طفولة جميلة 2 – 4

تاريخ النشر: 26 فبراير 2005

   لعلنا نتفق أن الشخصية السوية هي نتاج الأسرة المستقرة ، ولا نختلف أنه لنجاح هذا الأمر فلابد من الحرص على التربية السليمة والصحيحة.

في المقال السابق تم التطرق لبعض الأساليب الخاطئة في التربية وتم استعراض بعض تلك الأخطاء مثل :فرض التسلط والسيطرة ، والحماية والحرص الزائد ، وترك الطفل وإهماله دون تشجيع على سلوك إيجابي ، وتكون خطورة الإهمال أكثر ضرراً على الطفل في سني حياته الأولى حين يتم تجاهل إشباع حاجاته الفسيولوجية والنفسية ..

 وعندما يكبر الطفل ويصبح شاباً إما أن يجد في الجماعة التي ينتمي إليها ما ينمي حاجته للإحساس بالنجاح والحب ويلقى مكانته فيها ، ويحصل على العطاء والحب الذي حرم منه وهذا يفسرـ حتماً ـ هروب بعض الأبناء من المنـزل إلى الأصدقاء ليجدوا ما يشبع حاجاتهم المفقودة في المنـزل ، أو أن ينحرف سلوكياً ويسقط في براثن الإدمان ( الخمر أو المخدرات )

وبالمقابل يعمد بعض الآباء إلى تشجيع الطفل على تحقيق معظم رغباته والتهاون في محاسبته على قيامه بسلوك سلبي، وعدم توجيهه أو كفه عن ممارسة بعض السلوكيات غير المقبولة دينياً أو خلقياً أو اجتماعياً والتساهل معه في ذلك . ويأتي اتباع ذلك الأسلوب إما بسبب قسوة الأب فتشعر الأم تجاه الطفل بالعطف فتدللـه وتحاول أن تعوضه عما فقده أو لأن الوالدين أو أحدهما تربيا بنفس الطريقة فيطبقان ذلك على ابنهما !! ولا ريب أن لتلك المعاملة مع الطفل آثاراً سلبية على شخصيته وقد ينشأ الطفل وهو غير قادرٍ على تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس،وبحاجة دائمة لمساندة الآخرين ومعونتهم ويعتاد الطفل على أن يأخذ دائما ًولا يعطي،وعلى الآخرين أن يلبوا طلباته وإن لم يحصل ،يغضب ويعتقد أنهم أعداء له ويكون شديد الحساسية وكثير البكاء،ويتوقع الكمال في كل تصرفاته وأنه منـزه عن الخطأ.وعندما يتزوج يحمِّل زوجته كافة المسؤوليات دون أدنى مشاركة منه ويكون مستهتراً نتيجة غمره بالحب دون توجيه.

ومن الطرق السلبية في التربية عدم استقرار الأب أو الأم في استخدام أساليب الثواب والعقاب فيعاقب الطفل على سلوك معين مرة ويثاب على نفس السلوك مرة أخرى ونلاحظ هذا عند بعض الآباء والأمهات مع أبنائهم عندما يتلفظ الطفل بألفاظ نابية نجد الوالدين يبديان سرورهما إزاء هذا التصرف ، بينما لو يسلك الطفل ذلك العمل أمام الضيوف  يجد أقسى أنواع العقاب النفسي البدني.وهنا يكون الطفل في حيرة من أمره!!فتارة يثاب على السلوك وتارة أخرى يعاقب على نفس السلوك ويترتب على ذلك شخصية متقلبة مزدوجة في التعامل مع الآخرين ، وعندما يكبر هذا الطفل،ويتزوج تكون معاملته لزوجته متقلبة متذبذبة فنجده يعاملها برفق وحنان تارة،وتارة أخرى يكون قاسياً بدون مبرر لتلك التصرفات!وقد يكون في أسرته في غاية البخل،أما مع أصدقائه فشخصٌ آخر..كريم متسامح ضاحك مبتسم !!كما يظهر ذلك جلياً في العمل فهو مع رئيسه ذو خلق حسن بينما يكون على من يرأسهم شديداً وقاسياً!!وهذا ناتج عن التذبذب في التعامل الذي أدى به إلى شخصية مزدوجة في التعامل مع الآخرين .
ويظهر أثر هذا التذبذب في سلوك الأبناء حين يفضل الأب أحد أبنائه على الآخر فيميل مع جنس البنات أو الأولاد ، وذلك حسب الجنس الذي أعطاه الحنان والحب في الطفولة أو تفضيل الأصغر على الأكبر أو تفضيل ابن من الأبناء بسبب أنه متفوق أو ذكي. وهذا بلا شك يؤثر على الأبناء الآخرين وعلى شخصياتهم فيشعرون بالحقد والحسد تجاه الأخ المُفَضَّل وينتج عنه شخصية أنانية محبة لنفسها!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

طفولة جميلة !1-4

تاريخ النشر: 19 فبراير 2005

تجاوباً مع ما نشر  في سلسلة مقالات ( طفولة بلا عنف ) فقد تلقيت خطاباً من الأستاذ / عبد الرحمن الصبيحي المشرف التربوي باللجنة الوطنية السعودية للطفولة ، وفيه أوضح أن اللجنة تتبع وزارة التربية والتعليم ومقرها نفس الوزارة. وأن رئيس اللجنة وزير التربية والتعليم،  والأمين العام للجنة الدكتور إبراهيم الشدي وكيل الوزارة للشؤون الثقافية،كما بيّن ـ الأستاذ الصبيحي ـ أنه قد تغير اسم اللجنة قليلاً فأصبحت:( اللجنة الوطنية السعودية للطفولة) حيث حذفت كلمة (رعاية )!!

وحيث أن شأن الطفولة يشغلني كثيراً ،بحكم المشاعر والوظيفة، لذا أشكر المشرف التربوي باللجنة ، وكنت أتمنى أن تتحول اللجنة إلى (إدارة عامة للطفولة ) ولها فروع متفرقة في مناطق المملكة ، ويكون اهتمامها في الجانب الوقائي والتثقيفي سيما في المجال المدرسي .

وأجدها فرصة مناسبة للمشاركة في مجال ( رعاية وحماية ) الطفولة وذلك بعرض بعض الأساليب التربوية الخاطئة التي ننتـهجها في تعاملنا مع أطفالنا وقد تدخل في مفردات العنف…وسنعرج على السبل الجادة والكفيلة بمقاومة العنف ضد الأطفال..وصولاً إلى ما ينبغي أن تكون عليه التربية في وقتنا الحاضر ..

   مما لاشك فيه أن الشخصية السوية هي نتاج الأسرة المستقرة ، ولنجاح هذا الأمر فإنه لابد من الحرص على التربية السليمة والصحيحة.وكذلك تعزيز دور الأسرة الإيجابي وإعادة النظر في دورها التربوي بعدم التركيز على الأكل والترفيه فحسب!بل والاهتمام بالأمور التربوية الأخرى.وعدم فرض التسلط والسيطرة،الذي من شأنه أن يجعل الطفل ينشأ ولديه ميل شديد للخضوع والتبعية للآخرين فلا يستطيع أن يبدع أو يفكر!كما يفقده القدرة على إبداء الرأي والمناقشة!ونهج هذا الأسلوب السلبي يساهم في تكوين شخصية قلقة خائفة تتسم بالخجل والحساسية وتفقد الطفل الثقة بالنفس وعدم القدرة على اتخاذ القرارات وشعور دائم بالتقصير وعدم الإنجاز وقد ينتج عن اتباع هذا الأسلوب فرد عدواني يخرب ويكسر،لأن الطفل في صغره لم يشبع حاجته للحرية!!

كما أن الحماية والحرص الزائد للطفل بسبب خوف الوالدين الطبيعي عليه سيماحين يكون الطفل الأول أو الوحيد أو ولد وسط عديدٍ من البنات فيبالغان في تدليله فلا تتاح له فرصةاتخاذ قراره بنفسه أوحرية التصرف في أموره أويقومان نيابة عنه بالمسؤوليات الشخصية التي يفترض أن يقوم بها وحده!! كحل الواجبات المدرسية أو الدفاع عن نفسه عندما يعتدي عليه أحد الأطفال.. كل ذلك ـ بلا شك ـ يؤثر سلباً على شخصيته فينمو الطفل ضعيفاً غير مستقل يعتمد على الغير في أداء واجباته الشخصية ولا يستطيع تحمل المسؤولية أو يرفضها! إضافة إلى انخفاض مستوى الثقة بالنفس وتكرر الإحباطات النفسية وتكون حساسيته للنقد مرتفعة.. والطفل الذي تربى على هذا الأسلوب لا يثق في قراراته التي يصدرها ـ مستقبلاً ـ ويتبع الآخرين في قراراتهم ويعتمد عليهم في قضاء متطلباته..وهذا يفسر لنا رغبة بعض الأطفال أن يذهب معه أبوه أو أمه للمدرسة وتستمر تلك الرغبة حتى مرحلة متقدمة من العمر يفترض أن يعتمد فيها على نفسه ويصعب تكيفه بسبب حرمانه من إشباع حاجته للاستقلال في طفولته.

وترك الطفل وإهماله دون تشجيع على سلوك إيجابي أو التهاون في محاسبته على قيامه بسلوك سلبي ، يعد من الأساليب السلبية التي ينتهجها الوالدان أو أحدهما بسبب الانشغال الدائم عن الأبناء وإهمالهم المستمر .ويحدث ذلك حين يكون معظم وقت الأب في العمل،وحين يعود ـ ظهراً أو عصراًـ ينام ثم يخرج ولا يأتي إلا بعد أن ينام الأولاد!!أما الأم فتنشغل بالعمل الوظيفي أو المنـزلي أو بكثرة الزيارات والحفلات أو في الهاتف أو الإنترنت أو التلفزيون وتهمل أبناءها . وعندما تهمل الأم تلبية حاجات

الطفل من طعام وشراب وملبس وغيرها من الصور..يفسر الطفل ذلك كنوع من النبذ والكراهية والإهمال فتنعكس بآثارها سلباً على نموه النفسي..وعندما يكبر هذا الطفل تكون شخصيته انسحابية منطوية غير واثق من نفسه يوجه عدوانه لذاته ولا يشعر

 

 

 

بالأمان ويتوقع أن الأنظار موجهة إليه فيخاف كثيراً ولا يحب ذاته ويزدري نفسه ويمتدح الآخرين ويفتخر بهم وبإنجازاتهم وقدراتهم.وحين يطالب الطفل بحقه في الاهتمام يقابل بالسخرية والتحقير والتقليل من شأنه والبحث عن أخطائه ونقد سلوكه مما يفقده ثقته بنفسه فيكون متردداً عند القيام بأي عمل خوفاً من حرمانه من رضا الكبار وحبهم. فحين يقدم الطفل للأم عملاً قد أنجزه وسعد به تجدها تحطمه وتنهره وتسخر من عمله وتطلب منه عدم إزعاجها بمثل تلك الأمور التافهة كذلك الحال عندما يحصل الطفل على درجة مرتفعة في إحدى المواد الدراسية لا يكافأ مادياً أو معنوياً وإن حصل على درجة منخفضة يوبخ ويُسخر منه ، ويحرم  من حاجته إلى الإحساس بقيمة وأهمية النجاح فيعمد إلى الإهمال ومع التكرار يفقد الطفل مكانته في الأسرة ويشعر تجاهها بالعدوانية وفقدان حبه لهم ..

 ولكي لا أثقل على القارئ الكريم، سنتابع مناقشة ما تبقى من الأساليب التربوية الخاطئة التي ننتهجها في تعاملنا مع أطفالنا في المقال القادم بإذن الله ..

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

قف يا بُني!!

تاريخ النشر: 12 فبراير 2005

لا يكاد يمر يوم إلا ونشاهد ونسمع ونقرأ ما تخلفه حوادث المرور من قصص وروايات مؤلمة سواء داخل المدن أو خارجها سيما أثناء الإجازات التي يتخللها السفر! وغالباً ما تكون نتيجة هذا الحادث المروع وفاة رب الأسرة أو بعض أفراد ها إن لم يكن جميعها! ولا نعدو الحقيقة حين نقول إن الطرق والشوارع أمست مقابر جماعية لأسرٍ بأكملها !!

هـذا وتفيد الإحصائيات العالمية أن حوادث المرور تقتل ـ كل عامٍ ـ ما يربو على (300)ألف إنسان وتصيب ما يصل إلى (15) مليون شخص!أي أن هناك وفاة كل 50 ثانية ، وإصابة كل ثانية!!والحوادث المرورية ليست مشكلة فردية بقدر كونها هاجساً اجتماعياً.

لقد تحولت السيارة من وسيلةٍ لتيسيرِ سُبل الحياة  للناس وتسهيل انتقالهم إلى شكلٍ للمباهاة والتفاخر والوجاهة الاجتماعية بل والتسلية كما هو الحال في التفحيط!حتى صارتْ لعبة في أيدي صغار السن الذين لم يدركوا حجم خطرها فأصبحتْ وسيلة لنقلهم إلى صفوف المعاقين أوساكني القبور بدلاً من نقلهم إلى مدارسهم وميادين العمل والتدريب.والشباب الذي يقضي أوقات فراغه في ممارسة  التفحيط لا ينتظر منه العطاء والعمل،ونحن ندرك أن الشباب هم ثروة المجتمع ويمثلون الفئة الأكبر منه، فلابد من المطالبة بوضع حل عاجل في التصرف بحزم مع جميع من يسيء إلى المجتمع،أو يعمد إلى تخريب الممتلكات وإيذاء الآخرين. ويحسن أن يكون احترام أنظمة الوطن وحقوق المواطنين من الأولويات التي يجب الاهتمام بها ومعاقبة كل من يسيء لهم.ولعل التقصير يكمن في الأسرة المتهاونة التي لم تربِ أبناءها منذ الصغر على كيفية احترام الأنظمة ولم تراقبهم أو تحاسبهم،وتوجههم وترشدهم!!حيث لابد أن يبرز دور الأسرة في توعية أبنائها ومراقبتهم والاهتمام بهم وتشجيعهم على السلوك الحسن والظهور بالمظهر المشرف ليكونوا شبابا ًصالحين منتجين في مجتمعهم، ولاشك في أثر التربية الصحيحة على النشء وأنها عامل رئيس في صلاح الشباب واستقامتهم.

ويـعد الفراغ في الإجازات أوقاتاً ومواسمَ حرجة قد تؤدي إلى حصول حوادث لبعض الشباب المندفع!بسبب سوء استخدام المركبة،واتخاذها وسيلة ترفيهية كممارسة التفحيط في الشوارع المزدحمة أو أمام الأسواق ،وحين يعمد رجال المرور إلى ملاحقة هذه الظاهرة السيئة يلجأ الشاب للهرب من وجه سيارة المرور مما قد يعرضه لحادث يودي بحياته أو يجعله مقعداً أبد الدهر !! وهنا لابدمن طرح تساؤل مُلِحٍّ:لماذا يهرب(الممارس للتفحيط أو المتفرج)من رجال المرور؟ولماذا يعرض نفسه للخطر أوللمطاردة ولايتوقف حينما يطلب منه التوقف من قبل الأمن؟ولماذا يُلجئ الشابُ دورياتِ المرور على ملاحقته؟بل لم لا يراعي هلع والديه وأسرته من نتيجة هذه السلوكيات المرفوضة؟ ألا يدرك الشاب أن رجل الأمن قد يصعب عليه أن يميز بين مجرم هارب لم يتوقف حينما طلب منه ذلك وبين عابث بأنظمة السير غير متقيد بقواعد ونظام المرور ؟ وقد يعتبر الهروب من دورية الأمن جزءاً من اللعبة التي يمارسها أثناء قيادة السيارة !

إن من الحكمة والتحضر أن يدرك كل شاب وكل سائق(مواطن ومقيم)أهمية الاستجابة والامتثال بالوقوف في الوقت الذي يطلب منه رجل الأمن التوقف خصوصا في الظروف الأمنية التي نعيشها حالياً لأن أي هروب من دورية أمن قد يسبب لكلا الطرفين حوادث مؤلمة.وحري بولي الأمر توجيه ابنه ـ بحزم ـ قبل تسليمه السيارة بأن لا يكون مفحطاً أومشجعاً للتفحيط ، فكم أزهق المفحطون من أرواح !! وأن يرشده  إلى ضرورة التوقف حالاً إذا طلب منه ذلك ،والملاحظ أن الدوريات الأمنية فقدت هيبتها فإذا ما أقبلت على الشباب المفحطين بادروا إلى رميها بالحجارة وبالتالي الفرار لتبدأ بعدها المطاردة!!وليس من العقل والمنطق أن يعرض الإنسان حياته ويضع نفسه في دائرة الشك والخطر وهو يستطيع أن يبرر موقفه أمام رجل الأمن حتى

 لو أقتضى الأمر حصوله على قسيمة مخالفة مرورية.ولعل ذلك يعد من الإسهام في الحفاظ على الأرواح والممتلكات ويساهم بمساندة رجال الأمن في مهامهم وواجباتهم المختلفة.وهذا ما يتوافق مع الدين وتفرضه القواعد الوطنية الصادقة وينسجم مع الرقي والتحضر الحقيقي.ومشكلتنا تكمن في ضعف الوعي المروري وكيفية الالتزام بالقواعد المرورية حتى أصبح إيقاع العقوبات والغرامات هو الكفيل بالردع . ولا يمكن حل هذه المشكلة أو معالجة الظاهرة إلا إذا اعترفنا جميعاً بخطورتـها فلا بد من الدراسة المستفيضة لأسباب تزايدها والقضاء على مسبباتها وتصحيح السلوكيات المرورية الخاطئة، والتـزام جميع الأجهزة المختصة بتنفيذ الحلول بحزم وصرامة على جميع أفراد المجتمع،ومشاركة الجهات الحكومية والأهلية بالمساهمة بنشر الوعي الوقائي بين الناس،سيما في الشوارع الرئيسية وعند الإشارات.كما يحسن إدخال السلامة المرورية وما يتعلق بها(مادة)في المناهج المدرسية أسوة بمادتـي السلوك والتربية الوطنية،حتى يمكن لأبنائنا التسلح بالمعرفة المرورية وتجنب الأخطار وحتى تكون السيارة وسيلة لقضاء المصالح والتواصل وخيراً للإنسانية لا وسيلة للإعاقة أو القبور !!

أليس من المفجع ـ حقاً ـ أن تصبح شوارعنا مسرحاً للسيارات وميداناً للحوادث وأكفاناً لرجالنا وشبابنا !

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

عذراً. يا.. أسماء!!

تاريخ النشر: 5 فبراير 2005

   تناقلت وسائل الإعلام الجريمة التي راحت ضحيتها طفلة كويتية على يد والدها الذي برر فعلته بالشرف.حيث أقدم على نحر ابنته بعد أن قام بربطها بحبل داخل غرفتها،ووجه رأسها ناحية القبلة!ولم تشفع توسلاتـها في ردع الأب عن المضي قدماً في ذبحها.

وأسفر التحقيق مع المتهم اعترافه بارتكاب جريمته المتمثلة بنحر ابنته أسماء(11عاماً)وإقراره بأنه أقدم على الجريمة وهو بكامل قواه العقلية، وكان يرد على أسئلة المحققين دون أي ندم،مبدياً تحسره على إضاعته فرصة إلحاق “الباقين”بأختهم.وأكد الطب الشرعي براءة الطفلة وعدم تعرضها لأي اعتداء!!وأشار المحامي إلى حصول الطفلة أسماء على جائزة حفظ بعض أجزاء القرآن الكريم ونيلها درجة الامتياز في دراستها،وحصول والدتها على جائزة الأم المثالية،نتيجة للتربية الصالحة والتنشئة الإسلامية الصحيحة للطفلة الفقيدة وأخواتها!!وتشير الأخبار أن المتهم قد طلق زوجته قبل شهرين. وبعد عودته من الحج ـ في يوم الجريمة ـ ذهب إلى منـزل عائلة زوجته واصطحب(ابنته أسماء وأشقاءها)  إلى بيت والدته بحجة الاحتفال معهم بالعيد وبعودته من الحج،ثم نفذ جريمته على خلفية شكوكه في ابنته، والتي شملت أيضًا كل أفراد الأسرة .

                                                        *************

أمام هذا السيل الهادر من الأخبار التي نسمعها يوميا حول العنف الأسري الموجه ضد المرأة والطفل ، نتساءل إلى متى وشلال العنف يتدفق؟! ألا من وقفة في وجهه!!أم أننا لا نزال نعلِّق شعار”الشأن الأسري”و”الخصوصية”ستاراً دون اتخاذ قرار صارم؟! فاليوم(أسماء) وغداً(هدى)وبعد غدٍ (أمل )وهكذا تزهق أرواح..في رجعة إلى جاهلية موغلة بالتخلف تتمثل بالوأد الخفي لزهور في حديقة العمر  !!

 وإلا كيف نبرر نحر طفلة بريئة كأسماء بيد مجرم هو والدها؟!وكيف يسمح لمريض نفسي باستلام أبناءه وهو في حالة لوث عقلي ؟؟

وكيف لقلب أبٍ يعيش في المجتمع وهو يضمر هذا الكم من الشر؟! أي قسوة يحملها جسـد ذلك المفترس ؟! وأي جبروت تنطوي عليه نفسه ؟! بل أي بشاعة تشتمل عليها روح ذلك المتوحش ؟!

وهكذا بالأمس أقدم أحد العاقين على قتل والدته خنقاً وقام بكتم أنفاسها !! وبعد أن أجهز عليها أخذ مصاغات من يدها ثم رمى جثمانها في مكان مهجور وأشعل فيه النار ! واليوم يُقدم متوحش آخر بربط ابنته ونحرها على مرأى من إخوانها في مشهد تراجيدي مؤلم يحمل الوصم والعار والخزي !!

ترى إلى متى ونحن نمضغ هذه الأخبار ونلوكها ولا نلفظها إلا بحادثة أخرى تثير الاشمئزاز،والنفور وتـهيج المشاعر، وقد تقتلها بتكرار حدوثها!

لك الله يا أسماء!!فلو كان القاتل غير أبيك؛لكان المصاب فيك والعزاء له،ولكن حين يكون الراعي هو المعتدي فعلى الدنيا السلام!

 غداً في الجنة،يا أسماء،ستنعمين بالأمن والهدوء،وستتلين القرآن كما حفظتِه في الدنيا،وستُبعثين عليه،طاهرة مطهرة؛لعلك تشفعين لأمك، المرأة الصالحة، المثالية ،الصابرة،التي نخصها بالعزاء وندعو لها بالثبات وأن يجبرها في مصابها

 

 

ومصيبتها!! أما أنت يا أسماء فستبقى حقيبتك المدرسية،وبقايا من كتبك ودفاترك،ومريولك،وحذاءك الأنيق،ودميتك الصغيرة،وفستان العيد الجميل وعليه بضع قطرات من دمك المسفوح؛سيبقى كل ذلك…شاهداً على صراع غير متكافئ !! وكيف للبراءة أن تتكافأ مع الوحشية؟بل كيف يتساوى الخير والشر يا أسماء؟! لن يحدث!كما لم يحدث منذ الأزل حين تواجه قابيل وهابيل،حينما رفض الخير أن يبسط يده للشر ليقتله قال تعالى:(لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين)وهكذا..ذهب الخير ضحية للشر والظلم والقسوة والجبروت والوحشية ، ليتكرر الحدث مع الأخ والأخت،والأم والأب،والأولاد في جدلية الخير والشر التي ما برحت البشرية تشهدهما في الصراع الدائر بين أفرادها.

*************

في أول يوم دراسي بعد الإجازة .. ستعود زميلاتك إلى مقاعدهن ، وسيبقى مقعدك خالٍ إلا من طيفك وبراءتك !!

ترى ماذا ستقول عيون تلك الصغيرات ؟ وكيف سيبرر فعل والدك ،وجريمته ؟ وكيف سيرد على أسئلتهن ؟

هل الآباء يقتلون أم يحنون ويعطفون، ويحضرون الحلوى يوم العيد ! والهدايا بعد عودتهم من الحج ؟

ترى كيف سنحدِّث ـ بعدها ـ الصغيرات عن البر والطاعة للآباء ؟

عذراً يا أسماء…ليس كل الآباء كوالدك ، فلا لازال هناك آباء يحنون على أبنائهم ،وهذه القاعدة ،بينما والدك استثناء بالوحشية !! كما أنت استثناء في المثالية والتفوق !!

لا..لا..يا أطفال ليست هذه مكافأة التفوق التي يمنحها الآباء لأبنائهم المتميزين ، وليس نحر الأطفال هو حلوى العيد أو هدية الحج !!   قولي لهم يا أسماء ..( هناك خطأ،بل هناك خلل نفسي وسلوكي،هناك تطرف وإرهاب،هناك بشاعة ،قبح وضراوة ،كما في المقابل هناك  اعتدال ووسطية وهناك حب وجمال و… براءة ) !!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner