تاريخ النشر: 28 مايو 2005
لم تكن السيدة سارة بدعاً من البشر أو تنقص عنهم بشيءٍ سوى أنها أمية لا تقرأ ولا تكتب ! ورثت من والدها بعد وفاته مبلغاً كبيراً من المال،وفكرت كثيراً في استثمار تلك الثروة التي جاءت على حين غفلة منها..
احتشدت الأفكار لديها ولم تجد بداً من الاستشارة،وكانت مجمل الآراء تشير عليها بدخول عالم الأسهم ، ذلك العالم الخيالي فأنتَ تضع نقودك اليوم وتجدها قد نمتْ غداً ، أي عالم سحري هذا!!
استقررأي السيدة سارة على اقتحام ذلك السوق الذي لات ُعرض به مُنتجات وبضائع ملموسة بل تُشتري بضائع مجهولة المصير!
استقبلتها مديرة فرع البنك وفتحت لـها محفظة استثمارية بلمح البصر ريثما ترتشف فنجان القهوة ،وهيأت لـها متكأً بقرب الشاشة حتى لتشك أن لديها صكَّاً شرعياً لذلك الكرسي ، فلا أحد يجرؤ على الجلوس عليه !!
في الصباح التالي اشترت السيدة سارة أسهم إحدى الشركات العملاقة بجزءٍ من نقودها وباعت نفس تلك الكمية في المساء بعد أن أغلقت الشركة على النسبة المقررة للربح…فازدادت ثقتها بنفسها إلا أنه يحز في تلك النفس أنها لا تقرأ ولا تكتب ولا تدري ما يدور حولها سوى احتشاد السيدات لشراء سهمٍ بعينه فتقتحم الجموع ! وتشفع لها ضخامة محفظتها للظفر بالشراء قبل تلك الجموع !!
أصبحت تحضر لصالة الأسهم صباحاً قبل افتتاح السوق بوقت قليل،ولا تنصرف إلا بعد أن يغلق المؤشر إيذاناً بانتهاء التداول! كما أنها تحث الخطى عصراً لنفس الهدف..وأثناء ذلك تراها تلوِّح بيدها وترفع صوتها فرحاً عندما ترتفع قيمة أسهمها،وتعود لمنـزلها بنشوة عارمة،وتحضر معها لأحفادها المكسرات والحلويات، لكنها تعود مُجهدة متعبة وقد جف ريقها حين تنخفض قيمة تلك الأسهم، بل إنها قد تؤدي صلاتها فتختمها بسجود السهو،فلا تدري أأربعاً صلت أم ثمان ؟!
تسمع السيدة سارة عن القيمة الاسمية للسهم …فلا تفهم المقصود بهذا المصطلح ! كما تسمع عن منح الشركة مساهميها أسهماً مجانية فلا تكاد تدرك أن السبب زيادة رأس المال!!
يدور حديثٌ حول إعلان نتائج الربع الأول فتتحرق لمعرفة مقدار أرباحها،ولكنها لا تعرف ما يعني مكرر الربح ، وعندما تسمعها وهي تردد عبارة (تجزئة السهم) قد تنتابك حالة من الضحك حين تنطق” الهمزة “فتقلبها عيناً كعين ” الهيعة” و”المسعولية” !! ولك أن تتخيلها وهي تبصم برفق مشوب بالحذر على أوامر البيع والشراء فتدرك مدى مرارة اجتماع الجهل والمال في آن واحد !!
صارت أرباح السيدة سارة تزيد وبالمقابل تزداد كمية أدوية السكر والضغط حتى أصبحت عميلة شبه دائمة للمستشفى القريب من صالة الأسهم التي ترتادها ! فتلك الأسهم جائرة موجعة، لا ترحم حين تهوي ويتلون مؤشرها بلون أحمر،فهو مؤشر خوفٍ وخطر وتوتر…وزاد من همِّ السيدة سارة عدم وجود قاعدة يستند عليها سوق الأسهم فقد تأكد لديها أن ما يرفع المؤشر ماهو إلا إشاعة يطلقها شخص ثم يتفرج على معركة فيها قتال بين الناس دون قتيل،ويتسلى بصراعهم وتزاحمهم بالمناكب حتى يرى الخاسرين صرعى !!
أقعد مرض السكر السيدة سارة عن الحضور اليومي للصالة وزاد من معدل زيارتها للمستشفى كل حين،بل إن المحلول أصبح ملازماً لها،وزادت شكواها وتركز الألم في رجليها وتوقفت عن الصعود للطابق الثاني في منـزلها،مما استدعاها لنقل غرفة نومها للطابق السفلي..وتقلصت حركتها كثيراً ..وكاد القلق يقضي على ما تبقي من نشاطها !! وبالرغم من ذلك فلا زالت تتابع الأسهم، ولكن من خلال التليفزيون ! بالشريط الإخباري ، وتعاودها (نغزة )في صدرها حين تقول حفيدتها الصغيرة ” سارة “عندما تنظر للمؤشر وهي تلثغ بالحروف:( أحمل )( أخدل ) أي أحمر/ أخضر ولا تعرف سارة الصغيرة الأرقام لتبلغ جدتـها بمقدار الزيادة أو النقص!!ولكنها من تجربتها الطويلة تعرف أن الأحمر يعني نزول المؤشر !!
تناقص السمع لدى السيدة سارة الكبيرة،وتضاءل النظر فلا تكاد ترى إلا بصيصاً من نورٍ ولا تسمع إلاالمرتفع من الصوت،بيد أنها مستمرة برفع صوتها والإشارة بيدها …( سافـــ…. اولا ) ( نادق) (سابق) وهي أسماء شركاتٍ ضخمة في سوق الأسهم السعودي…
مثلك يا سارة .. بعمرك.. وبثروتك.. لا يكن شغله الشاغل الركض وراء مؤشرات الأسهم فتستحوذ على اهتمامه وتكون هي هاجسه فحسب ، بل مثلك يتهجد بالصلاة …ويتصدق بالمال ، ويقضي يومه بالصيام نهاراً والقيامِ ليلاً، ومابين ذلك فهو ذاكر ، مستغفر ، طالبٌ عفو ربه ومنيب …
سارة … أيتها الكبيرة الصغيرة …عودي إلى ربك ، فالمال إلى فناء.. والباقيات الصالحات خير عند ربك مما يجمعون !!
تاريخ النشر: 21 مايو 2005
حين تتلقى من شخص مساعدةً أو اهتمام، تجد نفسك ـ تلقائياً ـ تقوم بشكره والثناء عليه ، بل و تبذل له ما في وسعك من امتنان.
وهكذا يكون رد الجميل،بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال”من أنعم على رجل نعمة فلم يشكرله فدعا عليه استجيب له ” وقيل :(اشكر المنعم عليك،وأنعم على الشاكر لك تستوجب من ربك الزيادة،ومن أخيك المناصحة).وقال أحد الحكماء: من أعطي الشكر لم يمنع الزيادة.وقال آخر : الشكر ثلاث منازل :ضمير القلب ،ونشر اللسان ، ومكافأة اليد .
الشكر أفضل ما حاولت ملتمساً به الزيادة عند الله والناس
والملاحظ أن الجيل الحالي اعتاد أن يأخذ دون أن يشكر! ففي المدرسة تحضر الصغيرات لمكتبـي لتلقي المساعدات المختلفة: (إسعافات أولية، اتصال بأسرهن،نقود للفسحة إن كانت إحداهن قد نسيت إحضارها من المنـزل،شكوى على زميلاتـها أو معلماتها، سؤال أو تلقي توجيه)إلا أنـهن يقابلن ذلك دون شكرٍ أو شعورٍ بامتنان .
وقد نتفق على أن تلك المساعدات من باب الواجب وليس مِنَّـة عليهن،بيد أنني أستغرب أن ذلك يواجه بالتجاهل!! فليس أقل من الشكر والشعور بالامتنان حتى لأولئك الذين يملي عليهم الواجب فعله معك !وحتى لو ترسخ لدينا مفهوم:(لا شكر على واجب)فلا بد أن ندرك أن الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله.
وعليه ..ينبغي أن نعتاد الشكر مقروناً بالدعاء ليتولد لدى الناس السعي لعمل الخير والشعور بالارتياح.فنشكر عامل النظافة في الشارع وفي دورات المياه العامة ،في الأسواق والمنتزهات،والسائق والعاملة المنـزلية،والخباز والنجار،وسائق الحافلة…كما ينبغي أن نشكر إمام المسجد الملتزم بوظيفته،والمعلم القائم بعمله،الحريص على تلاميذه، والطبيب الجاد في مهنته، الساهر على راحة مرضاه،وقائد الطائرة الذي ينقلنا من بلد إلى بلد براحة وأمان ،ورجال الأمن الذين يحرسون بلادنا !!
حقاً لم لا يعتد أبناؤنا شكر والديهم بعد كل عطاء ، ومعلميهم بعد نهاية كل درس:(شكراً يا أستاذ) ؟! ترى ما هو شعورك كمعلمٍ أو موظف أو مدير عامٍ أو رئيس تحرير أو وزير حين يُقال لك :شكراً وعوفيتَ ؟؟!
إن الشكرداعية الزيادة،والله عزوجل يقول(ولئن شكرتم لأزيدنكم)كما أن الشكر يخلق التواصل بين الأفراد،ويعرف الشخص المشكور أنه أدى عمله وكسب قبول المتلقي.وإلا كيف ندرك أننا قد أحسنا العمل ونلنا رضا الناس ؟!
ولعلي أجدها فرصة لأبعث بطاقات شكر إلى رموز شامخة،بقيت بصماتـهم منقوشة في حياتـي وذكرى مواقفهم موشاة في عمري ولم تبرح مخيلتي :
** إلى تلك السحنات الطيبة(أمـي وأبـي )اللذين علمانـي الصمود ولقنانـي جهاد النفس بعد أن أثريا طفولتـي بالعطاء وأغدقا على روحي الحب والحنان،وأغنيا نفسي بالقناعة.وحين فقدت أحدهما جاد الآخر علي بالتوجيه والنصح!!فلهما الشكر إن كان قد سبقني القَدر فلم يسعفني البر!! فكم جاهدا في تربيتي وكم ناضلا لتعليمي،وكم قاسيا في سبيل تلبية مطالبي،وكم عانيا لأجل تحقيق أهدافي !!
**وإلى الذين توالواعلى تعليمي منذ كنت ألثغ بالحروف،وأعثر في المريول.وبالأخص تلك المعلمة التي أمسكت أناملي الصغيرة وهي ترتجف ، وعلمتني أول حرف،وجففت دمعة حائرة/وجلى حطت على خدي في أول فراق بيني وبين حضن أمي ..
** وإلى كهول وشيوخ كنت أراهم في مدينتي الصغيرة(البكيرية) يقضون نهارهم بالعمل ويحيون ليلهم بالقيام والذكر ،ويقابلون نعمة ربهم بالحمد والثناء ومعروف الناس بالامتنان والشكر فتعلمت منهم الرضا والصبر.
..
**وإلى صديقاتـي اللاتـي تحملن جهالة تعترينـي فهذبن من خلقٍ حاد كان طبعاً فأصبح سلوكاً مستغرباً !! سيما تلك الصديقة الحبيبة التي أبصرت روحاً لفها الظلام في لحظات ضعف فأشعلت فناراً في دهاليز النفس،فكانت شمساً في ليل!! فلها الشكر مقروناً بالامتنان.
**وإلى أسرتـي الصغيرة التي تطالبني بالعطاء والتفرغ وأطالبها بالتريث والتمهل لتحقيق هدف ممتد، أروم من وراءه كرامة وعزة نفس ، مع طموح منبسط ، فلها الشكر على الصبر وعدم التبرم من التسويف ..
**وإلى أسرتي الكبيرة،تلك المصابيح المنيرة في حياتـي(إخواني وأخواتـي وأعمامي وأخوالي)مـمن يقيمون معوجاً ويصلحون مائلاً ومازال ذلك ديدنهم بلا كلل،وما أجدني إلا أطرق حياءً،ويغشانـي الخجل جراء التقصير، فلهم الدعاء والامتنان ،أما عائلتي الكبيرة التي أنتمي لها وأحمل اسمها فلا تخط يدي حرفاً في صحيفة إلا وقد وضعت هيبة اسم العائلة نصب عيني،فإن تحملتْ نفسي لوماً أو نقداً فلا تحتمل أن تسبب حرجاً لعائلتي!!
** ولا أنسى قط أن أشكر أولئك الذين آذوني فلقنوني دروساً في الجَلد وقذفونـي بالحجارة فعمدت إلى صفها لأصعد عليها وأطل من جدار سور الظلم إلى فضاء الحرية، فدفعونـي لمقت الجور وحب الإنصاف فلهم مني الصفح والعفو!!
**** وقبل أولئك جميعاً أشكر ربي الذي أسبغ عافية بعد سقم،ويقيناً بعد حيرة،وجدد إيماناً بعد ضعف،وأحيا أملاً في قلب كاد أن يعصف به اليأس.فله الشكر حتى يرضى وله الشكر بعد الرضا ..
وللقراء بعد ذلك الشكر على منحي ثقتهم، وإثرائي بآرائهم، وتواصلهم ،وعتبهم، و … معارضتهم وغضبهم ..
تاريخ النشر: 14 مايو 2005
وجـهٌ لا يختلف عن كلِّ الوجوه!سوى ابتسامة الرضاء التي تعلوه !
تلك هي التلميذة(مشاعل)تقفز وتلعب،وقت الفسحة،اللعبة المفضلة لدى أغلب التلميذات بأن تجري واحدة والجميع خلفها يحاولن الإمساك بها..تسقط (مشاعل)لاصطدامـها بأحد أعمدة المظلة..
تنسى التلميذات أنَّها طريدتهن فيمسكن بيدها ويأخذنها إلى غرفة المرشدة..تتوجع،وتشكو بخجل!تضع يدها على مكان الألم في ساقها اليسرى تكشف التلميذةطرفاًمن المريول فتجد المرشدة جرحاً بسيطاً!حتى لقد تبادر لذهنها أن التلميذة تتكلف الشكوى. إلا أن منظر وجههاوشفتيهاينمان عن ألمٍ موجع!لذا طلبت من التلميذةأن ترى ساقهااليمنى..امتعضت الصغيرةوترددت،رويداً رويداً وعلى مضض تكشف ساقها..أثر حرقٍ في الساق كان قد وصل مرحلة الجفاف إلا أنه يندى بكميةٍ قليلةٍ من الدم!! ثم انهمرت في بكاءٍ أليم!!
ـ حبيبتي(مشاعل)هل وقع على ساقك مادةٌ حارقة ؟ تسألها المرشدة .. ـ همست الصغيرة بوجل :أخشى أن يعلمَ أبي .
ـ سأساعدك يا مشاعل..أخبريني !
ـ كنتُ في المطبخ مع أخي الصغير،وكنَّا نشرب العصير وحين شرب عصيره كله طلب مني أن أعطيه من نصيبي،وحين رفضت قام وضربني،فأخذت كأس العصير ورميتُ به أخي فاتسخت ملابسه وأخذ يبكي!وكانت خالـتي ـ في المطبخ ـ تُعدُّ طعام الغداء فأخذت الملعقة ووضعتها على النار،وهوت بـها على ساقي!
ضجَّ الألم في كبد المرشدة واحتضنت مشاعل ودولاب الحدث يدور في مخيلتـها،وتذكرت حين يتعرض أحدٌ من الأطفال لحادثٍ غير مقصود كيف يهبُّ الجميع لإنقاذه،وحين تكون الإصابةُ حرقاً يشعر الجميع بألم الحرق مساوياً لمن تعرض له!!
تُرى( مشاعل )من شاركها الحرق الجسدي والنفسي؟! يتحشرج السؤال إلا أنه يخرجُ منهكاً :وماذا فعلتِ؟؟
ـ بكيتُ،وركضتُ بسرعةٍ أضع عليه ماءًكثيراً، لأن خالتي هدَّدتني إن أبلغتُ والدي فأنها ستكررُ العقاب مرة أخرى! فكففتُ عن البكاء قبل عودة أبي من عمله.(هبكِ مشاعل أغدقتِ ماءً وافراً على الجرح لإطفاء الألم ..فمن لقلبكِ يطفئ حروقه؟!
تم إسعاف التلميذةوإعطائهامسكناً للألم،وتسليمهاخطاب استدعاء لزوجةأبيها،حيث أنهاتعيش مع والدهاوزوجته بعدَ وفاةِوالدتها.
حضرت زوجة أبيها فحدثتها المرشدة عن وضع الطالبة الصحي وأنـها هزيلة الجسم وكثيراً ما تشردُ عن شرح المعلمة على الرغم من أنـها مجتهدة في دروسها،ومتكيفة مع زميلاتـها في المدرسة .
تحدثت زوجة الأب عما تعانيه من(مشاعل)ومن حركتها الكثيرة في المنـزل وشجارها مع إخوانها،وأنها كثيراً ما تعرضها للإحراجِ أمام الضيوف،وأنـها.. تُشكِّلُ عبئاً ثقيلاً عليها!
وتبدو تصرفات مشاعل رد فعل طبيعي لشعورها بعدم التكيف بالمنـزل،ولإحساسها بعدم الارتياح لوجودها وأنـها عبء ثقيل! وعلى الرغم مما تحمله هذه الصغيرة من خفة الروح والذكاء المتوقد والقدرة على جعل الآخرين يحبونـها !إلا أن المرأة لم تكن على استعدادٍ نفسيٍ لقبول مشاعل كابنةٍ لها.
ذهبت المرشدة تُنقب عن مواقع الإنسانيةداخل قلب هذه المرأة،فقالت لها:مع دُعائي لكِ بطول العمرِوالعمل الصالح،هل أنت على ثقةٍ أن لايباغتك الموت مثلما حدث لأمِّ مشاعل وتتركين أولادكِ في يد امرأةٍ أُخرى؟تُرى ماذا كنتِ تتمنين أن تعاملهم ؟!لم تجب المرأة واستأذنت بالانصراف وهي تقول:أنت لاتعلمين مدى معاناتي!!ومامعنى أن يكون هناك شخصٌ غيرمرغوب فيه بالمنزل
طلبت المرشدة منها عرض الطفلة على طبيبٍ لعلاجها!مع علمها أنها لن تستطيعَ تغيير مشاعرها السلبية تجاه الطفلة ـ على الرغم من وجود سيداتٍ فاضلاتٍ يقمن بدور الأم لأبناء أزواجهن بكل اقتدارٍ وتضحيةـ وقد جنين ثمار معاملتهن الحسنة في الدنيا، وفي الآخرة خير وأبقى ،ولو علمت هذه السيدة وغيرها ماينتظرها من الجزاء لما فعلت ذلك .ولكن لا زال هناك من يشوه وجه الإنسانيةالجميل بأفعالٍ قد يندم عليـها يومَ لا يفيد الندم .
ولأن هذه المرأة لم تبدِ تجاوباً فقد اتجهت المرشدة نحو الاهتمام بالتلميذة وتعويضها عن فقد والدتـها،وقد حرصت أن لا تكون تصرفات زوجة والدها دافعاً لـها على التمرد ومقابلة الإساءة بالإساءة،فقد كان الهدف هو أن تجعل تلك المرأة تقبل الطفلة وبالتالي تحبها فليس هناك أسهل من أن يحبك الناسُ أو يكرهوك !!
بدأت المرشدةمسيرة تعليم التلميذة ماهية الحب والتسامحِ،ولم يستغرق الأمرُ وقتاً طويلاً!سيما أن التلميذة تملك شفافيةً في روحها،إلا أن الإحساس بفقد والدتـها يجعلها تعيش حالةً من الشرود..يقطعها حيناً الإغراقُ في الضحك حتى لتتصور أنـها أسعدُ مخلوقٍ! وحيناً آخر يتفطر قلبها بكاءً وحرقةً حتى لتقول أنـها أشقى من في الوجود!!
أصبح هناك حبلٌ سريٌ يصلُ هذه الطفلة بالمرشدة فكانت في كل صباحٍ تتفقد حقيبتها ودروسها وتسمَّع لهـا ما حفظت، وتدس في الحقيبةِ الفطيرةَ المعتادة ،وفي نـهايةِ الدروس تطَّلعُ على سجل الواجبات،وتساعدها في حلِّ ما يصعب عليها منها ـ وقليلاً مايحدث ـ فقد وهبها الله ذكاءً فطرياً،وسرعةً في الفهم والاستيعاب!! وحين يتم تكريم المتفوقات ،لكَ أن تتخيل كيف يكون وضع المرشدة في ذلك اليوم!إنـها ترقب التلميذةَ حين خروجها من الطابور، وحتى استلامها نتيجتها وجائزتـها.
في المجلس الختامي في نـهاية العام،تحضر الأمهات ،وبعد انتهاء الحفل تلتقي كلُُّ طالبةٍ بوالدتـها لتعرفها على معلماتها،ولتسأل الأمُّ ـ بدورها ـ المعلمةَ عن مستوى ابنتها الدراسي.
ومن بعيد..تقفُ مشاعل!تسند رأسها على أحد الأعمدة المصطفة في الساحة تجول بنظراتـها البريئة بين الحشود،وكل تلميذةٍ تحتضن يدَ أمها باتجاه المعلمة..تلتقي نظراتُ مشاعل بالمرشدة فتتـجه نحوها وتقفُ أمامهاوبلغةٍ حازمةٍ وإلحاح شديد تقول:كوني لي أُمَّـاً !! واسألي عن مستواي الدراسي فلن يكونَ مخجلاً !!
تنطلقُ المرشدة نحو مكتبها وترتدي عباءتها ـ كبقية الأمهات ـ وتمسك بيد مشاعل وتتجه لمعلمة الصف الثاني لتسألـها: كيف مستوى ابنتي مشاعل؟!لتنفرج أسارير الصغيرةِ بابتسامةِ الفرح والغبطةِ والامتنان،والمعلمةُ تُثني عليها وعلى سلوكها وأدبها واجتهادها ويتكرر المشهد نـهايةَ كلِّ عام،والتلميذة تنتقل من الصف الثاني للثالث،و…حتى نـهاية المرحلة الابتدائية وتنتقل مشاعل للمرحلة المتوسطة وهي أروع ما تكون،تزدادُ اجتهاداً،وأدباً،وشفافية،وقدرة أكبر على التسامحِ والعطاء!
تمر السنوات..وتنقطع أخبار مشاعل والمرشدة تمارس عملها في نفس المدرسة الابتدائية يتنازعها الاستمرار في العمل،والرغبة في التقاعد. وتأمل أن يُهيأَ لهذه المدرسةِ مرشدة حنون تتولى استكمال أهدافها الإنسانية وتُضيء بقية الطريق للتلميذات الصغيرات ممن يعاني بعضهن من مشاكل الطفولة!وجاءت الموافقةُ على تقاعدها.وهاهي تقوم بتهيئةِ مكتبها حيث علمت أنَّ هناك مرشدة جديدةً ستتسلمُ العمل منها!
في الأسبوع التالي،وفي مكتبها الذي أمضت به قرابة عشرون عاماً يُطل عليها وجهٌ جديد،وتسلم عليها صاحبته بحرارةٍ،وتقترب منها لـتُقبِّلَ جبينها..تتفحصُ المرشدة هذا الوجه،وتحاول التعرفَ على ملامحه!قطعت عليها الفتاة استرجاع ذاكرتها وقالت لها:أنا مرشدة تربوية،وقد تمَّ توجيهي إلى هذه المدرسة..وأسرعت بكشف طرفِ ساقها اليمنى..
لازال أثرُ الحرقِ على ساقِ (مشاعل) يُنبئ عن نجاحٍ أكيد لمرشدة تربوية في مدرسةٍ ابتدائية!
تاريخ النشر: 7 مايو 2005
أمام باب المسجد سيارة متوقفـة ،بداخلها رجل وحولها مجموعة من الناس.ومن باب الفضول توقفت على مسافة قريبة أرقب الوضع، وبدأ المصلون يتحلقون حول تلك السيارة،وبالقرب منها تواجدت ثلاث سيارات لرجال الشرطة،لمنع (الباعة المتجولين) من البيع أمام المسجد!!اقتربت أكثر فاتضحت الصورة..يبدو أن الرجل أصيب بأزمةصحية فهو يرتجف ويتصبب جسمه عرقاً ويخرج من فمه زبد ودم ولايتكلم!!والناس واقفين يحللون الحدث.والرجل داخل السيارةفي حالة صحيةحرجة!!ورجال الشرطة يتفرجون على الوضع حتى أنهم لم يكلفوا أنفسهم حمل الرجل بإحدى سياراتهم فهي أسهل لنقله!!وبينما الرجال في حيرة من أمرهم قمت ومجموعة منهم بإنزال الرجل من السيارة،وشرعنا بوضعه على الطريق ورفع رأسه،وقام أحدهم بالاتصال بالإسعاف ونظراً لصعوبة حالته وبعد مشاورات سريعة قررنا نقله إلى أقرب مستشفى وعمدت إلى قيادة السيارة على عجل،وعندما وصلنا سارع الأطباء بإجراء اللازم…وتم إسعاف الرجل حيث تبين أنه نعرض لانخفاض في السكرنتج عنه تشنج وإغماء جراءالحادث الذي تغرض له،وأن السرعة بنقله ساهمت في إنقاذه !! بفضل الله. .. هذه القصة رواها أحد القراء الذي يتعجب ونحن معه نتساءل :أين الشرطة وما دورهم ؟؟!حيث ذكر مُشاهد الحدث أنه حين طلب منهم المساعدة قال أحدهم:(ما أدري وش أسوي!!اسأل خويـي،الرجال ما فيه إلا صرع !! أسأل ذاك)ويشير إلى رجل الشرطة الآخر. . وإني لأستعجب من جهل رجال الشرطة بمثل هذه الظروف!! هل حقاً ليس لديهم أية خلفية أو أدنـى خبرة أو دراية بالتصرف في الحالات الإسعافية؟ألا يفترض أن يكون لديهم الاستعداد الكافي لمثل هذه الظروف الطارئة؟سيما إنها لا تحتاج إلى فن أو دراسة! سوى دورات قصيرة حول الإسعافات الأولية التي من شأنـها إنقاذ المصابين ومساعدتهم لحين نقلهم إلى المستشفى.فمعظم المصابين في الحوادث المرورية قد يتعرضون للشلل التام بسبب عملية الإنقاذ الخاطئة،أو التأخر في الإسعاف أو الجهل في التصرف الصحيح في موقع الحادث. أو فتح المجال (لفزعة ) الناس وقيامهم بعملية الإنقاذ !
ألم يقابل رجال الشرطة،خلال فترات عملهم مئات أو آلاف من تلك الحالات التي تحتاج إلى مبادرة وتصرف سريع كالإغماءات بأنواعها: (الجلطات والسكر والصرع ) ، ارتفاع الضغط وانخفاضه ، النـزيف جراء الحوادث، الغرق ، الحريق ؟؟!
هل حقاً ما نسمعه بأن رجال الشرطة لديهم أمية مفرطة في التصرف مع مثل هذه الحالات؟ والتي من المفروض أنهم أكثر الناس دراية بها فموقفهم في تلك الحادثة دليل على ذلك !! ومتى نرى رجال الشرطة والمرور يتصرفون بطريقة صحيحة وعملية مع الحالات الإسعافية وفي التعامل مع المصابين بإنسانية ؟؟
ألانتفق ويتفق معنا المسؤولون بأن شرطتنا تحتاج للكثير من الدورات التأهيلية التي ترتقي بعملهم ومنها الإسعافات الأولية أثناء الحوادث المرورية وحالات الغرق والحريق؟فلا يُقصرالتأهيل على بعض القطاعات الأمنيةفحسب بل لابد من إشراك القطاعات التي لهاصلة مباشرة بالناس،فالشركات تدرب موظفيها والمدارس تدرب منسوبيها على الإسعافات الأولية بينما أفراد الشرطة والمرور لا يعرفون أبجدياتها!! أليس حرياً أن تقوم وزارتا الداخلية والصحة بتنبيه المواطنين وتوعيتهم حول ضرورة حمل بطاقةتعريف بالأشخاص(رجال ونساء وأطفال) وبالأمراض التي يعانـون منها وتوضع في المحفظة بجانب البطاقات الأخرى ليسهل التعرف على نوعية الحالة التي يمر بها كل شخص ومن ثم إنقاذه بأسرع وقت ممكن؟؟أما مقولة(ما هوب شغلي انتظر المرور يجيك ! أو..بلغوا الإسعاف) فنأمل أن تمحى من سجلات الدوريات الأمنية،فالمواطنة والإنسانية (شغل الجميع )وبالأخص منسوبـي وزارة الداخلية الذين نـهـتف لهم في مدارسنا كل صباح أن يحفظهم الله من كل سوء …. فهم سياج المجتمع وعتاد الأمة ، فليكونوا كذلك !