مكبرات الصلاة و.. التلوث السمعي

تاريخ النشر: 28 أكتوبر 2006

   في جريدة الشرق الأوسط العدد(10183) يوم الأحد 23رمضان1427هـ أعاد الكاتب الصحفي بدر الغريب سبب التلوث السمعي في مدينة الرياض إلى مكبرات الصوت الصادرة من المساجد أثناء صلاة التراويح والقيام.وكان الكاتب قد نشر هذا التحقيق الصحفي ذاته بدون تغيير، وبالتحديد العدد رقم (9831) يوم 26رمضان 1426هـ حيث ذكر أن مكبرات الصوت الصادرة من المساجد(تهدد سكان الرياض بالصمم)،وأشار إلى( استيائهم وتذمرهم بسبب ارتفاع وتيرتها في رمضان)!!

  وعلى الرغم من تأكيده في التحقيق رفض استشاريي الأذن وأخصائيي الصوتيات الذين اتصل بهم من إعطاء (فتوى طبية) بخصوص أضرار الأصوات المرتفعة الناتجة من مكبرات الصوت في المساجد وتسببها بما يعرف بـ(التلوث السمعي)،إلا أنه جزم أن تلك المكبرات هي السبب في التلوث السمعي حيث قال:(إن أطباء وأخصائي الأذن والصوتيات أكدوا أن الصوت المرتفع يسبب ضعفاً دائماً في السمع ولا يمكن علاجه إلا باستخدام السماعات،وهو ما يتطلب معه أن تكون الأصوات الصادرة من مكبرات الصوت دون النسبة المحددة عالمياً والتي يجب ألاتتجاوز80 ديسيبل بمقياس الصوت).وقد أورد مقابلة مع ثلاثة مواطنين نشرت في العددين المذكورين حيث:(يرى المواطن خالد الناصر من سكان شرق الرياض وبالتحديد حي الروضة:أن الأصوات الصادرة من مكبرات الصوت في المساجد تمثل قمة الإزعاج للسكان وللمصلين!والملاحظ في رمضان ازدياد وتيرتها بشكل لافت لدرجة أن الأطفال وكبار السن والمرضى لا يستطيعون النوم،خصوصاً مع دخول العشر الأواخر من رمضان حيث تقام صلاة القيام في وقت نوم الأطفال،أما نحن(الكبار!) فنغادر المنـزل حتى انتهاء الصلاة!!كما أورد كاتب التحقيق مقابلة مع مواطن آخر من سكان حي السويدي غرب الرياض يدعى فهد الصالح حيث قال:إن المسجد القريب من سكني أصبح يمثل لنا في هذا الشهر مصدر إزعاج،حيث لا نستطيع خلال صلاة التراويح والقيام وحتى أثناء النداء والإقامة أن نسمع بعضنا داخل المنـزل! وقال صالح الفضل من سكان حي السويدي:إن المدرسة التي تدرس بها ابنتي في الصف الرابع الابتدائي خاطبتنا بخصوص مالوحظ من تكرار نومها في الفصل في الأسبوع الأخير من الدراسة في رمضان واتضح لنا أن مكبر الصوت في المسجد القريب منا لايسمح لها بالنوم في الموعد المحدد لها وهو ما أحدث خللاً في الساعة البيولوجية لابنته) انتهـــــــى

وأنا بدوري أعتب على الكاتب الغريب بالمبالغة التي أوردها من خلال المقابلات مع سكان شرق الرياض وغربها ممايظهر حالة من التذمر العارمة التي تعم البلاد وتضر العباد كما أرى أن فهرس الألفاظ لم يسعفه حين أختار تعبيره غير الموفق بكلمة (تلوث سمعي)حيث أن هذه الكلمة غير مناسبة على الإطلاق بل وغير صحيحة حتى وفق المعيار الطبي! والله سبحانه يقول (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)وقال عز وجل(ألا بذكر الله تطمئن القلوب).ولو كان الطرح بموضوعية أكثر وباختيار كلمات لائقة في هذا الخصوص لكان أجمل دون استفزاز لمشاعر المسلمين الذين يشعرون في قراءة القرآن بطمأنينة وراحة للنفس،فكلام الله عز وجل الصادر من مكبرات الصوت لا يليق وصفه بالتلوث إطلاقاً.ولو طالب بضبط مكبرات الصوت بحيث تصل للسامع دون أن تتداخل مع أصوات مساجد أخرى لكان موفقاً.فالرسول صلى الله عليه وسلم حين دخل المسجد وبعض الصحابة يقرأ القرآن بصوت مرتفع، وجههم إلى خفض القراءة وألايجهر بعضهم على بعض.أما بالنسبة للمنازل فإنها وبفضل عوامل العزل وضجيج أصوات التكييف يكاد المرء لا يسمع صوت الآذان إلا بتركيز ولو كان جاراً للمسجد.وكنت أود من الأستاذ بدر التطرق إلى التلوث السمعي بسبب الموسيقى الصاخبة والأصوات المرتفعة الصادرة من القنوات الفضائية العربية داخل معظم البيوت وما تسببه من تلوث حقيقي سواء في المعتقدات أو الأخلاق أوالسلوك فضلاً عن التلوث السمعي بمعناه الطبي أو الأخلاقي كالشتم واللعن أو استعمال ألفاظ سوقية أو نابية أو جارحة يتعلم منها أطفالنا سوء الأدب ويقلدونها بقصد الدعابة والنكتة!

وإنني هنا أدعو الأخوة الصحفيين ـ والأستاذ بدر معهم ـ لمناقشة مخاطر المفرقعات والألعاب النارية وما تسببه من إزعاج للمصلين في المساجد لدرجة عدم الإنصات للإمام أو التركيز في الصلاة ، وما تحدثه من تلوث سمعي وبيئي ،حيث يشير المهندس رجا عبد الله الاختصاصي في المواد الخطرة بالجامعة الأميركية في بيروت :( أن المفرقعات تحوي موادَ سامة لها تأثيرات سلبية عديدة على البيئة عامة،وأهمها التسبب بتكدّس طبقة الأوزون في الطبقة السفلى من الجو وهي مضرّة وسامة في حالة الاستنشاق حيث الدخان المنبعث منها يندرج في خانة الغازات السامة والمضرّة بالصحة،وتساهم أيضاً بالتلوث السمعي لأن دويها يندرج ضمن عناصر التلوث البيئي) .

وإني ـ حقاً ـ لآسى وأتألم لأهل العراق، وبالأخص أطفالهم الذين ينامون ويستيقظون على أصوات الانفجارات والمدافع والطلقات النارية التي تعرضهم ـ فعلاً ـ  لفقدان حقيقي للسمع أو الصمم الدائم .

وفرق ، فرقٌ كبير بين أصوات المَـدافــع وأصوات المنابر !!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

العيد.. ودعوة للصفاء!!

تاريخ النشر: 21 أكتوبر 2006

  يأتـي يوم العيد ، وكل عام يعود هذا اليوم،والمظاهر والاستعدادات تدل على أنه سلوك وأداء شكلي وليس مضموناً فعلياً. فحين نصحو من النوم ونفتح أعيننا نستبشر بأن هذا اليوم هو يوم العيد وقد أكملنا جميع الاستعدادات اللازمة من ملبس ومأكل ومشرب وهدايا متنوعة،وكثير منا قد أنفق ماله وأهدر وقته الثمين في شهر رمضان لقضاء متطلبات يوم واحد فقط أو بالأحرى ساعات معدودة !! فهو مناسبة مكلفة وشاقة ومجهدة..أي أن مظاهر اللباس الفخمة والولائم الباذخة والتهانـي المتكررة في أيام العيد دون طعم أو مذاق صادق تجعل منه يوماً ثقيلاً على النفس !! لاسيما ممن تجبرهم المجاملات على الالتقاء بأشخاص ربما يكونون قد أساءوا إليهم أو ظلموهم أو استولوا على حقوقهم . فبعض العائلات بينها مشاحنات ومنازعات على إرث لم يبت فيه أو استولى عليه الأقوى،ومع ذلك يحضرون للمقر المعد للعيد،وتراهم يتبادلون القبلات الصفراء والسلام البارد، ويعود بعضهم مكسوراً يشعر بالقهر إن كان مظلوماً ، وبالحزن إن كان مهموماً ، وإن حضر مجاملة فإن الملل يخنق أنفاسه ، فالعيد لا يعدو عن كونه يمثل لديه ارتباطات متكررة ومنهكة ومرهقة.

  وإننا حقاً نأمل أن يكون يوم العيد سعيداً بكل المقاييس بحيث ينعكس هذا اليوم على المرء ويشعره بالسعادة والهدوء النفسي. و يصبح ـ بالفعل ـ فرصة طيبة للتخلص من الحسد والغيرة وإزالة ما في الأنفس والصدور من كراهية وحل الكثير من المشاكل الأسرية وتقوية أواصر العلاقات . ويكون العيد يوماً للتسامح والعفو وتجاوزاً لكثير من السلبيات والأخطاء التي صدرت من الآخرين ، ومناسبة للترفع عن الكبرياء والغرور وإحلال التواضع والبساطة في كل التصرفات ، وفرصة جميلة لإعادة حقوق الآخرين ومساعدتهم مادياً ومعنوياً لإكمال فرحتهم بالعيد ..

 هذا على المستوى الأسري ، أما على المستوى العام فلا بد أن يكون للمجتمع  في هذا اليوم نصيب من أفراحنا،حيث يحسن بنا زيارة دور الأيتام ومشاركتنا وأبناءنا لهم فرحتهم ومنحهم الهدايا البسيطة التي تشعرهم بأنهم ضمن منظومة إنسانية واجتماعية . وكذلك زيارة مراكز رعاية المسنين ومشاركتهم ذكرياتهم مع أيام العيد الماضية وإدخال البهجة على قلوبهم . ولا ننسى معايدة السجناء الذين قضت عليهم العقوبات أن يبقوا في السجن ، في الوقت الذي نتمدد فيه بأجواء الحرية ولو كان أولئك متهمين في قضايا أو يقضون عقوبات على جنايات استحقوها… كما لا نغفل عن المرضى في المستشفيات الذين حال المرض دون مشاركتهم لأسرهم فرحة العيد والالتفاف حول بعضهم ..ويبقى أولئك الذين غادروا دنيانا وسكنوا القبور ، حيث كانت وجوههم في الأعياد السابقة تشرق بالحب،وتطفح بالبشر ،فيضيؤون دروبنا ويشرقون في صدورنا، ويحلو العيد بقربهم وحولهم ويشكّلون لنا شلالاً من الأمل والعطاء ، فلهم منا الدعاء أن يعوضهم الله بدلاً من أعيادنا نوراً وضياءً في قبورهم ، وأن يبدلهم بأعياد الدنيا المؤقتة الزائلة بنعيم مقيم ، بضيافة رب كريم وأن يرحمهم ويجعل لهم الجنان مسكناً والفردوس مقراً..

   وسيأتـي العيد هذا العام،وسوف تتلوه أعياد متواترة،وسيلبس الأطفال الجديد ، ويدعو الناس لبعضهم بالعمر المديد .. وستستمر دائرة الأيام ، وتبقى الحياة ، تنبض وتستقبل المواليد القادمين كما تحتضن المقابر الموتى المغادرين..

وطالما هناك حيــاة وأعياد فلابد أن نبيح للسعادة موقعاً في قلوبنا،وأن نجعل للبهجة مرتعاً بين جوانحنا،وأن نسمح للسرور بالتضوع في نفوسنا، ونستقبل العيد بتفاؤل واستبشار وفرح..

وكل عيد وبلادنا بأمن وخير ، ونفوسنا أكثر صفاء وتفاؤلاً ..

أجمل مـــا قرأت :

حتى تأخذ أفضل ما عند الآخرين عليك أن تقدم لهم أفضل ما عندك !!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

العمال.. وحقوقهم الضائعة !!

تاريخ النشر: 14 أكتوبر 2006

نحن عمال النظافة وعددنا 22 عاملاً،وكفيلنا مؤسسة (**) للنظافة،ونعمل في مكاتب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجدة ولم نستلم رواتبنا منذ 4شهور،ولدينا عائلات لم نتمكن من إرسال أي نقود لهم،ونتمنى أن نزور مكة المكرمة ونقوم بفريضة العمرة ولكننا لم نستلم بطاقات الإقامة منذ أن حضرنا من بنجلاديش قبل4شهور.وقد ساعدنا إمام مسجد الشرفية على الكتابة وإرسال هذا الخطاب لكم،وهذه أرقام بعض مراكز الهيئة**) ) لكي تتأكدوا من صدق كلامنا..(انتهى)

وأنا إذ أشكر إمام المسجد على حسه وشعوره الإنساني النبيل تجاه هؤلاء العمال فأني أشعر بالخجل بعد قراءة هذا الخطاب المؤلم من هؤلاء العمال البسطاء الذين لا تتعدى رواتبهم أربعمائة ريال!وتذكرت تلك المداهمات التي تقوم بها فرق الجوازات وتقبض فيها على العمال الهاربين من كفلائهم أو ممن ليس لديهم إقامات نظامية ويقومون بأعمال مخلة بالنظام بل وتتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.واسترجعت صور المتسولين عند المساجد والمتاجر وفي الطريق.

أولم نتساءل قط عن الأسباب والدوافع التي جعلتهم يعمدون للتسول أو الهرب من كفلائهم والقيام بالأعمال المخالفة؟ أليس بسبب سوء المعاملة غير اللائقة إنسانياً وحضارياً من لدن بعض المؤسسات مع العمالة المتواجدة في البلد؟! ولاغرو أن سبب هروب العمال هو تأخر كفلائهم عن دفع المرتبات(الضئيلة)وعدم انتظامها والتي تصل إلى الشهور متناسين أن لهم احتياجات والتزامات مالية ولديهم أسراً تعتمد في معيشتها اعتماداً كلياً على رواتبهم الشهرية؟ أليس من المنطق والإنصاف أن نعطيهم حقوقهم كاملة حتى لا يتجهوا للقيام بمخالفات وإفساد في الأرض؟وكيف نعاقبهم ونحن لم نمنحهم حقوقهم كاملة؟

وهنا أناشد وزير العمل لكشف الغطاء عن إهدار حقوق العمال بوجه عام وعمال(النظافة)بوجه خاص ،ومَن المسؤول الحقيقي عن متابعة استلامهم حقوقهم كاملة؟ ونحن نعلم أن أولئك العمال عوان لدينا،وفي ذمتنا،فكيف يكونون في بلادنا بينما تقوم فئة من شركات النظافة بامتصاص جهدهم،ومصادرة حقوقهم؟؟وأكل أموالهم بالباطل!!

فلابد من تصحيح أوضاع بعض مؤسسات النظافة التي تدر على أصحابها مبالغ خيالية والسعي لإيقاف أساليب الرق والتهرب من تنفيذ نصوص مفردات العقد،وإغفال احتياجات العمال بالتأخر في صرف مستحقاتهم .لأن عدم وجود محاسبة قانونية من الجهات الرسمية التي يفترض أن تحاسب هذه المؤسسات والشركات هو ما أدى إلى مخالفاتها وتجاوزاتها واستمرار وقوع أضرارها على هذه العمالة وتشويه سمعة بلادنا.كما لابد من تحديد وتوضيح دورها بحيث يكون أكثر مصداقية بينها وبين المستفيدين من خدماتها من جهة وأكثر عدلاً بينها وبين منسوبيها،ويحسن بمؤسسات النظافة بالذات أن تكون غايتها خدمة المجتمع وتقديم خدمات رفيعة المستوى، حتى وإن سعت إلى تحقيق الأرباح لأصحابها،فإنه يجب عليها أن تضع في حسبانها مخافة الله تعالى والسعي إلى مرضاته.ولايكون من أنظمتها وسياساتها وإجراءاتـها ما يسيء للمتعاملين معها،ولا تسعى إلى تحقيق الربح على حساب الإضرار بمصالح العمال ومصالح الوطن. وعليه فلابد أن يدرك الكفلاء أن عليهم واجب الالتزام بمفردات العقد وتسليم العمال رواتبهم كاملة، لأن عدم الوفاء به يدفع بالعمال إلى نهج سلوكيات خاطئة وخطيرة!والله تعالى يقول:(يا أيها الذين آمنوا أوفوابالعقود) وعدم إعطاء الأجير أجره يحدث مشاكلَ عديدة شرعية وأمنية،هذا عدا الخوف من عقاب الله وسخطه حين لا يعطى العامل أجره كاملاً ،فهو لم يحضر ويتجرع مرارة الشقاء ،ويمضغ ألم البعد عن أسرته،ومعاناة الغربة عن بلاده إلا لأجل المال،والمال وحده! ومن يعتقد أن المعاملة الحسنة وحدها دون تسليم الراتب في حينه يجعل العامل يتحمل ويقدِّر أوضاع الشركة أو المؤسسة الاقتصادية فهو واهم مهما كانت تلك الظروف ! ومن لا يستطيع دفع رواتبهم بانتظام فلا ينبغي أن يتجرأ على استقدامهم،ويدخل بعقود تشغيلية ضخمة للدوائر الحكومية،حيث يحرص أصحاب الشركات على استلام حقوقهم من الجهات الحكومية كاملة بينما لا يمنحون العمال إلا الفتات!!ومعظم العمالة الوافدة إلى بلادنا على وعي تام بحقوقها مهما كان مستوى تعليمها أو مستوى بلادها الاقتصادي أو الاجتماعي .

فهلا حاربنا تلك الأساليب المخجلة غير الإنسانية لنحافظ على قيمنا ونصون كرامتنا ونسمو بمبادئنا،ونبقي  وجه بلدنا الحضاري خالياً من الخدش والندوب؟؟!

*** تحتفظ الكاتبة باسم مؤسسة النظافة وأرقام الهواتف المذكورة في الخطاب ..

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

مَنْ سرق رمضان؟!

تاريخ النشر: 7 أكتوبر 2006

  يأتــي رمضان كل عام، يومض بريقه في صدورنا فيضيئها، ويلامس حواسنا فتنبسط أيدينا بالبذل والعطاء!ويجدد الهمة نحو أعمال الخير فتزكو النفوس وتتهذب الأخلاق ..

  ولقد كنتُ في جماعة تثري رمضان بالعمل الصالح وقراءة القرآن فحسب، وأجدنـي أتوجع حنيناً لسنواتٍ انقضت كانت تلاوة القرآن فيها تشكل ترانيم عذبة حين تمرُّ بين الأزقة والشوارع قبيل الإفطار،فلا تسمع إلا تراتيل لاتكاد تتبين معناها،فبعض الأفراد تشقُ عليه القراءة فلا يستطيع أن يقرأ قراءة صحيحة ولكنه يقرؤه شعوراً منه بالتواصل مع خالقه فتجده يختم القرآن مثنى وثلاث حيث يجد راحته وسعادته بهذا العمل اليومي الممتع.

 ولو مررت على مسجدٍ لحسبته خالياً بينما ثلة من الرجال والصبيان يملؤون أركانه بالذكر والتلاوة ،فإذا اقتربت من مصدر الصوت وجدتهم وقد تمازجت قراءاتهم وكأنها طنين النحل مشغولة بإنتاج العسل المصفى.فقد كان الورع والسكينة والصبر يتغلغل في نفوس شبابنا وأشياخنا آنذاك.وإن كان شهر رمضان يمثل حرماناً مشروعاً عن الأكل،والشرب،فإنه أيضاً يعد شهراً للتوقف عن الركض واللهث وراء الملذات،وموسماً سنوياً لاستشعار قيم عالية تتمثل بالعبادة والعمل،وممارسة الصبر،ومحاسبة النفس،وتغيير السلوك للأفضل. بل إنه كان فرصة للاقتصاد في الاستهلاك والبذل للصدقات، وضبطاً للنوازع والرغبات .

  ترى مَـنْ سرق رمضان (الصوم ) ؟! وأبدله برمضان (الأكل والإسراف) ؟!

ومَـنْ أحال ليالي رمضان المشحونة بالمشاعر تجاه الخالق فحولها لعواطف تجاه المخلوقين،حيث تكثر التهاني بدخوله،ثم بمرور العشر الأول فالوسطى والأخيرة.وتزداد الزيارات والسهرات واللقاءات حتى الفجر؟!مما يؤدي حتما إلى التفريط في أداء العبادات والطاعات ليلاً والتقصير في انجاز الأعمال نهاراً.وفي ذلك انقلابٍ جذريٍ لمدلول رمضان كشهر عبادةٍ،وعمل،وتهذيبٍ للنفوس،وفرصة للبذل والعطاء في النفس والمال .

  مَـنْ غيَّر شكل رمضان ومضمونه ،وحوَّل السكون والهدوء لصخبٍ فضائي يتبارى فيه أصحاب المحطات على إلهائنا وإشغال أبنائنا عن دورهم المناط بهم لحمل لواء الدعوة ونشر الدين والعمل لرفعة الوطن ؟!

 منْ سرق فرحة الإفطار ولحظتها الهادئة وتحلق الأسرة حول مائدة إفطار هانئة بأصنافها اليسيرة وحولها إلى همٍّ يومي لربة الأسرة فلا تدري ماذا تطبخ أو تقدم على السفرة لإرضاءزوجها وأولادها والمعازيم ؟!فكثرة الخيارات تؤدي إلى الحيرة،وهي حيرة لو تعلمون قساوتهاومرارتها؟!

  مـَنْ سرق لحظات الوقوف اصطفافاً في صلاة التراويح وحولها لوقتٍ مستقطع حيث بعدها يبدأ الركض والزحام والبحث عن الجديد في الأسواق والسعي لإرضاء الأذواق؟!وكأن رمضان صار لبعض الناس مهرجاناً للتخفيضات وبرامج التقسيط والتسوق والشراء ! حتى تحول لاستنفار سنوي للأسواق والمطاعم لعرض المأكولات والمشروبات المتوفرة أصلاً في المنازل والأسواق طيلة العام،والفارق الوحيد هو ارتفاع أسعارها وإقبال الناس عليها، لدرجة أنها أصبحت مرتبطة بالعادات الرمضانية أكثر من الحاجة الفعلية لها! وما علموا أن رمضان شهر صوم يرغم على تنظيف جسدك من السموم الني حملها طوال العام.

ونحن ندرك إنَّ حبَّ الإنسان للأكل تبعاً لطبيعته ولكن امتناعه عنه في وقتٍ معلومٍ التزاماً بدينه والتقليل منه حتى بعد الإفطار يربي لديه مقاومة الهوى المرتبطة بالإكثار من الأكل الذي يهزم المرء ويحيله إلى أداةٍ طيِّعةٍ بيد الشيطان،وكثيراً ما حذر القرآن الكريم من اتباع الهوى لأن فيه إضعافاً لعزيمة صاحبه،والإسلام ما برح يربـي المسلم ويعوده على العزيمة وتحمل المشقة مع استشعار الأمانة في كل حال.وهنيئاً لمن كانت مكاسبه الدينية تفوق مكاسبه الدنيوية..

 أعيدوا لنا رمضان بوجهه الجميل وسحنته البريئة وكرمه وقلة مؤونته !! .

 أعيدوا لنا هدوء رمضان ،وخذوا صخبكم وضجيجكم !!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner