تاريخ النشر: 24 يونيو 2006
وصلني خطاب من القارئ الكريم والأستاذ الفاضل ، المعلم /عبد الله الصالح. يقول فيه (قرأت مقالك الذي جاء تحت عنوان (يا وزير التربية..عن التعليم أحدثكم)ولقد أعجبني وكثيراً من زملائي ما تضمن من جرأة وصدق وصراحة وضرب على الوتر الحساس.فلقد وضعتِ اليد على الجراح التي طالما ضمدناها بلا تطهير فبقي أثرها ينكأ كل يوم، فهي أبداً تؤلمنا أشد الألم ، وقد نندم على أننا غضضنا عنها البصر ولم نحسن التعامل معها ولات ساعة مندم !!
والحقيقة أنك أصبت ـ أختي الفاضلة ـ كبد الحقيقة في كلامك عن التعليم ومخرجاته المختلفة من ( اللامبالاة) و( النجاح الفاشل ) و(الامتياز المزيف ) و(التعليم التلقيني)..
وبماأنني واحدمن الذين يعانون بل يقاسون ويتألمون مماوصل إليه حال التعليم ،ولاشك أن الذي يده في النار ليس كمن ينظر إليها!و(الحرب بالتنظير أمر سهل)ومن دخل معترك التعليم عرف حقيقة ما قلتِه في مقالك.وما دافعي لكتابة هذه الكلمات سوى الغيرة على هذه الأمة وأجيالها الذين هم أملها وغدها المنتظر!وخلال السنوات الطويلة التي أمضيتها في هذه الرسالة العظيمة ـ رسالة التعليم ـ فإنه يؤلمني ويحز في نفسي ما انتهى عليه حال العلم والمتعلمين.وسأضرب مثالاً على ذلك وهو غيض من فيض!فطالما عُقدت مجالس الآباء ولقاء المعلمين مع أولياء أمور الطلبة.وكم تمنيتُ أن ألقى من الآباء من يسألني عن مدى تحصيل ابنه للعلم في معناه الحقيقي،ولكن (للأسف) يأتي أحدهم ويجادلني عن درجات ابنه في المواد،لماذا وكيف؟وكل منهم يريد ابنه وقد حصل على الدرجة التامة ولا يهمه أأتقن تلك المادة أم لا؟!وأحد هؤلاء الآباء حضر يعاتبني بل يكاد(يقاتلني!)لأن ابنه نقصت منه درجة واحدة في مادة التعبير!وهو يعتقد أن مادة التعبير(أي كلام يكتبُ وأي كلمات تقال)فينال صاحبها الدرجة الكاملة! ثم أتبع هذا الأب قوله: أنت تريد من ابني أن يكون (سيبويه)!وماذا كان يضرك لو أضفت هذه الدرجة لابني وأرحت نفسك ؟! أجبته على الفور:لايا أخي الفاضل، أين ابنك من سيبويه ،بل أين نحن الآن منه؟!كل ما أطلبه من ولدك أن يعبـِّر عما يريد قوله بلغة سليمة وانتقاء للكلمة دون لحن أو خطأ فيعرف كيف يتحدث مع الآخرين بلباقة وأدب وأسلوب راقٍ وجميل، لاأن يكون(آلة ناسخة)تطبع ما تؤمر دون فهم أو إدراك لما طبعت وكتبت..أريد من ابنك وغيره أن يكون عضواً مفيداً لنفسه معتمداً على ربه ثم على إمكاناته، يتعلم العلم للعلم وليس(من تجار الدرجات والشهادة)حتى إذا نالها نسي ماكان قد تعلمه من قبل، فإذا دخل معترك الحياة جاءها خلواً صفر اليدين إلامن(شهادة)ليس له منها إلا اللقب والاسم فقط!وما أكثرحملة الشهادات الذين تكلمتِ ـ أختي الفاضلة ـ عنهم في مقالك ،كما تطرقتِ عن التعليم ومخرجاته ،فماذا عن التربية التي هي توأم التعليم وصنوه الذي لا يفترق عنه ؟!
ويختم الأستاذ عبد الله بقوله (كلي أمل أن تستمري ـ جزاك الله خيراً ـ في هذا النقد البناء الذي تصدر منه سمة الإخلاص والغيرة على الأجيال والأمة. وأن تعطي التربية قسطها وحظها الوافر من الأهمية،فإن أزمة عالمنا اليوم ـ كما تعلمين ـ بالإضافة إلى العلم الذي بلغ العالم فيه مكاناً عالياً، إنما هي أزمة أخلاق!! انتهى..
وإن كان لدي تعليق على الأستاذ عبدالله الصالح وهو الذي قال ووفى،فإنه ينحصر في المطالبة بإعادة تأهيل بعض المعلمين ليدركوا مهامهم التي أسندت لهم ويعلموا أن متطلبات حرفة التعليم ليست فصلاً دراسياً ومقاعد ورؤوساً تهز خواء من جراء طول السهر، وسوء التغذية . بل إن حرفة التعليم هي بحرٌ مداده الإخلاص والحماس والعطاء فضلاً عن كونها أمانة ومسؤولية قبل أن تكون مهنة دخلها المادي كبير وضياع البركة فيها مرير!!كما تمتد مطالبتي للأسرة ـ بالذات ـ بالحرص على استفادة أبنائهم من العلم أكثر من حرصهم على نيل الدرجات الوهمية التي يكيلها بعض المعلمين غطاء لعجزهم عن توصيل معلومة أو بذل جهد دون استحقاق حقيقي لتلك الدرجات!!
وإن كنت يا أستاذ عبدالله محارب ومناضل شريف في معترك ، فما أنا إلا نائحة ثكلى أفقد كل يومٍ طالباً كان يمكن أن يصبح بانياً لوطنه سامياً بنفسه معتزاً بكرامته. ولكن في معركتنا .. ما أكثر المقاتلين طلباً لمغنم ، وما أكثر النوائح المستأجرات !!
تاريخ النشر: 17 يونيو 2006
لم تكن(سعاد) تتوقع ما سيحصل لها من أحداث في حياتها حين كانت تلعب مع قريناتها في تلك الأزقة الضيقة في ذلك الحي الشعبي المغرق بالفقر! فكانت السنوات تنفرط كمسبحة تحررت من خيطها،حيث تخرجت من الثانوية العامة،كما يتخرج أرتال من الشباب فلا يجدون جامعة تقبلهم!!فهي وإن كانت قد اجتازت الدروس من الصف الأول الابتدائي وحتى الثالث الثانوي بنجاح ولم تُكْمِل سنة واحدة،إلا أنه نجاحٌ كالإكمال،فلا تكاد تعي من العلوم إلا المهارات الدنيا،يخدمها في ذلك منهج(تعلَّم لتنجح)وليس(تعلَّم لتدرك وتفهم فتنتجح!)لذا لم يسعفها المعدل الدراسي للقبول في الجامعة !!
تلفتت يميناً وشمالاً ونظرت لأسرتها التي تضم أحد عشر فرداً ما بين أبوين وأولاد وبنات يعيشون فوضى داخل منـزلٍ صغير فهم يكتظون داخل جدرانه كأعواد كبريت في علبة!!ووالدها موظف راتبه لا يكاد يكفي متطلبات أسرته الكبيرة!
تقدمت بطلب عمل في إحدى الدوائر التي تختص بالأبحاث العلمية!!وقُبلت في وظيفة (مستخدمة)حيث لا تحتاج إلى مؤهلات فأصبحت تعدُّ القهوة والشاي وتوصل الأوراق إلى المكاتب وتسلمها إلى مكاتب أخرى في حركة دؤوب!!
اكتشفت(سعاد)جهلها الشديد!فالأوراق التي تنقلها مكتوبة بالإنجليزية،وأغلب من تدخل مكاتبهم يتكلمون هذه اللغة بطلاقة بحكم الوظيفة!! توقفت تحدث نفسها:(درستُ الإنجليزية ست سنوات ولا أكاد أفهم عبارة واحدة)بل إنني لا أكاد أفهم بعض مفردات اللغة العربية والحساب بصورة جيدة فما بالك بالعلوم الحيوية.وهنا فقط أدركت حاجتها إلى إعادة النظر في تعليمها السابق فقامت بشراء كتب (تعليم الإنجليزية)بعد أن ادخرت جزءاً من مرتبها،وصارت تراجعهافي المنزل وفي أوقات الراحة في عملها.وفي خلال سنتين أتقنت الإنجليزية إتقاناً تاماً حيث استعانت ببعض الموظفات لمساعدتها.وأصبح التفاهم مع المحيطين بها يتم بطريقة راقيةٍ، على الرغم وظيفتها المتواضعة .
قرأت(سعاد)إعلاناً عن دبلوم السكرتارية والأعمال المكتبية في أحد المعاهد المتخصصة فتقدمت للدراسة به!ولكنها واجهت مشكلة التنسيق في الوقت بين العمل والدراسة،وهي تعلم صرامة مديرتها وحزمها،إلا أنهاـ في النهاية ـ حلت الأمر ودياً معها حيث أصبح دوامها يبدأ من الثانية عشر ظهراً وحتى السادسة مساءً إضافة إلى العمل أيام الإجازات!
وبعد سنتين حصلت على الشهادة بامتياز.وفي لفتةٍ ربانيةٍ تحولت من (مستخدمة) إلى (سكرتيرة)للمديرة ذاتها.وأتقنت عملها بصمت وإخلاص،مما جعلها ترتقي في وظيفتها،فهي قليلة الكلام كثيرة الإنتاج،فنالت إعجاب الجميع واحترامهم ،بل أصبحت زميلاتها يعرضن عليها مشاكلهن ويطلبن مساعدتها وشفاعتها لدى المديرة!وكلما سَمت مكانتها في عملها ازداد تواضعها وتضاعف الإشراق في وجهها والتوهج في شخصيتها!!
جاءت إليها زميلتها الموظفة(نجوى)تشكو همَّاً،وتذكر لجوءها لأشخاص متنفذين لقضاء أمرٍ لها،حيث وسطتهم لدى المديرة ولكنها ردتهم ورفضت تدخلهم رفضاً قاطعاً! لذا طلبت من سعاد أن تتدخل لمعرفتها بأحوال المديرة وساعات الصفاء لديها،وأصبحت تكيل لها المديح وتذكر مكانتها المعروفة في الدائرة وأن شفاعتها كالسحر في القلوب!عند ذلك أسندت السكرتيرة(سعاد)ظهرها على الكرسي الوثير الذي تجلس عليه،وحمدت الله كثيراً أن رفعها من مستخدمة تنقل الأوراق وتُعِدُّ القهوة والشاي وتخضع بالطاعة للموظفات إلى أن وصلت لهذه المكانة !!
وأثناء استرجاعها لشريط حياتها انتفضت وقالت لزميلتها(نجوى):لقد أخطأتِ يا عزيزتي بحضورك لي وطلبك شفاعتي !! فما أنا إلا شخص ضعيف قد تغضب عليَّ المديرة وتنقلني إلى وظيفة أخرى تُطمر فيها شخصيتي وذاتي!وأنا على رغم حاجتي لم أستعن بشخصٍ واحد!ولكني طرقتُ باباً كبيراً لا يوصد في وجه أحد،يملكه عظيمٌ مدبرُ هذا الكون،الله عزَّ وجل،حيث توسلتُ به وطلبت منه اللطف بفتاةٍ تتقاذفها أمواج الحاجة والعوز في أسرة بائسة!وكنتُ سادرة في حياتي أؤدي عباداتي كأعباء ثقيلة،فأصلي الفروض عادة، وأصوم تعوداً!إلى أن أنار الله تعالى بصيرتي فهداني، فكنتُ أهرع للصلاة النافلة كونها لقاءً حميماً بالله،وأجد اللذة في قراءة القرآن،وأصوم التطوع وأتصدق طمعاً برضا الله ! ثم أين أنتِ يا عزيزتي من صلاة الضحى فاتحة الرزق وبوابة السعادة ؟! عودي إلى ربك فاطلبيه ، فإنه يغضب حين تطلبين من عباده.عودي إلى الفطرة،والجئي إلى ربٍّ لا ينـزعج من طالبيه، ولا يبخل بالإجابة،ولا يغلق بابه! وإن أخَّر إجابة طلبك فلرغبته بقربك واستمرار توسلك واختبار صبرك، ومن ثَمَّ يجزيك الجزاء الأكبر!!
فما كان من(نجوى) بعد أن أنهت سعاد حديثها إلا أن تسللت بهدوء يشوبه الخجل، وانقطعت عنها أياماً..إلى أن طلبت المديرة لقاءها لأمرٍ هام! وبعد اللقاء وقفت(نجوى) أمام زميلتها(سعاد)باندهاش لتقول:حين يئستُ من قبول طلبي لدرجة النسيان، ها أنا ذا أتفاجأ بالمديرة ذاتها توافق عليه نظراً لانضباطي وجديتي في العمل!
إنـه… الرضا !! حين رضي الله عني…أرضى عليَّ خلقه !!
كم أنتِ رائعة…أيتها الواعظة الصامتة !!