عَبِّر بصمت!!

تاريخ النشر: 29 يوليو 2006

 دخلت شركة الاتصالات السعودية عصراً جديداً في خدمة المجتمع بعد أن ساهمت في مشروع الوفاء الصحي.ولعلها فرصة أن أُشيد بجهود الشركة لمساهمتها في المجال الصحي بالذات حيث أن هذا المجال بات عصياً على الإصلاح!فكل يومٍ نسمع قصة مؤلمة لمريض قضى في مستشفى،أو طفلة فارقت الحياة بسبب الإهمال،ومافتئت الأخطاء الطبية تُسجِّل أرقاماً قياسية في موسوعة الفشل أو الموت!!
ولعل مساهمة شركة الاتصالات الإنسانية بالشأن الصحي يخفف التوتر والاحتقان الاجتماعي تجاه هذه الشركة؛ نتيجة لأخطاء إدارية سابقة،ولئن كانت الشركة بدأت (تُكفِّر)عن سيئاتها في حق الناس،فلعلها تُقبل توبتها!!واختيارها الصحة بالذات يُعبِّر عن نوايا طيبة قادمة، ونتأمل مساهمتها في مجال التعليم وتطويره وتحريره من ذلك القيد الذي مابرح يعيق مجتمعنا ويمنعه من الانطلاق!
 
وكثير منِّا يتذكر الاتصالات قبل تخصيصها وما كانت تتعامل به مع الناس سيما طالبي الخدمة في الهاتف الثابت الذي وصلت تكاليفه لأسعارٍ خيالية! كما أن قصة الاشتراك في الجوال في بداياته تذكرنا بمعاناة شقق التمليك في الأفلام المصرية التي يدفع فيها المشتري مقدماً(مبالغ طائلة)وهي لازالت قاعاً صفصفاً ! وسقى الله أيام العشرة آلاف ريال مقدم طلب اشتراك (جوال) حيث كان طالب الاشتراك يبرر لنفسه انجرافه وراء الاشتراك بأهمية الجوال في الحياة العامة وتراه من جهة أخرى يدعو على الشركة ويحوقل ويأسف على المال المدفوع والشماغ المفقود جراء الزحام والتدافع!!حتى خُفِّض الاشتراك لثلاثة آلاف فألفٍ وخمسمائة فثلاثمائة ريال،وتدرجت الشركة بالتخفيضات حتى جاء الوقت الذي (تُحرِّج)فيه الشركة على أرقام الجوال مع أيام مجانية بل أسابيع وشهور!! ومن سعر ريال وستين هللة للدقيقة إلى خمس وثلاثين هللة لنفس الدقيقة،فضلاً عن باقات قطاف ورصيدها..إلى أن جاء اليوم الذي نشهد فيه الجيل الثالث بتقنياته المتقدمة والذي حل علينا دون مقاومة اجتماعية من أحد كما كانت في بداية ظهور الجوال وعدم القبول بأسماء السيدات كمشتركات، والآن الحصول على شريحة جوال مثل الحصول على شريحة خبز(التوست)سواء بسواء!!وبات من غير المستغرب أن تجدها مع الجميع بمختلف الفئات العمرية والمهنية،وحتى العاملة المنزلية وعمال النظافة أصبح لديهم جوالات بمواصفات الجيل الثالث!!ومع كل هذه التخفيضات والريجيم في الأسعار تنمو أرباح الشركة بل وتزداد خزينتها على الرغم من المنافسة الحادة مع شركة اتحاد الاتصالات (موبايلي).وبانتظار المزيد من مشغلي الخدمة والمزيد من التخفيضات والمزيد المزيد من الأرباح!!

وبعد ذلك ألا يحق لهؤلاء المشتركين الوفاء لهم والاهتمام بصحتهم من قبل شركة الاتصالات وهم يقضون وقتهم في الكلام ويصرفون عليه أكثر مما يصرفون على صحتهم ؟! بل تجد الواحد منهم يصعب عليه دفع قيمة الكشف في مستشفى أو مستوصف أهلي ولكنه يصرفها بسهولة في مكالمة هاتفية أو مشاهدة مباراة دولية عبر الجوال!!

 لذلك تدعوهم الشركة ليتحدثوا و يعبروا عما في أنفسهم ومايجول في خواطرهم وما تكنه صدورهم من مشاعر إنسانية نبيلة أو حتى غيبة أو نميمة فلا أرخص من الكلام وليس أرخص منه إلاالوقت الذي يُصرف فيه!ولست أعلم متى آخر مرة قرأت فيها حكمة (الوقت من ذهب) و(السكوت من ذهب)حين كان الكلام من فضة ؟!فهل كف الناس عن نصح بعضهم بتقليل الكلام والسكوت الحكيم ؟ وأن من كثر كلامه كثر سقطه،وأن لسانك حصانك!! وقد يكون لسانك هو حصان شركات الاتصالات وجوادها السريع في سباق الأرباح الذي يرفع أسهمها!!وعلى كل حال الشركة والمساهمون هم فقط المستفيدون!!ولينظر أحدكم إلى عداد مدة جميع المكالمات في جواله(الصادرة والواردة)بالساعات وليقسمها على 24ساعة ليرى كم يوماً متواصلاً قد تحدث!وليحكم بنفسه على نفسه!!وربـِّي أن ضياع الوقت أشد من ضياع النقود !! فربما الثاني متوفرٌ وموجود، بينما  الأول ذاهبٌ ومفقود. وكلاهما محاسب عليه!!

  لذا …عبِّر أيها المواطن والمقيم… وكلما عبَّرت أكثر كلما حرصَتْ شركات الاتصالات على صحتك وساهمت في علاجك!!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

بوليصة التأمين!!

تاريخ النشر: 22 يوليو 2006

 وأخيراً.. تخلت وزارة الصحة عن كبريائها واعترفت بعدم قدرتها على إدارة مستشفياتها لأن الشق أوسع من الرقعة!! وبشجاعة الأبطال ستتخلى الوزارة عن إدارة مستشفياتها وتسندها للقطاع الخاص بعد أن كتب من كتب وانتقـد من انتقد رداءة الخدمات الصحية والإنسانية المقدمة من المستشفيات الحكومية،وهو يعد نجاحاً يقـدَّر للوزير الدكتور حمد المانع.

قرأت هذا الخبر في جريدة الحياة واطلعت على اللقاء مع الدكتور رضا خليل مستشار الإدارة الصحية الذي ذكر أن الوزارة سينحصر دورها الصحي على خدمات الرعاية الصحية الأولية والطب الوقائي بينما تبقى ملكية المستشفيات للدولة بمشاركة القطاع الخاص على أن يمنح المواطن بوليصة تأمين صحية يستفيد منها في تعدد الخيارات المتاحة له من حيث مكان وزمان العلاج.وستشرف الوزارة على جودة وكفاءة الخدمات الصحية المقدمة من لدن شركات التأمين الصحي.ولئن كان هذا القرار قد تأخر كثيراً إلا أن إقراره يعد نقلة حضارية،فإن طُبِّق فإننا نكون قد دخلنا عصراً جديداً من العناية والاهتمام بالمواطن المريض الذي هو بأمس الحاجة لهذا الاهتمام وتلك الرعاية..

إن نجاح الخصخصة في قطاعات كثيرة يشجع على إسناد الكثير من المهام لها،فالإدارة المبنية على الاقتصاد هي بدون شك إدارة ناجحة حيث يكون الحرص على الجودة في الخدمة والكفاءة والإنتاجية مع ترشيد المصروفات والدقة في أبواب الإنفاق.

ونأمل بعد نقل خدمات موظفي وزارة الصحة إلى القطاع الخاص أن نرى تغيراً في سحنتهم فتحل الابتسامة محل العبوس والترحيب بدلاً من التطفيش والتعامل الإنساني بدلاً من التعامل الذي يفتقد التهذيب مع كل مواطن أو مقيم هو بحاجة لمن يرأف به ويراعي أحواله! القطاع الخاص لديه القدرة السحرية على إعادة تأهيل موظفيه ورفع كفاءتهم وزيادة وعيهم للوظيفة وأن البقاء للأفضل في الإنتاجية والانضباط وليس في المحسوبية وإيجاد الأعذار!وسيجد حميدان نفسه حقاً في الميدان وهناك سيبدأ ماراثون العمل وسيكون المراجعون هم لجنة الحكم والتحكيم بعد أن بقوا ردحاً من الزمن خارج الميدان !!

بقي أمرهام وهو أن كل هذه الأشياء الجميلة الحالمة لا يمكن أن تتحقق إلامن خلال التحويل من مراكز الرعايةالصحية الأولية،هنا ستبقى المعاناة فتلك المراكزعاجزة عن خدمة نفسها فكيف تخدم الآخرين فهي بائسة في هياكلها المعمارية التي لا تطابق المواصفات باعتبار أنها مبانٍ سكنية غير مجهزة لاستقبال المرضى وعلاجهم وتعاني من تصدعاتٍ في الجدران،وبعضها آيل للسقوط، وقد أُلحِقَتْ بها غرفٌ جاهزة غالباً من الصاج لتصبحَ مكانا  للخدمات المساندة كالمختبر والصيدلية أُعدَّت بطريقةٍ عشوائية وبدائيةٍ للغاية!! كما أن تلك المراكز تعج بالأطباء العامين والممرضين الكسالى الذي لا يجعل المواطن حقاً(يعيّن خير)!! إن لم يعد النظر في تطويرها واختيار مبان مناسبة وتجهيزات متكاملة وعيادات متخصصة وأطباء أكفاء يستسهلون الوقوف ومد قاماتهم واستخدام الكشف السريري بدلاً منا الكشف الشفوي ! والكف عن إعطاء العلاج المتشابه لجميع المرضى مختلفي الأعمار والأمراض الذي لا يعدو كونه مسكناً فحسب !!

كما ينبغي الاهتمام براحة المرضى أثناء الانتظار وضرورة توفر النظافة وهي الأَولى بها فالمراجع حالياً لا يكاد يجد أماكن مناسبة للانتظار تتوفر فيها النظافة ومكيفة،فلا يوجد أمامه سوى تلك الممرات الضيقة التي يقف فيها أو يجلس على كرسيٍ هزيلٍ أنهكته السنون أو يتخذ وضع القرفصاء إن لم تزاحمه القططُ السائبة في الجلوس بتلك الممرات !! 

وعلى اعتبار أن الرعاية الصحية الأولية هي خط الدفاع الأول لاتصال المريض بالخدمات الصحية المتنوعة،فأين ذلك والواقع الحالي من تجاهلٍ لحقوق المرضى والاستهتار بحياتهم من قِبل بعض الأطباء والفنيين والممرضين في تلك المراكز! وهذا يخالف الهدف من إنشائها الذي يشمل الكشف على المرضى ووصف العلاج المناسب،ومتابعة الحوامل حتى الشهرالأخير ومن ثم تحويلها للمستشفى،ومتابعة المواليد وتطعيمهم وتسجيل أطوالهم وأوزانهم وتشخيص الأمراض العارضة لهم،ونشر الوعي الوقائي لسكان الحي التابع له المركز وشرح وظيفته وأهميته وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة،والمدارس والجامعات ،وهذا بحدِّ ذاته من أهم حقوق المواطنين على المراكز الصحية فلابد أن يكون لكلِّ ساكن في الحي رقمٌ صحي لتَتِمَّ متابعة حالته وتحويله للمستشفيات المتخصصة عن طريق المركز وإعادة النتيجة ووضعها في ملفه مع بقية التقارير الأخرى المتعلقة بصحته،والاهتمام بتسجيل حالات المرضى وتشخيصها والدقة في الفحص وبالتالي صرف العلاج المناسب.

ولعلنا نجتهد لنشخِّصَ السبب الحقيقي لفشل تلك المراكز الذي يعود لسوء إدارتها وقلة التأهيل والتجربة الإدارية الكافية التي تتطلب الدقة والسرعة في الإنجاز والمتابعة والإنسانية في التعامل حتى يتحقق المنشود.

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

التغيير المطلوب!!

تاريخ النشر: 15 يوليو 2006

 إن هبوب رياح التغيير التي تضرب أروقة مجتمعنا وتكاد تقتلع الأطناب،تتطلب ضبط النفس والوقوف عندها بموضوعية حتى لا تتسبب في الانقسام الاجتماعي في التفكير،وبالتالي تصنيف المجتمع إلى فئات قد تكون وهمية أكثر منها واقعية، لاسيما حين تصدق النوايا ويتوحد الهدف،حيث تصب تلك الجداول جميعها في بحر الوطن مادامت الرغبة في النهوض به عبر آليات مقبولة اجتماعياً وشرعياً .

   ومما يؤسف له أن التغيير لدينا اتجه نحو السلوك وليس نحو التفكير! فهو يتركز في الشكل وليس المضمون. ولعلي أتحدث عن التغيير الذي طرأ علينا من خلال محاوره الثلاثة ( المدرسة ، الأسرة ، المجتمع ).

  فعادة يبدأ التغيير من خلال برامج التعليم ، أي في فحوى المناهج ، بينما الذي حدث لدينا هو تغيُّر في شكل المناهج والكتب المدرسية (لونها وحجمها) حيث تمَّ اختزال بعض المناهج وبالتالي كُثِّـفت الأنشطة المنهجية للطالب بدعوى إتاحة الفرصة له لمزيد من التفكير والاعتماد على النفس. وهذا الهدف ـ وإن كان رائعاً ـ بيد أنه لم يتزامن مع تأهيل المعلمين لتنفيذ هذا الهدف ! فلا زالت علاقة الطالب مع معلمه علاقة متلقٍّ !! و المدرس لا زال يحمل فكر الملقِّن . وكنا نأمل أن يكون الهدف من التغيير عدم حصر المعلم والطالب في منهجٍ إنما يتجاوزه إلى ربط التعليم بالبيئة التي يعيش فيها والمجتمع الذي يشاركه الاهتمام.والواقع  أنه لا يزال التعليم يصدح في وادٍ والمجتمع يغرد في وادٍ آخر!ولم يستطع القائمون على التعليم إيجاد هذه الحلقة المفقودة،وجعل التعليم يشدو في سرب المجتمع.

   وعلى جانب آخر حين نتمعن في مظاهر التغير التي  طرأت على الأسرة فلا نكاد نجد إلا السعي والاهتمام بتوفير الماديات وتجاهل الدور التربوي المناط بها ،حيث تخلت عنه اعتماداً على المدرسة وعلى العمالة المنـزلية المستأجرة! وما زالت الأسرة تُخرِّج أبناء مدللين لا يستطيعون تحمل المسؤولية بسبب طغيان الجانب المادي وارتفاع مستوى الدخل الذي لم يقابله تهيئة الأسرة لتتمكن من تربية أبنائها في رغد من العيش واستثمار الرخاء الاقتصادي واستلام دفة المسؤولية والقيام بدور القدوة المطلوب  .. كما أن تخلي الأبوين عن دورهما الأسري التربوي وإحلال المادة بدلاً منهما مع غياب تام للحوارات الفكرية في عصر تدفق المعرفة والثقافة ،والاعتماد على الرقابة السلوكية أدى إلى ظهور جيل فاقد للهوية، مهزوز،غبر مبالٍ ،لا يحمل الهمَّ الوطني والشعور بالانتماء.

  أما على المستوى الاجتماعي فالتغيير شمل الشكليات! فالتطور والحضارة لم يخرج عن إطار انتشار مطاعم الوجبات السريعة وبالتالي ظهور أمراضٍ أقلها السمنة ، وأدناها قلة النظافة ! مروراً باللامبالاة والأنانية وشيوع ظاهرة التقليد . فالكل يسهر ليس رغبة في السه! والكل يؤدي العمرة في رمضان سنوياً ! والكل يخرج للبر في الشتاء وخاصة بعد نزول المطر!! حتى ولو لم يكن هناك رغبة في أداء أيِّ من هذه الأمور ولكن المجتمع يضغط على الأفراد لأن سُلْطة المجتمع أقوى من الفرد مثلما أشار لذلك (ابن خلدون) في كتابه المبتدأ والخبر .ومن هنا نستطيع القول إن مجتمعنا تحكمه المظاهر والاستهتار وضعف الإنتاجية !

   وقد يقاوم المجتمع التغير بسبب الخوف من التغيير ذاته الذي هو قائم منذ الأزل، فمع بزوغ فجر الدعوة ونور النبوة رفضت قريش التغيير بالتحول من عبادة الأصنام لعبادة الله تعالى، على الرغم أنه خروج من العبودية المظلمة إلى شمس  الحرية الساطعة إلا أنه قوبل بالرفض والمقاومة نتيجة لما قد يترتب عليه من نتائج بسبب هبوب رياح التغيير وتبدد بعض المراكز !

 ولأن التغيير هو سنة الله في خلقه، فإنه ـ والحالة كذلك ـ لابد من المحافظة على الثوابت والأمور الشرعية وما عداها فهي تقاليد اجتماعية،ولكن يحسن التدرج في التغيير ولا يكون مفاجئاً حتى لا يُقابل بالمقاومة والرفض .لذا فإنها دعوة لاضطلاع الدعاة والكتَّاب وخطباء المساجد  لتحمل مسؤولية التغيير الإيجابي فهم يتقلدون الهم الدعوي والتوعوي ويجدون قبولاً اجتماعياً وصدى واسعاً بين الجماهير. وما أود الإشارة له هو انتهاج الرأفة بأفراد المجتمع حين تكون الرغبة بالتغير ومراعاة مشاعرهم ومدى تمسكهم بتقاليدهم وعدم استخدام أساليب التخويف والتنفير! وعليه لابد من التوجه لأرباب الأسر بفتح مجالٍ أوسع للنقاش وتنمية الذات التي تشمل رضا الفرد عن نفسه وقبوله بإمكانياته ومحاولة الرقي بها والتهذيب في أساليب التعامل مع الآخرين.   

  وهي فرصة لأبدي سروري بالتغيير الإيجابي على المستوى الإداري مثل الشروع بالإصلاحات الإدارية الواسعة التي تبعث على التفاؤل وتخفف مشاعر الإحباط ومنها الإنصات للمطالب التي تدعو للإصلاح الأسري وحماية حقوق المرأة واحترامها الذي يشعرها بالأمن والهدوء النفسي.

                                              ***************

أجمل ما قرأت : لا تقل يا ربِ إن همي كبير بل قل : يا هم إن ربي كبير !!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

الصيف وضياع العسل !!

تاريخ النشر: 1 يوليو 2006

إن اقتران الصيف بالاسترخاء لدرجة الكسل والخمول، يعد أمراً مؤسفاً وقد لا أبالغ حين أقول لو كانت الإجازة ستة شهور لقضيناها بنفس النشاط،وأقول النشاط مجازاً،لأن النشاط يعني هنا اللانشاط !ولو تم تقسيم الإجازة لعدة أقسام يكون السفر المريح والاستجمام أحدها،بالإضافة إلى ممارسة الهوايات وتعلم مهنة أو حرفة أو لغة حية لكان ذلك أجدى وأنفع!! ولكن يحل الصيف كل عام يبقى البرنامج الموحد لأغلب الناس هو الاستعداد والتأهب للسفر،وليس أجمل وأمتع من السفر مع أفراد الأسرة حسب الإمكانيات المتاحة والتخطيط المسبق والاطلاع على الإنجازات البشرية الهائلة والطبيعة الخلابة،ولكن المؤسف في الأمر أنه في كل إجازة صيفية تُسكب ملايين من لترات العسل الذي تم جمعه طيلة العام !!

   هكذا بدا لي من خلال ما أراه وأسمعه وما أقرؤه وأستعجب:كيف أصبحت الإجازة امتحاناً قاسياً لرب الأسرة سواء القادر مادياً أو العاجز، حيث تبدأ ضغوط الزوجة والأولاد بضرورة السفر للداخل أو الخارج.. ومن لا يتسنى له السفر يصبح مسرفاً بالنفقات على أسرته بحجة أنه لا يجتمع عسران:الحرمان من السفر والحرمان من الترفيه!! فتراه وهو باقٍ في مكانه ينفق أكثر مما يصرفه المسافرون!! هذا عدا تساهل الوالدين مع أولادهم في السهر وعدم ممانعتهما من قلب النهار ليلاً والليل نهاراً في سابقة عالمية لم يسبقنا بها أحد من الشعوب !!

   وأشد منه من يقـتِّر على أولاده طيلة العام بحجة السفر في الصيف فتراهم  لا يأكلون المفيد من الطعام،ولا يرتدون الجميل من الملابس،وتراه متوتراً بسبب المصاريف والفواتير.وتجد أولاده مذعنين مطيعين له حتى يتحقق لهم السفر في الصيف.

والمؤلم الأكبر أن بعض أرباب الأسر يلجأ إلى البطاقات الائتمانية للصرف من خلالها مع ما تقوده هذه البطاقات من إسراف وتبذير، وهذا هو الفخ الذي يقع به رب الأسرة وقد يقصِّر في متطلبات أسرته للسنة القادمة لتسديد فواتير البطاقات فهو هنا قد قاسى من تبعاتها بسبب متعة شهر أوعدة أيام لاسيمافي الوقت الحالي الذي به ارتبط السفربالسكن في الفنادق الفخمة الدالة على الرفاهية والأبهة والترف!!فهل فتحت الإجازة باباً جديداً بل كبيراً وواسعاً من أبواب الإنفاق في وقتنا الحاضر ؟!!

   وهنا لابد من وقفات أهمهاالموازنة بين المتطلبات الضرورية والترفيهية،فامتلاك منـزل مناسب أهم من السفر،والحصول على سيارة مريحة أكثر حتمية من السفر،وكذلك إعطاء الناس حقوقهم أوجب من ذلك كله.أما الصحة فلستُ أرى لها مقارن !! فكثير من أفراد بعض الأسر، والأطفال بالذات، يعانون من آلام وتسوس في الأسنان أو ضعف في النظر أو أمراض جلدية أو هضمية مزعجة ومؤلمة، وتجد أسرهم يجهزون للسفر دون اكتراث بحجة أن موعدهم في المستشفى الحكومي لم يحن بعد، فهم لا يستكثرون دفع النقود للسفر ولكنهم يستكثرون دفعها  للمستشفيات أو المستوصفات الأهلية مقابل العلاج! كما يستخسرون دفع مبالغ للمعاهد الأهليةلتلقي أبنائهم دورات في الحاسب الآلي أواللغة الإنجليزية،تلك المعضلة التي لم يستطيع أبناؤنا خلال ست سنوات من تعلمها في المدارس الحكومية فضلاً عن إجادتها ولازالوا يتهربون من تعلمها على الرغم من أهميتها وظيفياً واجتماعياً.ولكن الأسرة لم تستوعب بعد تلك الأهمية ولا يمكن أن تقارن أهميتها بالسفر والاستجمام !!  

   أما ما هو أشد ألماً وغصة فهو ترك الأولاد لدى أحد الأقارب وسفر الوالدين وحدهما بحجة إعادة أيام العسل!! وما علموا إن  العسل ما هو إلا وجود الأطفال واصطحابهم معهم في كل مكان ، فهم زينة الحياة وجمالها وعذوبتها وسحرها ورحيقها..

  فكيف يحلو عسلٌ دون رحيق ؟!!      

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner