تاريخ النشر: 27 نوفمبر 2004
تدلفُ تلميذةٌ للمدرسة تحملُ حقيبتها خلفَ ظهرها،في توريةٍ لجعلِ العلم خلفنا!ونحنُ أمةٍ طالبنا القرآنُ بالعلم في أول آيةٍ أُنزِلتْ على نبينا !!
تقفُ التلميذة (لمياء )أمام البوابةِ في محاولةٍ لاستعادة الأنفاس،وما تلبثُ أن تضعَ الحقيبة على الأرض لتُحدِثَ ارتطاماً فيسيلُ منها ينبوعاً من….الماء !وكنتُ أخالُ ذلكَ علماً لولا أن العلمَ ـ لدينا ـ لا يسيلُ بل يقطر ! أو أنه بمعنًى أدق ” يندى ” كما يندى جبينُ من اعتادَ المعصيةَ بتكرارها !!
أجل ! إنَّ ما سال من حقيبة التلميذةِ كمية من الماء! اعتادت أن تحضرَهُ من منـزلـها في(حافظةٍ)تحفظُ برودته على الرغم من أن في مدرستها ما هو.. أبردُ منه !
ترفعُ (لمياء)حقيبتها عن الأرض وتستخرجُ منها محتوياتـها من دفاترَ وكتبٍ و..فطيرةٍ صغيرة..وقد ابتلتْ جميعها بالماء.
في هذه الأثناء تدخل إحدى المعلمات مع نفس البوابة،تتأبط حقيبتها وتحملُ في يدها اليمنى كيساً كبيراً،وفي الأخرى كيساً أكبر منه قليلاً ، وهي تستحثُ ابنتها للدخول واللعب مع التلميذات لحين سماع الجرس!!وفي التفاتةٍ سريعةٍ تجد تلك المعلمة صاحبتَنا(لمياء)تجففُ حقيبتها من الماء المنسكب داخلها بعد أن تعرضت الحافظة للكسر من جراءِ ارتطام الحقيبة بالأرض تدعو المعلمة(فدوى)التلميذة (لمياء) إليها وتسلمها الكيس الكبير!!واختصاراً للوقت لا للجهد تسلمها في يدها الأخرى الكيس الأكبر وتطلبُ منها إيصالهما إلى غرفةِ المعلمات !!!
تحمل التلميذةُ الكيسين ،وتجدُ أن اليدَ اليمنى أقدرُ على حملِ الكيس الكبير،إلا أن يدها الصغيرةَ لم تتحملْ مسؤوليةَ الثقل فهي في حركةٍ تبادليةٍ بين الكيسين !!
ربما تصدرُ منكَ نظرةُ شفقةٍ حين ترى التلميذة وهي تضع الكيسين على الأرض وتنفخُ في يديها لعل الاحمرارَ المنتشرَ في أرجاء راحتيها يتلاشى كما تلاشت ابنة المعلمة بين جموعِ التلميذات !!! ولكنكَ حتماً ستشعرُ بالحنق حين تعرف أن هذه التلميذة لم يتجاوز عمرها تسعَ سنواتٍ، وابنة المعلمة ـ التي حدثتك عنهاـ تلميذة في الصف الخامس !!
أما حين ترى (لمياء) وهي تقومُ بسحبِ الكيسِ بعدَ أن أعياها التعب فستتحولُ نظراتُ الشفقة والحنقِ إلى نظراتِ قهر!! أما التلميذة فنظراتـها أسًى وحسرة لأنـها تعرضتْ للوقوع،وهي تجرُّ الكيسين عبر الدرج المؤدي إلى غرفة المعلمات! وتكرر مشهد الارتطام مرة أخرى ولكن هذه المرة لم ينسكب الماء بل انسكب الأكل!!وطعام الإفطار اليوم من مسؤولية المعلمة (فدوى) وقد امتزجت محتويات الأطباق مع بعضها مشكِّلةً طبقاً آخرَ غير ما هو معد مسبقاً!
ألا يحقُ للمياء أن تقلبَ بصرها في الكيسين فيعود البصرُ محملاً بالأسى.. والقلبُ بالحسرة ؟!
و… يقرع الجرسُ،ترتبك التلميذة،تقابلها حشود المعلمات وهي تقبعُ بالدرجِ قدمها اليمنى على الدرجةِ الثالثة واليسرى في الدرجة الثانية! تحاول أن تهرب…لولا أن المعلمة(فدوى)تقابلها وكمية من الأكل تسيل على الدرج تُشكِّلُ شلالاً يعبقُ بالروائح !!فتمطرها المعلمةُ بوابلٍ من الصراخ..وتنعتها بالغباء…تجتمع المعلمات حولها!!وهن يوجهن اللومَ والتوبيخَ لهذه الصغيرة..في هذه اللحظة تتمنى(لمياء) لو تستطيع الذوبان داخل الصواني!!لوتتحول إلى”حبة فولٍ”أوقطعةٍمن”الجاتوه”!ولم تعلمْ (لمياء)أنـها أغلى من”الفول”وأحلى من” الجاتوه” !!
إنها التلميذة التي حضرت للمدرسة لكي تتعلم وحُشِدَتْ الجهودُ من أجلها،ووُظِفَتْ هذه المعلمة وزميلاتـها لتعليمها.. لا لتحملَ أغراضَ المعلمةِ ووسائلها ، وإفطار المدرساتِ وملحقاته
وحين تشجب مثلَ هذه الأمور تُذكرُك المعلمات بالكسائي وابني الخليفةِ هارون الرشيد حينَ يهبُّ كلٌّ منهما لإحضار حذائه!!وأين منا ومن الكسائي؟!لم يطلب (المربي ) الكسائي من الأميرين أن يحضرا الحذاء،بل امتنان منهما بجميلِ صنيعه معهما أرادا أن يخدماه ثمَّ إن الإنسان أولى بحمل ما يخصهُ سيما حين يكون ليس بمقدور الشخص الآخر حملها…وهذا عمر بن عبد العزيز “أمير المؤمنين” يقومُ بإضاءة السراجِ بنفسه ويعود لمكانه وهو عمر كما ردَّ على جلسائه !!
وحين نطالب بعدمِ حمل تلميذةٍ واحدةٍ جميع الدفاتر والكتب من الفصل وحتى مكتب المعلمة تضجُّ المعلماتُ بالشكوى وينعتن ذلك بأنه بابٌ من أبواب تدليل التلميذات!ولايعلمن أنه من الجميل أن تحمل التلميذات دفاترَهن إلى مكتب المعلمةِ لتصحيحها والاطلاع عليها ومساعدة معلمتهن في ذلك إلا أنه لا بدَّ من تقسيم الأعدادِ على أكثرِ من تلميذةٍ ليكون أجمل مفهوماً وأخفَّ حملاً،ورمزاً للتعاون..
كم بقي لديكَ الآن من نظرة ؟! بعد نظرات الشفقة ، والحنق ، والقهر، حين تعلم أنَّ المعلماتِ لا يمكن أن يكلفن التلميذاتِ ممن أمهاتهن معلمات في نفس المدرسة بحمل أي أغراضٍ لأن أمهاتهن” المعلمات “يرفضن ذلك !!!
أما(لمياء)فلا نوائحَ لـها!! فحقيبتها لا زالت تقبعُ أمامَ بوابةِ الدخول !
هنا كتابُ الرياضيات..وهناك كتابُ القراءة..
وما زال الماء يندى من حقيبتها…
يـا(لمياء) من حقِّكِ أن تضعي حقيبتَكِ خلفَ ظهرِك!! فأمامك في المدرسة حمل طعام الإفطار لمعلماتك..واستبدال أسطوانة الغاز الفارغة!!وغداً هو من نصيب المعلمة(سهام)..انتبهي أكثر حين تحملين الأكياس ..
فالمعلمـة (سهام) لا تستخدم صوتـها في التأنيب..
بل تستخدمُ يدها للتأديب..
فالصوت … للشرح فقط!!
تاريخ النشر: 20 نوفمبر 2004
أتحفـني الأستاذ / جميل فرحان اليوسف بأعداد من مجلة الجوف ، التي يرأس تحريرها ، وتصدر بتمويل من الغرفة التجارية الصناعية بمنطقة الجوف .
وبقدر ما سررت بمحتوى المجلة من موضوعات هادفة ومتميزة إلا أن القارئ يلاحظ أنها تحمل طابع الصحف اليومية وما تحويه من أخبار المنطقة (الاجتماعية والمحلية) فضلاً عن عرض لاحتياجات السكان حول ما ينقص المنطقة من خدمات، وهو عمل تشكر عليه المجلة بتبنيها تلك المطالب وإيصالها للمسؤول بأمانة،علاوة على المقالات التي تصب في هذا القالب،وهذا الأمر يشير بوضوح إلى حاجة المنطقة الملحة لصحيفة يومية أو (كبداية) أسبوعية ، تستطيع أن تنقل مطالب الأهالي ومعاناة السكان من قصور بعض الخدمات في هذه المنطقة الغالية على قلوبنا،لكي تلحق بركب الحضارة الذي تتمتع به بلادنا العزيزة ،لاسيما أنها منطقة واعدة بالخير والعطاء، وتتمتع بموقع استراتيجي ـ داخلي وخارجي ـ نظراً لقربها من أسواق محلية ودولية مجاورة.
ولا يفوتني أن أشيد بالمستوى الراقي للمجلة وكتابـها المتميزين من المنطقة ذاتها والذين يتمتعون بثقافة عالية واطلاع واسع وشعور بالمسؤولية تجاه منطقتهم ،والانتماء لأرضها ،وإحساسهم الصادق بدورهم الحيوي بإنماء المنطقة والمناداة بتنميتها عمرانياً وخدمياً سواء من القطاع العام أو بمشاركة القطاع الخاص.
وإذا عدنا للمجلة وما تحويه من أبواب هادفة في مجالات متعددة دينية و اقتصادية وثقافية وطبية وقانونية ورياضية وشعبية وما يخص الأسرة والمجتمع ، علاوة على التحقيقات المتميزة والحوارات والتقارير الجادة ..فإن هذا يظهر بجلاء الجهود المبذولة من رئيس تحريرها النشط وزملائه المحررين ، الذين يسعون لإنجاح مطبوعتهم بكل حماس واقتدار ، سواء بطرح الموضوعات الثرية أو استكتاب الكتاب الوطنيين أو المتخصصين من غيرهم في شؤون الاقتصاد والطب والحاسب الآلي ، إضافة إلى الإخراج الرائع والورق الصقيل.كما يبرز الدور الريادي للغرفة التجارية الصناعية الذي امتد من كونه اقتصادياً وتجارياً بحتاً إلى الدور الثقافي التوعوي متمثلاً بتبني هذه المجلة الرائدة..
ولازلت أرى أنه من المحتم ضرورة دراسة إيجاد صحيفة أسبوعية / يومية ، تعنى بشؤون المنطقة ، ولعل الغرفة التجارية والصناعية بالمنطقة تتبنى هذا الاقتراح ويشرع بعض رجال الأعمال بإنشاء مؤسسة الجوف للصحافة والطباعة والنشر. على أن تكون مجلة ( الجوف ) إحدى مطبوعاتها.
وستبقى الجوف حلوة ـ كما يحلو لأهلها تسميتها ـ وستظل الجوف (منطقة الزيتون والنخيل )سلة خير لا تنفد وعطاء متجدد، وكرم لا ينتهي، وسنبقى ـ نحن المواطنين ـ مدينون لها بعطائها ،و سنظل ـ نحن الكتّاب ـ معترفون بتقصيرنا تجاهها !! وها أنذا أشيد بما لمست وقرأت وسمعت !
ولعل الكثير أشاد ـ قبلي ـ بسفوح لبنان ،وأهرامات مصر وشلالات نياجرا وشواطئ الريفيرا،ومنتجعات سويسرا، بينما لا يعرف البعض مواقع أغلب مناطق بلادنا الغالية أو ما تضمه بين جوانحها من طبيعة خلابة وأجواء ساحرة!!
وبعد….. ألسنا مقصرين في معرفة أرجاء بلادنا وما تشتمل عليه من جمال وسحر وعطاء ؟؟!
تاريخ النشر: 12 نوفمبر 2004
منذ ثلاثة عشر عاماً..فقدت أسرة صغيرة والدتـهم الغالية في شهر رمضان ، قبل حلول عيد الفطر المبارك بأسبوعين ! تلك كانت والدتي العزيزة !! حيث حل علينا ـ نحن الأشقاء ـ العيدُ حزيناً ، كئيباً ، لا يحمل ألوان الطيف المعتادة ، فخيمت على أسرتنا الصغيرة سحابة من الحزن ! ولازالت غائلة الفقد تداهمنا في كل مناسبة نجتمع فيها دون ذلك السراج الذي كان يضيء دروبنا، وتلك الخيمة التي كانت تحتوينا فنجتمع ، نتفيأ تحت ظلالها ونتدثر بأروقتها ، تقينا لفح حرارة الصيف وزمهرير رياح الشتاء !! ومن فقد والديه أو أحدهما سيشعر ـ حتماً ـ بطعم الألم يتحلب في فمه ، وبمرارة الفقد تعصر قلبه !!
ومن المشاهد والمسموع أنه مابين عيد هذا العام وعيد العام السابق ، فقدت بعض الأسر عضواً أو أكثر من أفرادها ، ولاشك إن مشاعر الفقد ولوعة الفراق تتكرر نفسها في كل وقت وعند كل مناسبة ، سيما في الأعياد .
إن الذين يغيبهم الموت ،ونفقدهم سنوياً ،إما بسبب الشيخوخة وتقدم السن أو بسبب أمراض مستعصية أو حوادث سير قاتلة،وغيرها .. هؤلاء الذين يغادروننا للآخرة دون رجعة،إنما يتركوننا بقضاء الله وقدره وسنته في خلقه ،وما على المرء إلا التسليم بقضائه،إلا أننا لا نفتـأ نتذكرهم ،ونتألم ، ويجتاحنا الحزن،ويوجعنا الفقد على فراقهم ، وتختنق الفرحة في قلوبنا ، ولا نعترض على القضاء ، بل نترحم عليهم ،وندعو الله أن يبدلهم بأعياد الدنيا المؤقتة الزائلة بنعيم مقيم بضيافة رب كريم ..
وهذا العام .. يأتـي العيد، قد سبقته أعياد عديدة ، غـيَّب الموت خلاله وجوهاً كانت تشرق بالحب،وتطفح بالبشر، وتشكّل لمن حولها شلالاً من الأمل والعطاء. وليس هذا مجال لتقليب الألم واسترجاع ذكريات الأحبة ،بيد أنها زفرات الوجع التي أجزم أن الكثيرين يشاركونني فيها !!
هبونـي بيتاً لم يزره الموت ويغيّب منه أعزاء ! دلوني على قلب لم يعصره الألم ، وكبدٍ لم تفتتـها قسوة الفقد، وفم ٍلم يتجرع مرارة البعد ، وظهرٍ لم يقصمه الفراق ومكابدة البين !!
كلنا في الوجع نتشابه ،وفي مشاعر الفقد نتماثل !! ويبقى الإيمان بالله والتسليم بقضائه هو المعين الذي نستمد منه القوة والسير في الحياة التي لا تتوقف ـ ولن تتوقف ـ بموت والدٍ أو ولدٍ ، أو أخٍ حبيبٍ ، أو صديقٍ حميمٍ !
ويأتـي العيد هذا العام ، وستتلوه أعياد متواترة ، وسيلبس الأطفال الجديد ، ويدعو الناس لبعضهم بالعمر المديد .. وسوف تستمر دائرة الأيام ،وستتوالى الأعياد، وسيدخل الفرح ـ يوماً ـ قلوب المكلومين .
وقبل أربعة عشر قرناً فقد المسلمون سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم ـ وليس ألمٌ أشد من فقده عليه الصلاة والسلام ـ ومع هذا فقد مرت أيام وسنون فرِح بـها المسلمون بالنصر ، واستبشروا بالفوز ،وتزوجوا وأنجبوا.. وهكذا…يبقى الموت والفناء هو الوجه الآخر للولادة والاستمرار، ولازالت الحياة تنبض وتستقبل المواليد القادمين كما تحتضن المقابر الموتى المغادرين ..
وطالما هناك جدلية الموت والحياة فلابد أن نبيح للسعادة موقعاً في قلوبنا ، وأن نجعل للبهجة مرتعاً بين جوانحنا، وأن نسمح للسرور بالتضوع في نفوسنا ، ونستقبل العيد بتفاؤل واستبشار وفرح، وبأحباء جدد ، على أن لا نزهو ويأخذنا العجب ، كما لا نغرق بالأسى والحزن ، نداوي جراح المكلومين بيد ، ونشارك المنشرحين باليد.. الأخرى !!
وكل عيد.. وأسرتي الصغيرة والكبيرة، والقراء الكرام ، ووطني الحبيب، بخير، و…هناء وسعادة !!
تاريخ النشر: 6 نوفمبر 2004
يتضخم سنوياً الشكل العام لرمضان عند المسلمين حتى وصلت لدرجة مشاركة غير المسلمين لهم بالتهنئة عند دخوله ! ولقد تحولت دلالة هذا الشهر الكريم لدى بعض التجار من العبادة إلى عرض للمنتجات والتخفيضات في الأسعار، كما ارتبط مفهومه لدى شريحة كبيرة من الناس بالتسوق والتنوع في الأكل والشرب والزيارات والسهر، في انقلابٍ جذريٍ لمدلول رمضان كشهر عبادةٍ، وتـهذيبٍ للنفوس.
ورمضان منظومة أخلاقية فضلاً عن كونه تشريعاً ربانياً، فـهو أمانة بين العبد وربه، وإخفاء الأجر والمثوبة على أدائه يُعتبر من الأسباب الداعية للكشف عن جوهره ومضمونه وليس شكله فحسب!! ” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لـي وأنا أجزي به ” فجزاء بعض العبادات يعود نفعها على مؤديها كالزكاة التي تنمي المال، إضافة إلى أن بعضها يُعدُّ مجلبة وداعياً للمدح والثناء !
وإن كان الشكل المحسوس لرمضان يعني إمساكاً عن الطعام والشراب والمباحات الأخرى، فإنه من جانبٍ آخر يُعدُّ من الشعائر التي تضبط سلوك المسلم. قال عليه الصلاة والسلام: ” من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه “. وهنا تأكيد على السلوك المعنوي أكثر من الحسي، ويظهر ذلك جلياً في الحديث ” فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، وإن سابَّه أحدٌ أو شاتمه فليقل إنـي صائم ” حيث يدل اسم الفاعل ( صائم ) على الامتناع عن الرد على الفسق والجهل واتباع الهوى في كف الآخر عن المهاترات وصبرٍ على الأذى كما هو صبر عن سائر المباحات !! وهكذا….على مدى شهرٍ كامل يحاول المرء كبح جماحه، وممارسة التهذيب الأخلاقي.ومن ينجح في المحاولة طيلة الشهر أو في نـهايته فباستطاعته أن يعتاد على جعل ذلك التهذيب السلوكي ديدنه طيلة حياته.وفي كل عامٍ يعاود المرء تحسين سلوكه الشخصي.
وثمة أمر يدعو للعجب حيث رسخ في أذهان كثير من الناس بأن رمضان شهر الكسل، بالرغم من كونه داعية للعمل، فمعركة بدرٍ الكبرى دارت رحاها في منتصف شهر رمضان وكان النصر حليف المسلمين، وفي ذلك دلالة على أن رمضان ليس للعمل فحسب بل هو للأعمال الشاقة، وما الجهاد إلا مشقة ، وما حدوثه في رمضان إلا لأنه أولى الشهور بـهذا العمل الشاق !
والشكل الذي عليه المسلمون الآن من السهر لغير عبادة والإسراف في الأكل والشرب في الليل والـهروب للنوم في النـهار يُظهر الحاجة الماسة إلى تأصيل مفهوم رمضان التعبدي والدعوة إلى تفقيه المجتمع المسلم بمدلولاته العظيمة كتشريعٍ وتـهذيب ورقي بالذات، وأنه فرصة سنوية لاستشعار العبادة والعمل، وممارسة الصبر، ومحاسبة النفس، وتغيير السلوك للأفضل.
وها هي ترحل أيامه ولياليه ، فهلا أعدنا لرمضان جوهره ؟ !!