الأضحية بين السُنَّة والوجاهة!!

تاريخ النشر: 30 ديسمبر 2006

وأنتم تقرؤون هذه المقالة أكاد أجزم أنه لايخلو منـزل في المملكة من خروف العيد أو بالأحرى(خواريف الضحية) حيث قد يتجاوز  العدد في البيت عشرين خروفاً مابين أضحية عن الشخص ذاته ووصايا وأسبال تُذبح في يومٍ واحد أويتم جدولتها بحسب أيام العيد!

   والأضحية في مفهومها الشرعي سنة مؤكدة بل هي من السنن الجميلة،ولا يُلزم المسلم بها حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ضحى بكبشين أقرنين عنه وعن أمته إلى يوم القيامة.ومع أنه من المستحب النحر يوم العيد وإراقة دماء الأنعام فيه على اعتبار أنها عبادة يحبها الله تعالى إلا أن الأمر قد تعدى هذا المفهوم الشرعي إلى مفهومٍ اجتماعي، حتى صار من غير المستغرب أن يطرح السؤال ” بكم ضحيتوا ها السنة ؟” وأصبح الأطفال (يتجاكرون) بعدد الأضاحي التي ذبحوها يوم العيد !!

إن إحياء هذه الشعيرة لا بد وأن يرتكز على أسس صحيحة وتطبيق لقواعدها وشروطها بحيث يتم تقسيمها على ثلاثة أوجه(هدية وصدقة وطعام ذاتي) أو ما هو معروف(ثلث للجار،وثلث للمار،وثلث للدار)!! ولكن الملاحظ أن الأضاحي على كثرتها تقام عليها حفلات غداء وعشاء ويدعى إليها بعض الأقارب والأصدقاء أو يوضع أغلبها في(الفريزر)ويتم الأكل منها على مدى عام كامل!وبشكل يومي أو في اليوم مرتين !! وفيها تحولتْ الأبدان إلى أجساد محشوةٍ بالشحومِ منخورة بالأمراضِ ،وباتت صحتنا عرضةً للمقايضة!! وما انتشار مرض النقرس في بلادنا إلا بسبب أكل اللحوم الحمراء على الدوام،ويعد سكان المملكة من أكثر سكان الدول المصابين بهذا المرض! مما يجعلنا نتساءل:ألسنا بحاجة ماسة إلى ثقافة غذائية ؟!فلا يصبح غذاؤنا هو داءُنا بعد أن كان دواءنا ؟!

ولعله من المناسب الدعوة للاقتصار على أضحية واحدة تُذبح في المنـزل بحضور جميع أفراد العائلة ،ويتم توزيعها حسب السُّـنَّة.  أما الوصايا والسبيل التي اعتاد الناس على كونها أضحيات فيمكن شراء مجموعة من (سندات الأضاحي) بأسعار معقولة من لدن رابطة العالم الإسلامي ممثلة بهيئة الإغاثة الإسلامية، أو الندوة العالمية للشباب الإسلامي حيث تُذبح في مناطق الكوارث والمناطق المنكوبة في الدول الإسلامية ، أو توزع على الفقراء الذين يتضورون جوعاً فتسد رمق جائعٍ وقد تنقذه ـ بمشيئة الله ـ من موت محقق.كما يمكن تحقيق الوصية في أوجه الخير الأخرى من حفر آبار مياه صالحة للشرب أو كساء أو توفير سكن للفقراء يؤويهم من زمهرير الشتاء ولهيب حرارة الصيف، فأبواب الخير مُشرَّعة وليست  مقتصرة على لحوم والأضاحي !!

إن الإسراف في الموائد بالأعياد والتخلص من كميات هائلة من اللحوم الفائضة عن الحاجة في الوقت الذي يضرب الفقر أطنابه في أنحاء العالم الإسلامي لهو أمر يستحق الوقفة والتأمل بل والخوف والخجل !! وأرجو أن لا نلجأ للتبرير بأن الله قد أنعم علينا فنحن نستمتع بنعمه،وعلى الرغم من شرعية هذا الأمر،إلا أنه لابد من واقعية فهم الشرعية بأن يكون لإخواننا الفقراء حقٌ في طعامنا وكسائنا وأموالنا. وإن كنا نتفنن ونبدع في إعداد اللحم يوم عيد الأضحى (بأنواع المندي والمظبي والحنيذ والحميس وأشكال المشاوي والأوصال والكباب وألوان الشاورما أو البرجر!!) وغالبها ـ بلا شك ـ يحمل الكثير من الدهون !! فإن وكالات الأنباء العالمية تنقل لنا صوراً مؤلمة عن شعوبٍ يبحث فيها الفقراء عن كسرة خبزٍ بين أكياس النفايات وهي في طريقها إلى المحرقة المخصصة لذلك، وقد تقوم منازعات ومشادات عند العثور على قطعة خبزٍـ بين الركام ـ وقعت عليها أكثر من عين،وتناهبتها أكثر من يد ! بل إن تلك الوكالات تنقل لنا صوراً تبعث على الأسى والتقزز،فـتُظهر الأطفال الفقراء وهم يتسابقون مع السباع والجوارح على الجيف والميتـة ! والأكثر ألماً حين تراهم يتقاتلون مع النمل لأخذ ما في بيوتها وأفواهها من حبوب،وإن أعيتهم  الحيلة أكلوا النملة مع مغنمها الضئيل!! فلا تدري هل ترحم الفقير أم ترحم نملة الفقراء !!

إن الوضع القائم الآن من نحر أعداد هائلة من الأضاحي برغم غلاء أسعارها الذي وصلت به بعض أنواع الأغنام إلى ألفي ريال حسب نوعها وجمالها وحسنها وسحرها ودلالها وجاذبيتها !! ومن ثم الاستعانة بعمالة وافدة للقيام بالذبح ـ مع اشتراط الجزار مائة ريال أو تزيد على كل رأس يذبحه ـ كل ذلك يُفقد عيد الأضحى شكله الجميل ومضمونه الدافئ.في حين كان الذبح قبل سنوات مضت يتم بشكل تلقائي وحميمي يقوم فيه رب الأسرة بمشاركة زوجته وأبنائه وبمباركة والديه،فينشأ الأبناء محبين لهذه السُّنة متمسكين بها ينتظرونها عاماً بعد عام !

 والآن ـ بعد قراءة هذا المقال ـ كم ضحية تبون تذبحون  هالعيد  ؟؟!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

منيرة.. فيكِ أتقبلُ العزاء!!

تاريخ النشر: 23 ديسمبر 2006

ودعتْ صديقتي(منيرة عبد الرحمن الخليفي) الدنيا،وكانت في تمام صحتها لولا مرض ألـمَّ بها مؤخراً أحكم قبضته عليها،ونقلها من دارٍ زائلة إلى دار دائمة !!

 ودعتنا (منيرة) وهي في أجمل فترات العمر.ذهبت وتركتني في فجيعتي وعدم تصديق ما حدث، يعتصرني الألم ويلوكني الأسى فيلفظني كومة من الوجع !!

لم تبرح مخيلتي منذ سماعي بالخبر وحتى هذه اللحظة،ولا أخالها تفارقني وأنا أسترجع كل حينٍ رسائل جوالها !!

فتجدني ـ بألمي ولوعتي ـ أرسل لها رسائل لهفة واشتياق !! وسأستمر أبعث لها تهنئة العيد كالمعتاد إذا حل !!

 لاتلوموني على حزني وعدم تصديقي، على الرغم من مراسم العزاء وتأكيد الجموع والكتابة بالصحف! فاللهم ارحم ضعفي وتهاوي صبري!! اللهم لا اعتراض على قدرك، ولكنها نفثاتٌ حرى تصدر من كبدٍ موجوعة .

  تركت ـ منيرة ـ الدنيا بصراعاتها وأحقاد ساكنيها ومؤامراتهم ونوازع خيرهم وشرهم !!

دعوني أستعيد ذكرياتي معها حين نغرق ـ أنا وإياها ـ بالضحك لما نأتي على ذكر(المشراق)! والمشراق هوالمكان المشمس صباحاً الذي يجتمع فيه الشيوخ والعجائز يتبادلون أطراف الحديث،ويشتكون لبعضهم من أمراض الشيخوخة وعقوق الأبناء!وكنت ـ لطول أملي ـ أتوقع أن يمتد بنا العمر فنجلس ـ أنا وهي ـ  بالمشراق نحكي عن أحوال التربية والتعليم بعد أربعين سنة من الآن، وننتقد الأوضاع التربوية والتعليمية وسوء الأبناء مثلما اشتكى الجيل الماضي من أحوال جيلنا الحالي !!

 وما كنت لدينا حين نشرق بالبكاء عندما نتذكر نشأتنا دون وجود والدٍ حنونٍ كبقية البنات اللاتي يرفلن بدلال آبائهن!! والحق أننا قد ارتشفنا من حنان وعطف الأم الكثير والوفير.وكانت منيرة الوحيدة من البنات لوالديها حيث عاشت وسط إخوان ذكور فاكتسبت منهم قوة الشخصية والعقل والحوار الرصين،فلم يسمع عنها دخولها في نقاشاتٍ تافهة،حيث تترفع عن الصغائر،فتجبر من يراها على احترامها بهدوئها وابتسامتها الصادقة وجديتها في العمل، حيث كانت معلمة حريصة على درسها،فحين تمر على قاعة الدرس الذي تشرح فيه لا تكاد تسمع إلا صوتها بنبراته الهادئة وطبقاته المتفاوتة عدا عن أسلوب الشرح المميز الذي تخرج بعده الطالبة دون الرجوع  للكتاب!

وكانت إلى جانب حبها للنظام وقدرتها الفائقة على ضبط فصل يموج بالطالبات في أشد وأعتى مراحل المراهقة،لديهاسعة صدرٍ وحُلُم  عجيب،فكناـ نحن زميلاتها ـ بحكم عملنا في مدارس الحرس الوطني،نتندر عليها بإطلاق أسماء بعض ضباط الحرس الوطني المشهورين بالانضباط ، وكانت تقابل ذلك بابتسامة وادعة تخفي خلفها مشاعر رقيقة لا تبديها إلا لمن تثق فيه وتقتنع به،ولديها فلسفةفي ذلك حيث ترى أن إظهار العاطفة يوهن الإنسان فيبدو ضعيفاً،وقد لا ينال الاحترام المطلوب أويتعرض للاستخفاف بمشاعره!

 وكنا حين نجتمع على مائدة الإفطار،لا أراها إلا قانعة بالأكل،زاهدة فيه،تكتفي بتفاحة وكوب من (النسكافيه)على اعتبار أن مربيتها الأمريكية عودتها على ذلك،وكنا نبتسم بمكر لعلمنا أن مربيتها هي والدتها،سيدةٌ فاضلة عاشت في البكيرية ردحاً من الزمن،قامت بتربيتها وتعليمها مما كان له الأثر في شخصيتها وانعكاسه على تصرفاتها حين كبرت، وتزوجت،وأنجبت،ولم تنس قط حق والدتها عليها والبر بها،فكانت تزورها بعد انصرافها من عملها كل يوم،فتطمئن عليها قبل اطمئنانها على أولادها ومن ثم تذهب لمنزلها تؤدي دورها زوجة مخلصة،وأماً مربية،وصديقة رائعة للجميع !!

ولكوني وإياها نشترك في حب مدينتا الحبيبة(البكيرية) فإن المصطلحات الموغلة في القِدَم تميز حديثنا سوياً ولا تعيق استرسالنا بالكلام ، بل نجد متعة في الحديث بلهجةٍ قصيمية نكسر فيها ماقبل الحرف الأخير من الكلمة ونسقط عمداً الألف التي تتبع الهاء في التأنيث !!

  لم أكن قط أتوقع أن أسرد بعضاً من سيرة صديقتي الحبيبة لولا أنني أدرك ـ على الرغم من عدم استيعابي لوفاتها ـ أنها لن تقرأ هذا المقال ولن تحتج أو تعترض كبقية المقالات التي تهاتفني فيها مؤازرة أو معارضة،وقد تسليني وترفع من معنوياتي بقولها (اشـتركنا في ” الجزيـرة” لنقرأ مقالاتك) ولم تعلم هذه الإنسانة العظيمة أنني ما أن أبدأ في كتابة مقال إلا وأستحضرها في ذهني وأكتب وأنا أردد ( تُرى ما رأي منيرة بهذه العبارة ؟!)  

والآن ـ يا غالية ـ  مـَنْ سأستشعر مثوله أمامي وأنا أكتب مقالاتي؟!

أدركُ يقيناً أن رسالتك التي أُوكلها لكِ ربكِ قد انتهت،وحين تنتهي رسالتنا سنلحق بكِ.وهكذا قضى الله،ولا راد لقضائه وإرادته.

أيتها الفقيدة … ليتني أصدق رحيلك لأرتاح وأهدأ،وتجف المآقي وتعود للأشياء لونها ونكهتها التي فُقدتْ بفقدك…

كل شيءٍ يقول إنك لن تعودي !! أدرك ذلك،  لكنك أبداً ستبقين ماثلة أمامي بشموخك وبهائك..وسألقي عليك السلام وتحية الصباح يوميا كالمعتاد،ولكن عند مروري بجانب مقبرة النسيم،طريق ذهابي وعودتي من عملي،وقد اعتدتُ أن أُلقي التحية على والدتي كل صباح… ولازال الفقد يتجــدد !!

باقٍ من الحزنِ أضعاف الذي ذهبا .

لا الجوع  دهرٌ ولا  كلّ  الفصولِ  صِبا !!

ويبقى جلال الموقف وهيبة الحدث، وضعف النفس !!

ومهما كان الحزن كبيراً ، والأسى طاغياً !!

فإن رحمة ربنا أكبر ، ولطفه أوسع !!

فبرحمتك ندعو لها ، ولطفك نرجوه لنا !

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

بل… حصادك عسلٌ يا مناهجنا!! 2 – 2

تاريخ النشر: 16 ديسمبر 2006

  كثـر الحديث وتمدد حول المناهج المدرسية، وانقسم المفكرون ما بين رافضٍ للتجديد وبين مطالب بالتغيـير !! على الرغم إن بعضهم متفقون على أن المناهج الدراسية في التعليم العام بمقدورها تخريج طالب مسلم متمسك بعقيدته منتمٍ لوطنه مزودٍ بالمهارات والخبرات والمعارف، قادر على التفاعل الإيجابي مع احتياجات العصر ومتطلباته…

   وحقيقة فهذه المناهج ـ ولو كانت متكاملة ومناسبة ـ فإنها لا تستطيع لوحدها القيام بهذا الدور الريادي ما لم يكن هناك مهندسٌ يديرها ويبسّطها ويوصلها إلى الطالب ! بمعنى أن هذه المناهج كأنها موجهة للمعلم الذي بدوره يسهِّل وصولها إلى الطالب، وهنا يكمن الخلل. أي أن تطوير المناهج لا بد أن يتماشى معه ويسايره تطوير المعلم ، الذي اعتاد على منهجٍ يكرره ويكرر نفسه معه!

   ولعلي أورد طرفة حقيقية في هذا المجال حيث رفضت المعلمة(زينب)معلمة الصف الثاني(ب)طيلة عشرين عاماً تغيير مسمى فصلها لثاني( أ) لأنها(اعتادت) أن تكتب (ثاني ب)في كل ما يخصها كميدالية المفاتيح والمسطرة الطويلة وتكاد تعلق في جيدها (رشرشاً) مكتوباً عليه(ثاني ب)!وقد عانت إدارة المدرسة الأمرَّين من تغيـير المعلمة لفصلها لدرجة أن بكت(أبلا زينب)وقالت:( يا ناس ماأعرف أدرِّس إلا ثاني ب وإلا أضيع !!) فكيف ننادي ببيئة دراسية إيجابية مبنية على معايـير علمية وتقنية حديثة في ظل عدم وجود تطوير مهني للعاملين في مهنة التدريس ؟! وحين نتحدث عن إصلاح مناهج التعليم ،فإن المطالبة بإصلاح المعلم أولى وأجدى !! فقط إصلاحه بعبارة واحدة(كن مربياً أميناً) باعتبار أن لديه مائة طالب،أو مائة ابن ، بل مائة كبد..

 إن الأمانة المطلوب من المعلم تحملها تكمن في توصيل المعلومات المفيدة من هذه المناهج بل والحرص على تقديمها بالطريقة السليمة والأسلوب الصحيح،وبالتالي مكافأة المجتهد وتوجيه المقصر،ومعاقبة المعتدي،ورد الحق لأهله فهذا يجعل شبابنا لا يكسِّرون ولا يفحطون بل ولا يسهرون، فهم في النهار يسعون في معاشهم ومصالحهم ،وفي الليل يحسبون مغانـمهم ومكاسبهم،ولا ينسون حقوق خالقهم!!      إن تنويع الخبرات وتفعيل المناهج الحالية بما يتواءم مع متطلبات العصر أصبح ضرورة وليس ترفاً وكماليات تعليمية.ولئن تأخرت وزارة التربية والتعليم عن القيام بدورها المناط بها وذلك بعجزها أو تهاونها عن تأهيل المعلمين والمعلمات ، فإنها لابد وأن تستيقظ وتنهض للقيام بهذا الدور المتمثل بتزويد الطلبة والطالبات بالمهارات والمعارف والخبرات الخاصة بهم لاضطلاع الشباب في النهوض بالوطن وقيام الفتيات بالدور الأسري والمشاركة في بناء الأمة.

 كما ينبغي توجيه مناهج الوزارة عملياً وليس نظرياً،وذلك بربط المنهج بالمجتمع من حيث تربية الروح الوطنية(فعلياً)وليس بالشعارات! وليكن حب العمل رمزاً لبناء الوطن دون تصنيف لهذا العمل مع الاحترام التام للحرفة والمهنة كونها أخذاً وعطاء.كما تقع على المناهج مسؤولية تربية أبنائنا الطلبة نبذ الإقليمية والقبائلية والمناطقية حيث أنها معول هدمٍ للبناء وباعث على إثارة الشحناء !

  نريد من مناهجنا ، كما عهدناها ، أن تكون (عسلاً) يشربها السقيم فيشفى ويتناولها السليم فيقوى..

نريدها عسلاً كعقيدتنا المبـرَّأة من كل شوائب الشرك، وشريعتنا المطهرة من كل كدر الانحراف، ووطنيتنا الممتدة حتى أقصى صحارى الربع الخالي وأعمق من بحار الخليج والبحر الأحمر..

 نريدها عسلاً مصفى … وهل هناك ما هو أحلى من العسل  وألـذ وأشهى ؟!!

**************

أجمل ما قرأت :

ومُكلّفُ الأيام ضد طباعهــا    ***   مُتطلبٌ في الماء جذوة نـــار

وإذا رجوت المستحيل فإنمـا           تبني الرجاء على شفـيرٍ هـار

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

بل.. حصادُكِ عسل يا مناهجنا!! 1-2

تاريخ النشر: 9 ديسمبر 2006

حدثتني ممن أثق بها أن إحدى الداعيات حضرت إلى مقر عملهم لتلقي محاضرة عن الأمانة في أداء العمل وارتباطها بالشريعة الإسلامية وما تدعو له من قيم ومبادئ سامية،وكان مما تساءلت عنه الداعية الأعمال التي يصل ثوابها للميت،فانبرت أكبر الموظفات سناً ومركزاً بالقول إن قراءة القرآن من ضمن هذه الأعمال !!

    اندهشت جميع الحاضرات، وتم تصحيح معلومتها فالكل يعلم مما تعلَّم في المدارس أن قراءة القرآن لا يصل فضلها للميت بل لقارئه فقط وإنما حُصرت الأعمال حسب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به،أو ولد صالح يدعو له”. ولعل الدهشة تنتفي حين تعلم أن هذه الموظفة تلقت تعليمها في إحدى البلدان العربية التي لا تشكِّل المواد الشرعية في مناهجها إلا القليل، ولم تسعى بنفسها لتعلم أصول دينها والتزود بالعلم الشرعي ..

 تقول محدثتي:ومن خلال تعاملي مع هذه الموظفة كنتُ ألحظُ عليها اهتمامها بشؤون دنيوية عابرة لتحقيق أمور آنية زائلة دون الاكتراث بعواقبها الشرعية كتساهلها بأحوال تتعلق بالأمانة وإخلاص العمل لله،وسعيها الحثيث لتحقيق رضا الرؤساء للحصول على مركزٍ وظيفي أعلى!وجهلها بأبسط حالات الحلال والحرام فضلاً عن بعض التصرفات التي تتنافى مع الإيمان بالقضاء والقدر ، فتجدها دوماً في حالة هلعٍ وخوف وتوتر!!

وهنا استرجعتُ مناهجنا الدراسية وما يتعلمه الطالب من أبناء هذا البلد المبارك خلال اثني عشرعاماً في التعليم العام فوجدت أن لديه محصِّلةً شرعية تمكنه من أن يناقش في أمور دينه وإدراك ما هو حلال وحرام.بل حتى في التفاصيل الفقهية التي تجعله يستشهد بالآيات والأحاديث الصحيحة وإجماع الأمة واجتهادات الأئمة.وهذا ليس بمستغرب،فحين فتحت المدارس في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله كانت السمة الشرعية تظهر في كل علم سواء في علوم اللغة العربية أو الاجتماعية أو الطبيعية والرياضيات.فعليه رحمة من الله أن جعل هذا الوطن يقوم على نهج إسلامي وشريعة صافية بعيدة عن شوائب التطرف والانحراف،وحافظ على مجتمعنا واتخذ القرآن الكريم دستوراً للبلاد وضم الحرمين الشريفين لهذه المملكة فاجتمع الزمان والمكان والتمكين للقيام بالحفاظ على الدين العظيم ونشره للعالمين .

ولئن ظهرت أصواتٌ تنسب أي عمل إجرامي أو سلوك منحرف إلى مناهجنا الدراسية فما هي إلا أبواق يصفق لها الغرب أو الحاقدون على انتشار الفكر الإسلامي الرفيع.وماانفك هؤلاء يسعون لإلقاء التبعات السلوكية الخاطئة عليها ، وكأنهم ما درسوها وتخرجوا من جامعتها بل وكأنهم لم يقفوا طوابيـر في ديوان الخدمة المدنية لتوظيف أولادهم وبناتهم أو إخوانهم وأخواتهم معلمين لنفس المناهج في مدارسنا ! وإن كان أي سلوك خاطئ يصدر من شبابنا يُنسب للمناهج،فهل يمكننا القول أن انتشار المخدرات في بلاد العالم بسبب سوء مناهجهم واتجاهاتها ؟! ولنكن موضوعيين،فإن المناهج في جميع بلدان العالم لا تدعو ولا تشجع على أي سلوكٍ خاطئ حتى ولو كانت في بلاد لا تناسبنا أفكارها أو معتقداتها.

وإن كان من تهمة يمكن تعليق أخطاء الشباب عليها فإن أحدها ـ بلا شك ـ هو غياب القدوة، ذلك الرمز الغائب أو المغيَّب..أضف إليها الرفاهية والفراغ والمال والدلال التي تفتك بالشباب دون أن يشعر المجتمع بخطورتها !كما أن عدم حرص الوالدين ومتابعتهم لأولادهم هو السبب لظهور تلك الانحرافات الفكرية والسلوكية والاجتماعية.

ولئن تقاذفنا كرة الهجوم والدفاع حول مناهجنا فلن نخْلُصَ حتى يضيع بقية الشباب..

* * * * * * * * * * * * * *

أجمل ما قرأت:قصيدة للشاعر حسن  بن محمد الزهراني يثني على الملك عبد العزيز بإرساء منهج الشريعة الإسلامية يقول:

وخط دستورها من هدي خالقــــه            فرفرف الأمنُ في الصحراء والمـدن ِ

من كان هدي إلـــه الكونِِ ِمنهجـه            لم يخـــشَ بأس  بني الدنيا ولـم يهــنِ ِ

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

ساعة أم أحمد!

تاريخ النشر: 2 ديسمبر 2006

قررت السيدة(منال)أن تأوي إلى سريرها قبل موعد النوم ـ المعتاد ـ بساعةٍ واحدة.فأطفأت الأنوار وجلست مع نفسها في محاولةٍ لاسترجاع أحداث يومها..ست عشرة ساعة مضت منذ استيقظت صباحاً وحتى هذا الوقت، حيث طلبت منها ابنتها في الصباح أن تُصلِح من هندامها وتعمل ظفيرةٍ لشعرها كبقية الطالبات،إلا أنها نهرتها ووجَّهتها إلى الخادمة لكي تقوم بهذا العمل(التافه).

يأتي ذلك متزامناً مع بكاءِ ابنها الصغير محتجاً على نوع الفطيرة فهو لايريدها محشوةً بالجبن كل يوم،فقد ملَّ من الجبن وبحاجةٍ إلى جرعةٍ من الشجاعة! أوالمربى وكذلك زوجها ، لم تُلقِ له بالاً ، حيث كان يودُّ استشارتها في موضوعٍ هامٍ يتعلق بعمله، ولكن لم يكن ثمَّة وقت لمناقشة أيِّ موضوع !

وخرجت للعمل،وهناك صادفت وجوهاً متعددة من الموظفات والمراجعات وأمامها مجموعة من المعاملات تحتاج لاطلاع وتوقيع وردِّ على الاستفسارات والبت في الإجازات المختلفة..ولم ينقضِ وقت الدوام إلا وقد أصبحت كومةً من التعب والتوتر، فعادت إلى منـزلها محملة بهموم العمل لتجد الخادمات في المنـزل وقد كسَّرن أطباقـاً وخربن آلاتٍ كهربائية في المطبخ،فتبدأ بإصدار أوامر لهذه الخادمة ومعاتَبَة لتلك على تقصيرها. وما أن يحضر أولادها من مدارسهـم حتى تبدأ طلباتـهم المدرسية والشخصية خلال فترة الغداء .التي تليهـا فترات مثقلة بالزيارات التي يتحتم عليها الإعداد لها ! ويدور دولاب أحداثـها اليومي بفوضوية دون تركيز لدرجة أنها تؤدي صلاتها دون خشوع وتمضغُ طعامـها بلا استمراء! وعندما تحين ساعة النوم ترتمي على سريرها وتستيقظ مراراً بين فزعٍ ووجل فلديها دوماً اجتماعات وقرارات هامة فهي أبدا ًيلوكها التعب ويلفظها النصب!

تذكرتْ(منالُ)في هذه اللحظات عاملة المقصف (أم أحمد) ،حيث تمللك من الوقت الكثير،ومن الحكمة أكثر! تذكرت هدوءها النفسي ونظراتها المريحة،التي بها أصبحت صديقة للجميع،فعلى رغم أنها من بلدٍ عربيٍ مجاور ولاتربطها بـهؤلاء الموظفات رابطة قرابة بيد أن من يراها بينهن  يُحسُّ وكأنها من نفس النسيج سيما حين ترِدُ على لسانـها بعض الكلمات باللهجة المحلية تنطقها ممزوجة بلهجتها الأصلية،وحين تورِدُ بعض الحكم والأمثال بأكثر من لغة تجد نفسك مبهوراً يوقظك من هذا الشعور حديثها عن ابنها أحمد ومشاكساته مع إخوانه وطرفه وحكاياته المألوفة لمثل سنه حتى ليخيل إليك أنها لم تتجاوزـ مطلقا ًـ عتبة منـزل والدها إلا إلى منـزل زوجها دون المرور على مدارس المناهج والحياة ! وحين تُطيل النظر في جبينها تجده يحكي لك تجارب أودعت بها الحكمة المسكونة في عقلها !

أم أحمد أصبحت أحد رموز العمل وملاذ البائسات سيما حين تريد إحداهن أن تتخفف من أحزانها أو توْدِعُ أسرارها. إضافة إلى أنها صاحبة فلسفة رائعة في الحياة حتى باتت من سماتها الشخصية، وهذه الفلسفة تكمن في  محاسبة الذات في آخر ساعة من كل يوم.وهي تعزو نجاحها في عملها ومحافظتها على صداقاتها وإدارتها منـزلها الصغير بعد توفيق الله إلى التزامها بهذه الساعة من يومها، فهي تسميها تارة ساعة التقويم،وتارة أخرى ساعة التهذيب،وثالثة ساعة اللوم والتقريع،حتى أصبح النوم لا يغشى جفنيها إلا حين تدور عقارب الساعة دورتها الكاملة معلنة عن انقضاء ستين دقيقة فتخلد إلى نومٍ هادئ.لذا حرصت أن تقنع كلَّ مَنْ حولها بالتزام هذه الساعة الذهبية من اليوم وبفعل العدوى أصبح هذا القانون الفلسفي مسلكاً يميزُ ذوات المبادئ السامية من الموظفات.

لذا عقدت(منال) العزم على السير على نهج أم أحمد.فأخذت تراجع حساباتها ، حينئذٍ أدركت أنَّ ابنها(نبيل ) قد مـلَّ فعلاً من فطيرة الجبن التي تجهزها الخادمة بلا مبالاة،لذا قررت أن تقوم بهذا العمل بنفسها،ولن تنهر ابنتها (مـها)حين تطلب منها أن تربط ظفيرتها بل ستجعلها تبدو دائماً بمظهرٍ لائقٍ،وستناقش زوجها في موضوع الترشيح لمجلس الإدارة وستحفزه على ذلك وتشدُّ من أزره فهو يستحق أن يتسلم هذا المنصب.وقد شعرت بالخجل فعلاً عندما استرجعت ماحدث صباحاً من طلبه الاستماع لرأيها ومشاركته طموحه،ولكنها لم تفعل بل طلبت منه إرجاء الأمر!

وعلى صعيد العمل:ستمنح الموظفة( منى )الوقت الكافي لشرح ظروفها بعد أن أغلقتُ معها باب النقاش وقررت  قبول طلب إجازتها لرعاية مولودها الجديد بعد أن انتهت إجازة الوضع ولم تنتهِ حاجته إلى رعايتها !!

وكانت (منال ) مسترخية فجلست في محاولة لتذكُّر ما قرأت من آيات في صلاة العشاء،ولما لم تستطع وجدت أن لديها اختلالاً بين كسب عرَضٍ زائل وإهمال مواجهة خلودٍ مقيم ! نعم لقد أدَّت صلاتها على عجلٍ لتلحق بالزيارات المتكررة لأخواتها وصديقاتها.لذا قررت تنظيمها ، فهي تلتهم جُلَّ الوقت فترجع متأخرة مما لايمكنها من الإشراف على عشاء أبنائها ونومهم، وتذكرت بامتعاض ارتيادها الدائم للأسواق بلا هدف محدد،وقفزت على الفور في مخيلتها تلك الساعات المهدرة في المكالمات الهاتفية الطويلة بلامبرر،لذا عزمت على عدم استخدام الهاتف إلا لحاجة،وعزت ذلك كله إلى وجود الفراغ. ترى أي فراغ ؟! إن  لديها خادمتان فلابد من الاستغناء عن واحدةٍ لتتمكن من الإشراف على منـزلها بنفسها وليكن دافعاً لها للشروعِ في تنفيذ القرارات بجديَّة .                                                        

أسندت رأسها المثقل بالآمال ليتحول إلى أحلامٍ منامية !!حتى فوجئت برنين المنبه واستيقظت فزعةً لتؤديَ صلاتها وكأنها في سباق اختراق الضاحية ،وأسرعت لترتدي ملابسها ، وابنها (نبيل) لا زال محتجاً على الفطيرة وابنتها (مـها)

ترفع يدها بالمشط تتوسل إليها لعمل الظفيرة وهي تنهرهما وتشير إلى الخادمة..أما زوجها فكان يأمل في تهنئتها له بعد أن أصبح رئيساً لمجلس الإدارة بيد أنها لم تكترث به !!  واكتفت بإلقاء أوامرها للخادمات بالاستعداد للعشاء الليلة حيث دعت زميلاتها لحفلة(مرام) التي تزوجت حديثاً.

وبعد عودتها من عملها تناولت سماعة الهاتف وراحت تؤكد دعوتها لزميلاتها للحضور.وفور الانتهاء من المكالمات التي استغرقت وقتاً طويلاً توجهت للسوق لتشتري لها فستاناً يناسب ساعتها الثمينة التي كانت قداشترتها في وقتٍ سابق. 

                                                     ****************

وفي المســـــاء…  اجتمعت المدعوات وكان محور حديثهن الثناء على أناقة السيدة(منال) وملائمة فستانها وعقدها وحذائها وربطة الشعر لساعة الألماس القيِّمة ..عندها طلبت إحداهن الاطلاع على الساعة متسائلة عن نوع ماركتها، ناولتها(منال) الساعة وأطلقت ضحكتها المجلجلة،وكانت إجابتها المفاجِئَة: أن اسمها (ساعة أم أحمد) وقد نسيت أن تغير بطاريتها كأغلب ساعاتها فهي تشير أبداً إلى الساعة العاشرة وعشر دقائق …

تماماً كابتسامة أم أحمد العذبة !              

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner