاني التفاؤل ونستثمر الوقت بتلمس أسباب الرزق والبحث عن أماكن العمل وتحسين الدخل بالطرق المشروعة بما يشغل أوقاتنا ويثريها بالعطاء ويكسو حياتنا بالرضا!
وكلنا يدرك ويعرف فضول السيدات وشغفهن بالنقاشات الحادة، واستمتاعهن بالمشادات المنفرجة، وتلذذهن بمضغ أحداث الهوشات بل وإضافة البهارات والمقبلات والمنكهات، ونقل الأحداث إما بتراجيديا مبكية أو كوميديا مضحكة، لدرجة أن الشاهد على الأحداث يشكك بذاكرته!!
والعجيب أنه أثناء المشادات عموما ينقسم الناس إلى فرقاء إما شامت بالمجني عليه، أو مشفق على ما ناله من ألم نفسي وجسدي، بينما البعض لا يعنيه الأمر من قريب أو بعيد وكأنه يشاهد عرضاً مسرحياً تافهاً وسخيفاً، فلا تجده يفزع أو تراه يتفاعل!! والمضحك الساخر حين يتعاطف الناس مع المعتدي وكأنه المجني عليه!! مما يزيده طغيانا واستبداداً، فترى أن حل المشكلة يتم بصورة لم تتوقعها إطلاقاً، حيث يبادر المجتمعون إلى عبارة باردة (تصالحوا وادحروا الشيطان)!! مما يثير المرء المتألم ويهيج أعصابه، ولا يشفي غليله، كونه معتدى عليه ويطالب بحقه الشخصي، واعتباره الأدبي لاسيما السيدات (القوارير) اللاتي يتساءلن بحرقة عن مدى حدود حمايتهن في مقر أعمالهن؟! وهن مَن قال عنهن عز وجل:(أفمن يُنشّّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين).
فالمرأة بما أوتيت من قوى جسدية ضئيلة – وهي نعمة أحيانا – لا تستطيع الدفاع عن نفسها، أو صد الهجوم الواقع عليها. والنزعة العاطفية لدى السيدات قد تضيّع حقا ثابتا وتثبت رأياً غير محايد وبعيد عن الصواب. وهنا تبرز الحاجة لضرورة تعيين (سيدات أمن) على مستوى رجال الأمن المتواجدين في الدوائر الحكومية وغيرها.
وينبغي أن لا تتوقف مهمة سيدة الأمن عند فض المنازعات، وإنما تتعدى ذلك بحفظ الأمن عموما واللجوء إليها في حالة الطوارئ، وعدم السماح لأية امرأة تدخل المباني المخصصة للسيدات إلا بعد التحقق منها وكشف وجهها، والتعرف على شخصيتها، ومعرفة وجهتها، بل وإرشادها، بدلاً من قيام اجتهادات العمالة الوافدة الجاهلة بهذا الدور الحيوي المهم مما يعطي صورة وانطباعا غير لائق عن الإدارة.
وقبل هذا وذاك، وحتى لا يكون مقر العمل مجالاً للتصفيات ورفع الأيدي وأخذ الحقوق ينبغي إيجاد نظام حازم يحفظ للموظف حقوقه وأمنه وطمأنينته.
© 2009 جميع الحقوق محفوظة.
Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.