النجاح الفاشل2-2

تاريخ النشر: 26 يونيو 2005

أظهرتُ في المقال السابق استيائي من نتائج امتحانات التعليم العام،مادون الثالث الثانوي.ولئن كانت تلك النتائج ( لم يرسب أحد)  ونسبة المئة / بالمئة تبرق فوق هامة المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية ـ إلا من أبـى ـ فإن الحقيقة المرة أنه نجاح فاشل !! فكيف يتساوى طالب جَد واجتهد مع طالب لعب واستهتر وأشقى معلميه خلال عام دراسي كامل وسخر بهم بعد ظهور النتائج ؟! فكأنـي به وهو يحرك حاجبيه باستهزاء ويقول : نجحت يا أستاذ !!

  أقول ذلك ومكاتب الإشراف التربوي تتلقى التهانـي من وزارة التربية والتعليم التي مافتئت تشكرهم على جهودهم وكدهم ومتابعتهم للمدارس طيلة العام الدراسي،أما الطلاب فتراهم يزهون بنتائجهم أمام أسرهم وأقاربهم . وأولياء الأمور يحمدون ربهم حيث لم يضع لهم تعباً !! وتجد محلات الحلويات تعج بالمشترين لحلاوة النجاح، وكعكعات الفرح والفلاح !! وكلٌ مستفيد إلا الحساد(بنظرهم ) الذين يودون اغتيال الفرح من قلوب الكسالى والعياذ بالله من الحسد !!

وإن كنت أتندر على نجاح الفاشلين فإنني أتعجب من رسوب المثابرين،وأعني بذلك طلاب الثانوية العامةالذين نقلت الصحف معاناتهم،  ووصفت مشاعرأسرهم وهول الصدمةالتي منوا بها في اختبارمادة الرياضيات..ومابين وهم الفرح في مراحل التعليم وحقيقةالألم والأسى في الثانوية العامة يظهر لنا البون الشاسع في التعامل مع الفريقين،وربما السبب الذي أدى لهذه الصدمة هو الوهم أو التدرج التلقائي (المريح) في سلم التعليم والذي عبّرت عنه في المقال السابق وشبهته بالسلالم الكهربائية التي عودتنا الكسل والرخاوة والخمول؛ على اعتبار أن السلم التعليمي هوالذي يسير والطالب يسير تبعاً له على مدى أحد عشردوراً(عاماً دراسياً)وقبل الو صول للدورالثاني عشر يتفاجأ الطالب بانتهاء السلم الكهربائي،بل وحتى الدرج العادي فيطلب منه الصعودبالحبال على علوٍ شاهق وارتفاع في درجة الحرارة، ولا أخالك إلامشفقاً حين ترى شاباً متورطاًحيث أنه لم يعتد الصعود إلامن خلال سلم كهربائي في جو مكيف وفجأة يجد نفسه ودون سابق معرفة أو إنذار، أمام خيارين :إما أن يحاول الصعود دون تدريب أو يهوي إلى الأرض وفي الحالتين قد يسقط من بُـعد أحد عشر طابقاًوتتقبل أسرته فيه العزاء،وهذاماحصل بالفعل في إجابات الطلبةوالطالبات،إماراسب أوغاش،أونجاح قريب من الرسوب،و(المقبول) أقرب للراسب بلا شك،والفارق بينهمادرجة واحدة فقط..بينماالفارق بينه وبين الامتيازأربعون درجة!!وكلاهما ـ للأسف ـ ناجح!!

ولو أحسنت وزارة التربية والتعليم ولم تترك الحبل على الغارب،وجعلت الصعودبالحبال في السنوات الأولى حين يكون المكان منخفضاً والجسد خفيفاً،ومن ثم يمكن استخدام الدرج العادي وبعدها يستخدم السلم الكهربائي مَن يستحق!!والذي يستحق السلم الكهربائي حقاً..هو ذلك الطالب الذي حاز الدرجة النهائية في مادة الرياضيات وما تلاهامن مواد!وللحق..فهذا الطالب ليس وهماً بل هو حقيقة و(سأشيد به في مقال خاص حين تظهر النتائج) لأنه بالرغم من نحيب زملائه الطلبة وعويل أسرهم كان مطمئناً؛يذاكر مادة الغد، أتدرون لماذا ؟؟ لأن بدايته كانت صحيحة !صعد بالحبال في السنوات الأولى ثم الدرج العادي في السنوات التالية،وربما لم يجرب السلم الكهربائي حتى هذه اللحظة بل أكاد أجزم أنه لم يستخدمه قط،فهو لازال نشيطاً رشيقاً !! فمثله تعوقه السلالم الكهربائية فهي وإن كانت مريحة إلا أنها ـ على كل حال ـ بطيئة..

وفضلاً عما قرره النظام: الاكتفاء بالحصول على 28% لتحقيق النجاح،فإن إدارات المدارس في سعيها الحثيث ومحاولاتها مساعدة الطلبة على النجاح دون أحقيتهم له، ومباركة مكاتب الإشراف التربوي لهذا الأمر حتى تمادوا فيه،وصمت أو قبول وزارة التربية والتعليم لهذه النتيجة المخجلة….يعد طعنة في خاصرة التعليم بل ضربة قاضية في مستقبل الوطن وتنميته .

  إن النظر للكم دون الكيف في تخريج طلبة فاشلين أكاديمياً،مدللين أسرياً،خاملين عملياً، هو التخلف بعينه!! وإن كانت الوزارة سعت لتوفيرمنهج مناسب ومعلم مؤهل تأهيلاً سليماًفإنه يبقى الأهم وهو السعي لتخريج طالب مسلَّح بالعلم النافع،مزود بالمعرفة الصحيحة، متحمل للمسؤولية،غير مستهتر بمنهج أو ساخر من معلم ، أو ساخط من نور العلم !!..ذلك النور الذي يضيء طرقاتنا ويدير مصانعنا ويروي ظمأنا ويسيِّـر مركباتنا.وإن تحقق الهدف..فذلك هو النجاح الناجـــــح  !!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

النجاح الفاشل !! 1- 2

تاريخ النشر: 18 يونيو 2005

   وهكذا…انتهت الامتحانات،أو الاختبارات،كما يحلو لوزارة التربية والتعليم تسميتها بعد حشد الجهود الأسرية والمدرسية لها  خلال عشرة أيام أو تزيد ،وإنـي لأتساءل عن أهمية ذلك الحشد والتوتر النفسي والجسدي،والنتيجة في الغالب النجاح قبل دخول القاعات، أعني بذلك جميع مراحل التعليم العام،عدا الثانوية العامة !!

  ولعل البعض منكم يسخر من امتعاضي من النتيجة الإيجابية المسبقة أو النجاح المتوقع قبل دخول الامتحان، ليأتي دوري في تفسير ألمي من النتائج التي شاهدتها أو سمعت عنها مما يشعرني بالإحباط، وكونوا معي لأوضح الموقف وقد تشاركونني الشعور :

·   تلميذ في الصف الأول الابتدائي لا يستطيع القراءة أو الكتابة بطريقة صحيحة.وفي ظل النظام التعليمي والتربوي الجديد، يجتاز الصف الأول ويحلِّق إلى الصف الثانـي ،بحجة أنه سيتم الاهتمام به أكثر في العام الدراسي القادم ، وحتى لا يتأثر نفسياً فلابد أن يلحق بأقرانه !! وتحسب المدرسة أنها هنا قد راعت النواحي النفسية للطفل وأسرته وساعدت على تقليل الفاقد الاقتصادي للدولة، تحت مبدأ اقتصاديات التعليم،ولعلكم تذكرون تلك المهرجانات والندوات الوزاريةالتي كلّفت وزارة التربية والتعليم أكثر مما وفرت !!

   وفي العام القادم تتـشعب الدروس ويصبح التلميذ(المجتاز)بالمجاملة عاجزاً عن اللحاق بالركب،لينبري بعض المعلمين وكأنه أحد أعضاء لجنة حقوق الطفل الإنسانية ليثبت أن الطفل / التلميذ كان بإمكانه اجتياز هذه المرحلة لولا كثرة غيابه بسبب الأجواء الباردة شتاء واللاهبة صيفاً،لذا(حرام)يعيد السنة الدراسية بسبب القراءة والإملاء،فتقرر لجنة التوجيه والإرشاد بالأغلبية نجاح (التلميذ المحفوظ)!! ـ ماعدا عضو اللجنة المعارض (الحسود) ـ وتبرير النجاح بأنه يمكن بذل جهد أكبر من قبل معلم آخر، حتى لا يتعقد الطفل،وتعاد الاجراءت كلها في العام الدراسي القادم مع عدد أكبرمن التلاميذ،وهكذا.

·   تلميذ في الصف الرابع،ومن ثم الخامس والسادس تقذفه مرحلة لأخرى دون أن يدرى ماالمطلوب،فهو يحضر صباحاً وينصرف في الظهر،دون وجود أدنى تغيـير سوى اتساخ ملابسه وانتفاخ وجنتيه وزيادة حجمه بسب(الوجبة)حيث أن بعض الطلبة يتوقع أن الهدف من حضوره هو الركض عبر (ماراثون يومي)وتناول الوجبة وتلويث دورات المياه مع تمزيق الورق،أو عمل أساور وقلائد بها وهذه خاصة بالبنات،قطعاً للفراغ بسبب غياب معلم أوعدم دخوله لطفشه من(البزارين). وتسعى إدارة المدرسة ممثلة بمديرها وحتى الفرّاش والحارس مروراً بالتربويين من وكلاء وأساتذة (معلمين) إلى أن تحقيق الهدف التربوي من رقم واحد وحتى عشرة أن يكون النجاح مئة / بالمئة 100% ليصفق لهم مركز والإشراف التربوي !!

·   أما المرحلة المتوسطة فإن الفصل بين التعليم والتربية واضح حيث يبدأ اليوم الدراسي وينتهي والطلاب إما عند الوكيل يحقق معهم بسبب خروجهم المتكرر لدورة المياه أو جلوسهم في الأماكن المنـزوية ، إما هروباً من ازدحام الفصل لوجود الروائح المزعجة الناتجة من أجساد الطلبة مرتادي مطاعم الوجبات السريعة،أو فراراً من معلم ممل أو عاجز عن ضبط الفصل،ولأن الطالب يدرك أن المدرسة تهتم بمصلحته أكثر مما يهتم بها هو ذاته فإن الدرس والتحصيل هو آخر ما يفكر به،على اعتبار أن تلك المصلحة تتركز في نجاحه آخر العام سواء تمكن من إتقان المهارات الدنيا أولم يتمكن،حيث تتردد مقولة ظاهرها المنطق ولكنها تحمل في باطنها الخطأ:(جلوسه يا رجال ما هو من مصلحته يمكن (يدج)في الشوارع أو يفسد، خلّه يلحق ربعه)..وهكذا يتدرج في سلك التعليم،أو أن سلك التعليم هو الذي يتدرج به أسوة بالسلالم الكهربائية التي عودتنا الكسل والرخاوة والخمول ..

وهنا سأتوقف لأحدثكم في المقال القادم عن سبب الانهيار النفسي لطلبتنا الكرام أثناء تأديتهم امتحان الثانوية العامة ، وانسحابهم من القاعات ، ورمي وزارة التربية والتعليم بالويل والثبور وتعقيد الطلبة الأشاوس و(النمور )!!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

الزائرة الفاتنة!!

تاريخ النشر: 11 يونيو 2005

لم أدرك حين كنت أدرس في مدارس التعليم العام أن الواقع الذي نعيشه غير المنهج الذي ندرسه، فقد درست وتعلمت بل كنتُ متفوقة في دراستي.تعلمت وأدركت عظمة الخالق عز وجل وإخلاص العبادة لله وحده،والإيمان بالقضاء والقدر بل والرضا فيما قدرَّه الله تعالى.

ومرت السنون وتزوجتُ رجلاً عشتُ معه سنين جميلة،أنجبت فيها ابنتي الأولى ثم الثانية والثالثة تباعاً،ففي كل عامٍ تستقبل الأسرة مولودة وكنت خلالها أرقب في عيني زوجي رغبته الملِحَّة في إنجاب ذكر يحمل اسمه،وكأن الاسم لا بد أن يحمله آخر غيرك !!

 تغير زوجي وبدأ يتعامل معي بأسلوبٍ ينقصه الحب والاحترام عندما أنجبتُ ابنتي الرابعة،وكانت آية في الجمال! كبرت فكانت صورتها تحكي كل معاني البراءة والطهر .

في العام الرابع عشر لزواجنا حملت للمرة الثامنة وابنتي السابعة لم تبلغ شهرها الثالث بعد!وعصفت بي أمراضٌ كثيرة كان الضغط والسكر أبرزها عدا هشاشة العظام التي زارتني باكراً وعمري لم يتجاوز أربعاً وثلاثين سنة،وعدا عن كون رحلة الحمل هذه وهناً على وهنٍ فقد تحولت لرحلة عذابٍ نفسي وتهديدٍ دائمٍ من زوجي الذي ازداد جبروتاً وغلظة في التعامل معي ومع بناتي السبع على الرغم أن الله قد أنعم عليه بنعمة الصحة والمال إلا أنه يضيّق الخناق علينا ! وبرغم كوني امرأة عاملة وأصرف مرتبي كاملاً على بناتي وبيتي إلا أننا نوشك أن نعد من الفقراء !!

 ثقل الحمل في الأشهر الأخيرة وصاحبته الأمراض فسقطت بعض أسناني أو أصابها التسوس من جراء نقص الكالسيوم الذي استهلكته خلال الحمل المتواصل لعدة سنوات،كما ضعف نظري كثيراً،وتحول لون شعري إلى اللون الرمادي كحياتي! بل هو أفتح منها قليلاً !!

لم أعترض قط على ما وهبني الله من البنات،فقد كنت أمارس حياتي كأم وصديقة لبناتـي ! بل إنني كثيراً ما أحمد الله على ما وهبني من نعمة الإنجاب أولاً ثم ممارسة الأمومة ثانياً،وتبقى ثالثاً ورابعاً المتعة التي أجدها في الحديث معهن حين ينقلن لي أخبار المدرسة وأحاديث صديقاتهن ومداعباتهن لمعلماتهن فقد وهبهن الله خفة في الدم وجمالاً في الروح ! 

 وما كنت لدينا حين نتحلق ونضع القهوة والحلا مساءً ونجتمع سوياً لايقطع حديثنا إلا صراخ إحدى الصغيرات وقد أغلقت أختها دونها باباً أو تشاجرت معها عند لعبة !! وإن كان الناس يؤلفون ويروون الطرف والنكت فنحن نعايشها يومياً!

تستطيع حينما ترى حياتنا أن تنعتها بالانبساط ولكنك أبداً لن تصفنا بالسعداء!فنحن وإن كنا( أنا والبنات)في حالة سرورإلا أنه ما أن يحضر(السيد)إلا وتجد البنات يتقافزن متفرقات هلعات فهو على الدوام عابس مكفهر متبرم ناقم.عجباً..كيف ينقم على نعمة ؟!

اقترب موعد الولادة،وبدأ التوتر يظهر في أجواء الأسرة ،ولم أجرؤ على الكشف لمعرفة جنس المولود، فأوكلت أمري لله، فأنا لا أود استباق الأحداث…شعرت البنات بناقوس الخطر يدق في أركان بيتنا من جراء تهديد والدهن لي بالطلاق تارة وبالزواج من ثانية تارة أخرى، بل وتعدى الأمر إلى التهديد بالطرد من المنـزل إن أنجبت بنتاً!!وعاشت البنات في قلق ونقلن معاناتهن لصديقاتهن في المدرسة وامتد ذلك القلق لأسرهن إشفاقاً على وضعنا !!

وحين حلت الامتحانات…كنت في الأيام الأخيرة من الحمل ،مما استدعى زوجي إلى إرغامي على الذهاب للمستشفى بدعوى تأخر الوضع،وكان ! حيث استخدمت في الولادة ( الطلق الصناعي )مما أنهك قواي … ولكنني أخيراً وضعت …

وضعتها أنثى.. الثامنة،جميلة،بل فاتنة..سليمة من العاهات.وحين علم زوجي بذلك لم يتمالك نفسه فخرج من المستشفى غاضباً ساخطاً وترك بناته في مدارسهن ينتظرنه للعودة للمنـزل بعد انتهاء الامتحان،وتركني أعاني آلام الوضع والحيرة.

وأخيراً عادت البنات بصحبة إحدى المعلمات ،بينما أنا في المستشفى أرقب عودته لتسجيل الصغيرة وإثبات ولادتها حيث لا توجد معي أوراق رسمية!ورجع زوجي بعد يومين وأعادني إلى منـزلي بعد إنهاء الإجراءات،وكان يشتم ويسب،وكنت أصبر وأحتسب !

 

 

 

 عدت إلى منـزلي فأورقت أغصان البنات واستأنفن المذاكرة فكلهن متفوقات دراسياً ولكن القلق أخذ يساورني على مستقبلهن،إلا أنني عدت إلى المنهج الرباني مؤمنة بالقضاء والقدر،والرضا به .

 تستكمل السيدة الصابرة حديثها وتقول:(لم يكن وجود طفل صغير في المنـزل شيئاً مستغرباً فنحن ما نكاد نودع السنة الأولى من حياته إلا ونستقبل طفلاً آخر! لم نصل بالطبع إلى تكوين فريق كفريق كرة القدم فلا زلنا بحاجةٍ لمدافع أو أكثر.أما المهاجم فمتواجد طوال الوقت يسجل أهدافاً موجعة على فريقه !!

  والعجيب أن سلوى تستقبله ..ترفع شماغه عن رأسه،تداعبه،تقبِّل يده،ولكنه يقابل ذلك اللطف بجفاء وغلظة،وكثيراً ما يعنفها، ويتمتم بكلماتٍ ساخطة ومكررة :( الله لا يكثركن عند الصديق)!!وإن كان من المعتاد أن يكون الأب الذي لديه بنات أكثر لطفاً وحناناً ممن لديه ذكور إلا أن هذا الأب لم يستشعر الأجر لمن يعيل ابنتين فكيف بثمان ؟!ولم يستمتع قط بهذا الجو الأسري الآسر وبلطف بناته وحنانهن!ولم يُقدِّر كونه أباً ومسؤولاً عن أسرته حين أحال حياة الأسرة إلى قلقٍ وتوتر،عدا اضطهاد زوجته بالتهكم بلفظ(أم البنات)وكأنـها وصمة عار !! ومع ذلك كنا نقنع أنفسنا بأن حياتنا…ممتعة ..جميلة !!

وجود سلوى في منـزلنا أضفى على حياتنا الهدوء النسبي والدعة،فقد كبرت البنات واستكملن دراستهن في تخصصات مختلفة.عدا (سلوى)في الصف الثالث الثانوي،وهي الصغرى حيث لم أنجب بعدها لأن زوجي كف عن المطالبة!بعد أن اعترته أمراض مختلفة فلم يعديفكربإنجاب المزيد!فضلاًأن صحتي لاتسعفني لمواصلةالإنجاب.ولم ينفذزوجي تهديداته،وانغمس في العمل التجاري وجمع الأموال!!

وقلََّت حِدته وأصبح هادئاً بعد أن تكالبت عليه الأسقام ،وأصيب بمرض يستدعي نقل مادة من النخاع الشوكي حيث توقف عن الحركة تماماً،وكثرت مراجعاته للمستشفى،فتقاعدت عن العمل لأصحبه عند كل مراجعة.واستدعى الأمر التبرع له من أحد أقـاربه ، فذهبنا جميعاً للمستشفى لعمل اختبار لمعرفة مدى ملائمة السائل لجسمه…وكانت.. (سلوى)  !! هي.. التي أثبتت الاختبارات والتحاليل مطابقتها تماماً للمطلوب!! وخضعت لعملية نقل جزءٍ من النخاع لإنقاذ والدها..

                    باقٍ من الحزنِ أضعاف الذي ذهبا ….. لا  الجوع  دهرٌ ولا  كلّ  الفصولِ  صِبا !!

وحيث لم تكن (سلوى )من أهل الدنيا …فقد فارقت الحياة بعد إجراء العملية !!

غادرتْ الدنيا، بصراعاتها ، وآلامها،وقلقها…

تركتها لنا ورحلتْ…بعد أن أودعت في كبدي وسماً من الألم لا ينمحي…وفي قلبي جرحاً لايندمل ..وفي عيني دمعة متجمدة !! حين كنت أراها بين أخواتـها تتفجر نشاطاً وحركة،وتضج حيوية وإقبالاً على الدنيا بجمالها الأخاذ وذكائها الوقاد عدا عن تفوقها الدراسي وقدرتها على التعامل الرائع مع والدها ومعي ومع الناس …حين كنت أرقبها وهي كذلك ينقبض قلبي ..ويعاودنـي إحساس قديم لا يكذب !!  بل يتجدد !! ..كنت أدرك أنها ليست الثامنة بل … الزائرة !!

جاءت … لتوقف تيار الألم ، وتزرع الأمل ، وتلّون حياتي بالتفاؤل….

جاءت ..وكأن قدومها هبة من الله لوالدها لتستمر به الحياة ..وهو (الساخط على مجيئها) .

جاءت .. لتمسح شقاء السنين..

ورحلت … لتجعلني أعانـي لوحدي الشقاء والبؤس بدونـها !!

جاءت (سلوى ) لحكمة..

ورحلت لـعِبرة  !!   

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

تربية الشكر!!

تاريخ النشر: 4 يونيو 2005

   حين كتبت مقال (قولوا شكراً)كنت أهدف من وراءه أن ننمي ثقافة الشكر لدينا،أقصد المجتمع بجميع فئاته،فقد اعتدنا للأسف أن نأخذ دون أن نشكر ،ونعطي دون أن نلمس  امتنان الآخرين ، وهذا خلل سلوكي يحتاج لعلاج،وقد نكون ـ نحن الآباء والأمهات ـ سبباً في هذا الخلل، فبعض الآباء يعمد إلى تدريب طفله وهو في سن الرضاع على كيفية البصق والشتم، ويصفق له حين يتفوه بكلمات بذيئة وهو يتعثر بالألفاظ،وفي الوقت نفسه لم يدربه قط على الشكر والامتنان،وتقدير الجميل ،ومثلما يتعلم الصغير تلك السلوكيات الخاطئة بإمكانه أن يتعلم السلوك الحسن.

   ولعل كثير منا قد لاحظ استياء بعض الآباء والأمهات من المشاكل التي تحصل بين الأطفال وتهجم بعضهم على بعض ، وربما يعود السبب في نظري إلى أن هؤلاء الآباء أنفسهم لم يعودوا أولادهم على كيفية التعامل الحسن ومقابلة المعروف بالامتنان .

وكثيراً ما مررت على مجموعة من الأطفال وهم يتقاذفون الألفاظ النابية ولكنني لم أسمع ذات مرة طفلاً يثني على زميله أو يشكره،على الرغم أنه غالباً ما يحتاج لخدماته،وكأنه يستهجن هذا التصرف لأنه لم يعتد عليه! ولازلت أطالب الآباء والمربين أن يعودوا  أولادهم حمد ربهم على كل نعمة أو ابتلاء،ويربوهم على شكر والديهم ومعلميهم وكل صاحب فضل عليهم .كما أن الشكر للوطن يُعبـَر عنه بالمحافظة على ممتلكاته التي هي بالحقيقة ممتلكاتنا جميعاً .

إن الشكر يضفي على الشخص صفات جميلة وبـهية ورائعة،وأقصد بذلك الشكر الفعلي الذي يتبع الشعور والقول ،ولن يتأتى ذلك دون تربية وتعليم ،لنصل إلى الأروع وهي ثقافة الشكر حيث الوصول لهذه المرحلة يجعل أفراد المجتمع في حالة هدوء ودعة دون احتقان ، فحين تتوفر لديك ثقافة الشكر ترضى بما قسم الله لك من رزق وتنتـفي عنك الغيرة والحسد ممن تفوقوا عليك علماً أو مالاً،وتتلاشى عوامل الغرور والكبرياء على من دونك،وتنقشع غمامة الحزن عن سماء حياتك حين تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما حصل لك من خير هو فضل من الله،حينئذٍ ، تصبح بالشكر عابداً متعبداً .وبالحمد والثناء متنسكاً. وللعباد أثيراً مفضلاً. ولنفسك سعيداً راضياً ..ألسنا ـ حقاً ـ بحاجة إلى نـهج ثقافة الشكر ؟؟!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner