تاريخ النشر: 5 مايو 2007
شاهدتُ ـ كما شاهد غيري ـ كميات الأسلحة المطمورة في الرمال،والمدسوسة تحت البلاط ،فأصابني هلعٌ حتى الارتياع !!
ولعل غيري سبقني في تشخيص أسباب الإرهاب في بلادنا المباركة كلٌ حسب وجهة نظره أو تخصصه أو ما يملكه من معلومات ومعطيات. إلا أنني أرى أن سبب تنامي الخلايا النشطة أو النائمة التي تخطط للتفجير وترويع الآمنين مرجعه ضعف الأسرة التي تخلت عن دورها في التربية والتوجيه ووعي مسؤولياتها تجاه أبنائها!!
إن خروج الشاب من المنـزل لأوقات طويلة يستدعي التساؤل والعجب ! فإذا كانت الفتاة تحاط بسور شاهق من التعليمات والتوجيهات الجافة والمتابعة الدقيقة، فإن الشاب لابد أن يحاط بسياج المراقبة والسبر ! ولئن كان فساد الفتاة الأخلاقي يعود وزره عليها وعلى أسرتها فقط ، فإن الفساد الفكري للشاب يؤول إلى هلاك ويقود لتدمير وتفجير يعم البلاد كلها ويقوض أركانها. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية العناية بالفتاة، بل إنني أدعو إليه وأشدد عليه، ولكنني في المقابل أطالب الأسرة بالقيام بدورها المناط بها تجاه الأبناء والبنات على حد سواء.
وعليه فإني أدعو وزارة الداخلية إلى توقيف كل رب أسرة وربانها ومساءلته بل ومعاقبته حين يُخل بدوره المطلوب منه من متابعة لأفراد أسرته،في وقت أمسى المنـزل لا يشكل للرجل إلا مخدعاً وأكلاً وشرباً،كما أصبح الأبناء يعنون الوجاهة والمكاثرة بدلاً من أن يكونوا رباطاً وقيداً من المسؤولية.مع أنه ينبغي أن يدرك كل رب أسرة أنه كلما زاد عدد الأولاد ازداد قيد المسؤولية والأمانةضيقاً فليستقل أوليستكثر! أماأن يتزوج وينسل وينسى واجباته ويهمل التزاماته فإن ذلك يُعد تخلياً عن الأمانة التي أوكلها له خالقه وتنصلاًَ من المسؤولية التي حث عليها وألزمه بها في عنقه !!
وحين أطالب وزارة الداخلية بعقاب الوالد الذي أهمل ولم يبلِّغ عن شكوكه في تصرفات ابنه أو غيابه أو فقده،ثم تركه يخطط ويدفن في باطن الأرض أسلحة ثقيلة ويحمل فوق كتفه أسلحة خفيفة،ويجمع الأموال بطرق غير مشروعة، فإنني أجزم أن مطالبتي مشروعة في ظل هذا الوطنٍ الذي كفل لنا رغد العيش وطمأنينة الحياة..
وتحميل الدولة مسؤولية الحزم مع أفرادها وتوعيتهم نحو الخطر المحدق بهم ، وإلزامهم بالمحافظة على الأمن يطرح تساؤلاً مؤلماً:(أولم يصل مجتمعنا إلى مرحلة من النضج بحيث يعتمد على نفسه دون تدخل الدولة وتوجيهها؟!) وإن كان الأمر كذلك فحينئذ لابد من تدخل الدولة في توجيه الأسرة لكيفية نهج الطرق التربوية في التعامل مع أبنائها فيما يتعلق بالعنف أوالدلال أوالتخلي عن المسؤولية،وذلك بإقرارالأنظمة الحازمة،واعتماد آليات العقاب المناسبة. فالعاصفة التي هبت على بلادنا واقتلعت أطناب الأمن والهدوء من نفوسنا ، والفوضى التي عمت مجتمعنا، تحتاج إلى وقفة وصرامة ، وبات من الضروري حزم الدولة في ضبط تلك الفوضى حيث أن بعض الأفراد لا يستطيعون قيادة أنفسهم للخير والصلاح فلا بد من إيجاد قائد لهم .
إن مفاجأتنا بوجود تلك الأسلحة مخبأة في الصحاري وتحت البلاط يشعرنا بالخوف ! حتى أصبح الواحد منا يشك في جاره، ويتوجس خيفة من صديقه،وينقبض قلبه من ابنه ! ونحن الذين عشنا ردحاً من الزمن يظلنا الأمن كما تظلل جدائل نخيلنا حرارة صحرائنا.
ولعل الأمر لا يحتمل التأخير في السعي لإعادة هيكلة الفكر الاجتماعي الحالي ابتداء من جعل العلم للتعلم والإبداع وليس لنيل الشهادة،مروراً بالقضاء على مظاهرالسهر وإغلاق الاستراحات المفتوحة دون تقنين زماني ومكاني،وتنظيم وقت عمل المحلات التجارية والتشديد بالمساءلة على الخروج والتجول في الشوارع في أوقات متأخرة من الليل.
ودور الدولة لاينتهي عند ذلك بل ينبغي نشر الوعي فيما يختص بدور الأسرة، كونها المؤسسة التربوية الأولى وتنشيط أدوار مجالس الأحياء وتفقد الجيران لبعضهم عن طريق إقامة (الديوانيات) التي تجمعهم وتعمق الروابط الإنسانية بينهم،لأن ذلك من شأنه زيادة التواصل ورد الشارد أو مراقبته وتفقده.كما أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى تفعيل دور المدرسة وأهمية متابعة الوالدين لأبنائهم وبناتهم وحضورهم للمدرسة والسؤال عن سلوكهم وعن مستوياتهم التحصيلية حيث أن ارتفاع مستوى التحصيل الدراسي وحسن السلوك مؤشران على الالتزام والسير بطريقة صحيحة.كما أن الفشل الدراسي يؤدي إلى التهميش وهو بلا شك طريق إلى منزلق الهاوية ، وبالتالي البحث عن هوية مفقودة ولو كانت بجمع الأسلحة أو نيل الإمارة(المزعومة) بالفهلوة وقطع الرؤوس الآمنة..
إننا بحاجة إلى إعادة تشكيل ذواتنا لعودة التوازن لمجتمعنا، ولن يتم ذلك إلا بتحمل الأسرة لمسؤوليتها ومتابعة أبنائها وتفقدهم واحتواء مشاعرهم وفتح قنوات الحوار معهم. وعندئذ تصبح المنازل أعشاشاً تؤوي صغارها برعاية كبارها ! وعندها يكون الوطن لنا عشاً كبيراً يظللنا، بعيداً عن دوي التفجيرات وأزيز الرصاص وأصوات المدافع !!