تاريخ النشر: 30 أكتوبر 2004
عبر ثلاث مقالات سابقة تمت مناقشة العنف ضد الأطفال،والدور المفقود للجنة الوطنية لرعاية الطفولة ،لذا فإنه يلزم تفعيل دور تلك اللجنة بحيث تشمل مسؤولياتـها السعي لفتح قنوات ترفيهية للأطفال يقوم بالإشراف عليها تربويون متخصصون وتكون موجهة للأطفال وفيها يمكن تدريب الطفل على تحمل المسؤولية وكيفية الدفاع عن نفسه وحمايتها من شتى أنواع العنف أو الاعتداء وإخبار من يثق به فوراً عند تعرضه لذلك دون تردد أو خوف وضرورة توفير رقم هاتف مباشر أو خطوط ساخنة للتبليغ عن أية مخاطر يتعرض لها الطفل!وخلال ذلك يتم الكشف عن حالات الإيذاء الأسري، ووضع البرامج التي تهدف إلى الحد من حالات إيذاء الأطفال،تتضمن قواعد وتعليمات وإجراءات موحدة تقوم بها الأجهزة المعنية لحماية الأطفال.والتأكيد على أهمية وضع الخطط التي تكفل حماية الأطفال من كافة مجالات الإيذاء والعنف وسوء المعاملة.والمتابعة الدقيقة لحصول الطفل على حقوقه كاملة فالمتابعة تجعل الأمر بعيداً عن التنظير ويدخل حيز التطبيق،وعدم التهاون بحجج واهية أو استثناءاتٍ مجحفة بحق هؤلاء الأطفال.وعلى اللجنة الوطنية للطفولة تخصيص برنامج للطفولة تنشر فيه التوعية الدينية والاجتماعية عن طريق وسائل الإعلام المختلفة ورسائل الجوال، وفي المدارس والمراكز التربوية والمستشفيات لتنبيه المجتمع بخطورة الإيذاء على شخصية الطفل وحياته المستقبلية، ولابد أن تكثف اللجنة جهودها ونشاطاتها نحو تثقيف المجتمع،فإن نجاحها يكمن بوصولها للمجتمع من خلال منشوراتها وأطروحاتها وقراراتها، وحينها تكون قد وضعت اللبنة الأولى في بناء السد ضد إيذاء الأطفال والذي لا يتوقف ـ في أي مجتمع ـ على وجود نظام فحسب بل على مستوى الوعي الاجتماعي،فهو إلى جانب النظام،يحتاج إلى وعيٍ وتثقيف بصفة مستمرة،وبحملات دائمة تكون موجهة للأسرة ومنها إرشادها نحو الأساليب التربوية السليمة،وتوضيح مخاطر العقاب الصارم غير المبرر على الطفل،وتنمية روح المودة والصراحة بين الأسرة والطفل وإيجاد لغة للحوار بينهما ليتمكن الطفل من التعبير عما يتعرض له من إيذاء بدون خوف.وتوجيه الأسرة إلى الحرص بعدم السماح للأطفال بالخروج للشارع واختلاطهم بالأكبر سناً،وعدم التهاون أحد للمنـزل وبقائه مع الأطفال بمفرده في حالة غياب الوالدين، أوترك الأطفال مع السائقين أو السفر وإبقائهم لدى العمالة المنـزلية.وفي الوقت نفسه توعية الأسرة بمؤشرات تعرّض الطفل للإيذاء حتى يمكن ملاحظاتها عليه في حالة حصولها وتبصير الأسرة بتجنب إهمال الطفل سواء في الغذاء أو العلاج أو التعليم أو سبل رعايته المختلفة .
وإن لم نعطِ هذا الموضوع حقه من الاهتمام فإن الأمور لن تتحسن مهماوضعت أنظمة وآليات وبرامج وإدارات ولجان!!وامتداداً للدور المنتظر لعمل اللجنة يلزمها القيام بافتتاح مراكز لمكافحة وعلاج حالات الأذى الذي يتعرض له الأطفال أسوة بعيادات مكافحة التدخين والإدمان،ومعاقبة من يتسبب في إعاقتهابحيث تكون العقوبات فعالة ومفيدة تدفع إلى عدم مخالفتها ممن صدر منه الأذى،وذلك بالتعرض للطفل بالإهمال أو الإيذاء، بحيث يكون هذا العقاب أشد مما لو تعرض المُؤذي لأي طفل في الشارع. ومن العجيب أن الشخص لو ضرب ابن جاره يُشتكى وقد يسجن ،إنما في المقابل لو ضرب ابنه فلايلاقى إلابالتجاهل!لذا فإنه يفترض إيجاد نظام فعّال أسوة بالدول الأخرى،فالطبيب يعلم أنه سوف يعاقب لو تساهل في عدم التبليغ وكذلك الأب يعلم أنه سوف يسجن إذاآذى الطفل،وسيؤخذ منه ويعاقب عقاباً شديداً.إلا أننا نفتقر لهذا النظام،حيث يفترض أن توجد طريقة لإبلاغ الأقسام الأمنية أو الجهات المعنية في وزارة الشؤون الاجتماعية،وعلى الرغم أن المستشفيات هي الجهة الأولى التي تتلقى الطفل المصاب سواء بإيذاء متعمد أو بالإهمال إلا أنها تحجم عن الإبلاغ!حيث لا يوجد آلية أو إجراءات تتخذ فيها عند تعرض الطفل للإيذاء
فمتى تتكاتف الجهود لإيجاد الحلول الكفيلة بالحد من الإيذاء والعنف وسوء المعاملة للأطفال ؟؟ ومتى توجد الدراسات اللازمة للحد من إيذائهم ورعايتهم والاهتمام بـهم ومتابعة شؤونـهم ؟ ومن يقوم بالتواصل مع المجتمع وتوعيته ؟؟ أليسوا أطفالنا هم زينة الحياة وجمالـها وإشراقتها؟وأكثر من ذلك..بل أكبادنا..و..قلوبنا !!
أفلا يمكن أن تحظى ـ أكبادنا ـ بطفولة جميلة ؟!!.
تاريخ النشر: 23 أكتوبر 2004
في المقالين السابقين تم التطرق إلى ضعف إدراك الطفل ومحدودية إمكانياته وقدراته النفسية والعقلية والجسدية ، وأن ذلك يجعله غير قادر على حماية نفسه أو الدفاع عنها ضد العنف، لأنه غير مؤهل جسدياً أو فكرياً !!كما تم التأكيد على أن تكاتف الجهود لإيجاد الحلول الكفيلة بالحد من الإيذاء والعنف وسوء معاملة الأطفال يُعدُّ مطلباً ملحاً ، وإيجاد الدراسات اللازمة للحد من إيذائهم ورعايتهم والاهتمام بهم ومتابعة شؤونهم يعدُّ مراماً للمجتمعات التي تنشد الاستقرار .
وعليه فقد أطلقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة حملة التوعية بحقوق الطفل وحماية الأطفال من الأذى ومكافحة العنف تجاههم،وانضمت المملكة إلى عضوية اللجنة الدولية لحقوق الطفل وتم توقيعها على المعاهدة . وعلى إثر ذلك تم إنشاء الأمانة العامة للجنة الوطنية السعودية لرعاية الطفولة عام 1399هـ ومن مهامها تشجيع البرامج والمشروعات التي تساعد في تطوير خدمات الطفولة ، كما وجهت الدولة بإعداد نظام لحماية الأطفال من الإيذاء يحدد الدور المناط بكل جهة من الجهات الرسمية المختلفة في حالة تعرض أي طفل للإيذاء.وصدر التوجيه بتشكيل لجنة من عدة وزارات ممثلة في الأمانة العامة للجنة الوطنية للطفولة لإعداد النظام وآلية تنفيذه واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من إيذاء الأطفال..
واللجنة الوطنية لرعاية الطفولة مؤسسة حكومية مقرها وزرة التربية والتعليم ، وهي مختصة بالقرارات على مستوى عالٍ،أي أنها لجنة لوضع الاستراتيجيات والأنظمة وليست إدارة تنفيذية،كما أنها لا تتمتع بسلطة يمكن أن تحد من الإيذاء مباشرة،والهدف من إنشائها لا يعني متابعة حالات معينة، إنما ينحصر دورها في إصدار قرارات وتبنِّي آليات ووضعها أمام المسؤولين ، فلا يمكن للجنة الوطنية اتخاذ قرارات أو أنشطة مباشرة لصالح الطفولة، لأنه لابد من اتفاق الجهات المعنية على القرارات، ومعروف أن أية لجنة مكونة من عدة جهات من الصعوبة أن تنفذ شيئاً ما لم تتولَ جهة واحدة هذه العملية فلكل جهة مرئياتـها !!
إن تفعيل دور اللجنة الوطنية لرعاية الطفولة، وتسخير جميع الإمكانيات اللازمة لها لتؤدي – فعلاً- دورها المنتظر منها يعد من الأمور الهامة . ولعل الطموح الأكبر أن يتم تطويرها وتغيير مسماها إلى هيئةٍ عليا للطفولة تكون ذات جهاز مستقل وميزانية مستقلة وموارد وقوى بشرية مؤهلة، ولديها الاستعداد التام لتلقي أية بلاغات تحمل أي نوع من أنواع الإيذاء للطفل. وتكون مخولة للكشف عن حالات إيذاء الأطفال، كما يكون من مهامها الوقائية نشر الفكر التربوي لرعاية الأطفال ، وعقد الدورات التربوية للآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات وكل من يُشرف على تربية أطفالٍ حول الأساليب التربوية الصحيحة لتنشئة الطفل باعتدال بعيداً عن العنف أو التدليل.وتوضيح مفهوم مصطلح إيذاء الأطفال حتى لايكون هناك مجالٌ لسوء فهمها وبالتالي عدم تطبيقها.ويجدر باللجنة تكثيف الاهتمام بالبرامج الوقائية والعلاجية للتدخل عند وقوع ما يدل على الإيذاء، مع التزامن بالتوعية الاجتماعية وتدريب فريق مهني للتعامل مع الظاهرة نفسياً واجتماعياً وقانونياً للحدِّ منها، والتأكيد على أهمية الدور الذي يمكن أن يقوم به أئمة المساجد والخطباء في التوعية الدينية حول هذه الظاهرة، خاصة أن الدين الإسلامي قد اهتم بوضع حقوق محددة للمحافظة على سلامة الطفل وصحته النفسية والاجتماعية والتربوية،وبرعاية الطفل وحمايته من جميع الجوانب، كما يتطلب الأمر التنسيق بين اللجنة الوطنية لرعاية الطفولة وأقسام الشرطة والمستشفيات لتوفير الحماية اللازمة للطفل الذي يعتدي عليه والداه أو أحدهما بالإيذاء، مع الأخذ بالاعتبار إنكار الأهل لتسببهم في الضرر الذي يقع على الطفل!!
وحين يكون أحد الوالدين أو كليهما غير مؤهل لتحمل المسؤولية سواء من ناحية اقتصادية أو نفسية أو عقلية فلابد أن توكل رعاية الأطفال لأحد الأقارب المؤهلين ، إذ لا يمكن حماية الطفل من الأذى دون تغيير مقر إقامته مع أسرة يتلقى فيها الأذى من والديه أو أحدهما…
تاريخ النشر: 16 أكتوبر 2004
في المقال السابق تم التطرق إلى أن ضعف إدراك الطفل ومحدودية إمكانياته وقدراته النفسية والعقلية والجسدية يجعله غير قادر على حماية نفسه أو الدفاع عنها لأنه غير مؤهل جسدياً أو فكرياً !! لذلك فهو بحاجة إلى حماية دائمة، إلا أن ما يؤلم الطفل حقاً صدور الأذى ممن كان يتوقع منهم الحماية كالوالدين والمعلمين ! ويصعب عليه تصديق أن والده يضربه لأنه يحبه، ومعلمه يعنفه لأنه يؤدبه !!والضبابية في إدراك مفهوم العنف عند الآباء والمعلمين بل وحتى عند المجتمع يزيد الأمر سوءاً !!
إن العنف الذي يتلقاه الطفل في صغره يجعل من الصعوبة تلافي آثاره السلبية على حياته حتى بعد أن يكبر وتتشكل شخصيته ، فقد يؤدي به للانحراف أو يكون مشروع زوجٍ فاشل في إقامة علاقة ودية مع زوجته ، أو أبٍ قاسٍ على أولاده ، فالطفل الذي ذاق مرارة الإيذاء يكره المجتمع سواء الذين تسببوا في أذاه،أو الذين قصروا عن حمايته ، فضلاً عن شعوره بالألم النفسي والحقد الذي قد يقوده للانتقام أو الانتحار!!
ويحسن بالجميع مشاركة الطفل وجدانياً، فحين يشكو ولو من جرح قديم في جسده، لابد أن نتفاعل معه ونعالج الجرح وكأنه حصل للتو واللحظة حتى يشعر بالطمأنينة والهدوء النفسي.
و في دراسة أعدتها الدكتورة هدى القطان عام 1994م حول إيذاء الأطفال في المملكة حيث تعاملت مع الأطفال بشكل مباشر وشملت 10حالات لأطفال تعرضوا للإيذاء وتم إدخالهم مستشفى الملك فيصل التخصصي بين عامي 86و92م ونتيجة للأذى الذي تعرض له الأطفال فقد توفي طفلان بينما خمسة لديهم إصابات خطيرة وثلاثة منهم لديهم حالات معتدلة الخطورة .
كما أظهرت الدراسة أن إيذاء الأطفال يحدث بصورة أكثر في الأسر ذات الدخل المنخفض والتي يقل دخل الأسرة عن ثلاثة آلاف ريال حيث وصلت النسبة 29.5% في حين يتعرض الأطفال من والدين منفصلين للإيذاء البدنـي أكثر من غيرهم بنسبة 42%، وشكَّل الأطفال المتوفى آباؤهم والذين يتعرضون للإيذاء نسبة23.6% ،ثم الحالة التي تكون الأم فيها متوفاة نسبة 18.8% . ولعل المفاجئ في الدراسة أنه بمقارنة المستوى التعليمي للأم وتعرض الأطفال للإيذاء اتضح أن الأطفال لأم تحمل(المؤهل الجامعي وما فوق)يتعرضون للإيذاء بنسبةٍ عاليةٍ تصل إلى 26%،حيث يزداد خروج الأم للعمل وترك الأطفال في البيت مع الخادمات أو الأقارب ومن ثم تعرضهم للأذى،يلي ذلك الأطفال الذين تحمل أمهاتهم الشهادة الابتدائية 25%!! أما المفاجأة الأكبر فإن فئة كبيرة من الأطفال الذين يقع عليهم العنف تصل نسبتهم إلى 66.2% تقل أعمارهم عن عامين ، وتتزايد نسبة الأطفال المتعرضين للإيذاء كلما صغرت أعمارهم . وغالباً ما يكون العنف نتيجة صغر سن أحد الوالدين أو تعرضهما للعنف في الصغر أو نتيجة للإدمان على المخدرات أو الفقر مع كثرة أعداد أفراد الأسرة .
إن تكاتف الجهود لإيجاد الحلول الكفيلة بالحد من الإيذاء والعنف وسوء معاملة الأطفال يُعدُّ مطلباً ملحاً وإيجاد الدراسات اللازمة للحد من إيذائهم ورعايتهم والاهتمام بهم ومتابعة شؤونهم يعدُّ مراماً للمجتمعات التي تنشد الاستقرار .
تاريخ النشر: 9 أكتوبر 2004
إن الاهتمام بالطفل يبدأ منذ الولادة، بالرضاعة الطبيعية قدر الإمكان وبنوع الغذاء الصحي، وكذلك التطعيم ضد الأمراض المعدية، وتستمر العناية به منذ مرحلة الحضانة والطفولة ثم المراهقة و تمتد حتى الشباب.
وضعف إدراك الطفل ومحدودية إمكانياته وقدراته النفسية والعقلية والجسدية يجعله غير قادر على حماية نفسه أو الدفاع عنها لأنه غير مؤهل جسدياً أو فكريا لذلك فهو بحاجة إلى حماية دائمة،كما أن حاجته مستمرة للرعاية والرحمة وهذا ما تقتضيه الشريعة المطهرة ،وعليه كان لزاماً تعليمه المطالبة بحقوقه وكيفية الدفاع عن نفسه ضد العنف بأشكاله،والمتمثل بالألم النفسي الذي يعدمن أكثر الأنواع تفشياً،يليه العنف البدني ..ومن أكثر صوره:الضرب المبرح،أو الصفع،أو القذف بالأشياء التي في متناول اليد لاسيما الأشياء الخطيرة .وغالباً ما يكون الأذى الجسدي مصحوباً بإيذاءٍ نفسي،وهذا النوع من العنف غير ملموس،ويصعب اكتشافه ، بيد أنه يظهر على تصرفات الطفل وسلوكه مثل التبول غير الإرادي ،أو الإصابة بأحد الأمراض النفسية كالشعور بالإحباط أو الاكتئاب.
ويبدو الاختلاف في إدراك مفهوم العنف عند الآباء بل وحتى عند المجتمع متذبذباً، فهو حيناً يُـعزى للتربية وضبط السلوك، وفيه يعمد بعض الآباء إلى إيقاع الأذى الجسدي على أبنائهم كاتخاذ الضرب والقسوة أسلوباً تربوياً.وحيناً آخر من منطلق الشعور بالملكية، وهذا يعود لجهلهم بالأساليب التربوية الصحيحة فهم بذلك لا يدركون أن الابن ليس ملكاً شخصياً وإنما له الحق في الحرية وتقرير المصير،كونه من البشر!ناهيك عن مظاهر التدمير النفسي التي يمارسها الآباء بتفضيل بعض الأبناء عن بعضهم وفيها تنشأ الغيرة والحسد بين الإخوة مما يولد الحقد ويؤدي إلى الجريمة !!كما أن حرمانـهم من الضرورات الحياتية أو حقوقهم الشرعية أو حتى الحرمان من المكافأة المادية أو المعنوية يدخل في دائرة العنف ضد الأطفال،كالتقصير في الاحتياجات الشخصية مثل الغذاء والملبس،والسكن الملائم والمستلزمات المدرسية من دفاتر وأقلام وغيرها، أو منع الأطفال من الدراسة بحجة الفقر،وبالتالي الحاجة للعمل.كما أن تشغيل الأطفال يعد بحد ذاته أحد أصناف الإيذاء فما بالك في تشغيلهم ساعات طويلة (كأطفال الشوارع ) الذين يبيعون على المارة علب المناديل وقوارير الماء تحت لهيب الشمس الحارة أو المطر والبرد القارص ، وبذلك يتم تعريضهم للمخاطر الصحية والأمنية وتغتال طفولتهم !
والواقع أن الإيذاء النفسي أو الجسدي للطفل قد يأتي – أيضاً- من المؤسسات التربوية لاسيما المدرسة(إدارة ومعلمين)ومنه الضرب أو الوقوف لساعات طويلة،أو المنع من الخروج لدورة المياه أو حمل مستلزمات المدرسين أو إرغامه على تنظيف مرافق المدرسة .
وقد أظهرت الدراسة التي أجراها مركز مكافحة أبحاث الجريمة بوزارة الداخلية، تفشي ظاهرة إيذاء الأطفال في مجتمعنا بشكل عام، وعلى الرغم من قصور الدراسة أو عدم شفافيتها حيث تم استبعاد الإناث من الدراسة بشكل مطلق واقتصار عينتها على الأطفال الذكور في مدارس التعليم العام في المناطق الثلاث الرئيسية التي تعتبر المناطق الأكثر تطوراً مقارنة مع بقية المناطق ،إلا أنه اتضح من خلال الحالات التي خضعت للدراسة أن 45%من الحالات يتعرضون لإحدى صور الإيذاء في حياتهم اليومية،ويحدث الإيذاءدائماًلـ21 %من الحالات،في حين يحدث لـ24% أحياناً. وأوضحت دراسةٌ حديثة أُعدت بالمملكة في هذا المجال أن أعلى نسبة للأطفال الذين يتعرضون للإيذاء النفسي بصورةٍ دائمــة في
المرحلة الابتدائية بنسبة 36.4%، ثم المرحلة الثانوية بنسبة 36%،ثم المرحلة المتوسطة بنسبة 30%،وفي النمط الثاني من أنماط الإيذاء البدني فإن أعلى نسبة للذين يتعرضون للإيذاء البدني بصورة دائمة في المرحلة الثانوية وصلت 28.4 % ثم المتوسطة 25.3% ثم المرحلة الابتدائية 23.4%.كما أن إهمال مواهب الطفل بإغفال نبوغه وتعنيفه والسخرية منه،والسب بالألفاظ الجائرة يعد أسوأ أنواع الإيذاء النفسي ومن شأنه أن يؤدي إلى ترك مقاعد الدراسة مبكراً!وما يؤلم الطفل حقا ًصدور الأذى ممن كان يتوقع منهم الحماية كالوالدين والمعلمين ويصعب عليه تصديق أن والده يضربه لأنه يحبه،ومعلمه يعنفه لأنه يؤدبه!!وحين يصدر الأذى من مؤسسة تربوية كالمدرسة يدل ذلك على أن هناك ضعفاً في تأهيل المعلمين ليكونوا مربين في الدرجة الأولى،ونقصاً في إدراكهم للخصائص النفسية والعقلية والجسدية للطفل،حيث يجدر التعامل مع الأطفال في المدرسة بعيداً عن الضغوط التي يتعرض لها المعلمون سواء بالبيت أو الشارع قبل وصولهم لمدرستهم. وهذا لا يعني التهاون في تعويد الطفل الانضباط واحترام الأنظمة،بل لابد من شرح اللوائح المدرسية للتلاميذ حتى لا يقعوا تحت دائرة العقاب أو العنف بسبب الجهل بالأنظمة.
ومما يزيد الألم عند الطفل عدم اهتمام والديه به وإهمال ما يناله من عقابٍ في المدرسة،وهذا يعد أحد أشكال الإيذاء التي يتعرض لها الأطفال وقد يقودهم للعنف!!
تاريخ النشر: 2 أكتوبر 2004
بعد مرور ثلاث سنواتٍ من التقشف والتضييق على الحال بالأكل واللبس وقضاء المتطلبات الضرورية، وشراء سياراتٍ بالتقسيط ! استقرتْ العائلة في مسكنها الجديد مكسوَّاً بالرخام من الداخل وبالحجرِ الثمين من الخارج!إنه درَّةُ المساكن في ذلك الحي الراقي ! تستمتع العين وهي تجول في أنحائه،فبريقُ الرخام يكادُ يخطف البصر!وجلجلة الصوتِ داخل الصالاتِ وغرفِ الاستقبال توحي بفخامة المكان .
وحين تدلفُ لهذه القلعةِ المخلوطةِ بالأسمنت والحديد والحجر والرخام تضطر إلى ارتداءِ معطفك!أو تتمنى أن إحدى هذه الستائر تتحول إلى لحافٍ يقيك برد التكييف الذي جعل برجَ الجوزاء يتقدمُ عن موعده ليحل مكان العقارب!!
النمط المعيشي لهذه الأسرة تغير، فمظاهر التقشف،وتأخير جلب الضروريات في وقتٍ مضى قد انقلب ـ فجأة ـ إلى إسرافٍ وتبذير..أمَّا الشكوى والتذمر فهي ثابتة إن لم يكن زاد معدلها وتطورت،فالعاملة المنـزلية لا تكفي للمساعدة فلا بدَّ من اثنتين أو ثلاث،ووضعت لـهن إدارة خاصة وقُسِّمَ العملُ بينهن حسب التخصصات .وحتى السائق أُضيفت له مهامٌ وأعمالٌ أخرى من تقليمٍ للأشجار ومسحٍ للساحة الخارجية وتنظيف للسيارات التي مازالتْ تُدفعُ أقساطها من عرق أصحابِ هذا المسكن الجميل!
وأمسى إقامة احتفالٍ بمناسبةٍ أو بدونها هو ديدن هذه الأسرة شعوراً منهم بأن منـزلـهم يستوعبُ أعداداً كبيرة من المدعوين، إضافة إلى شكله البـهي الذي يسرُّ العيون ويبهجُ النفوسَ ،ولكن شرطهم الوحيد في الدعوة ” عدم اصطحاب الأطفال” حتى لا يعبثوا بمحتويات المنـزل ويفسدوا تحفه ومقتنياته ! عجباً ، كيف تضيق جنبات هذا البيت الواسع ببراءة الأطفال ولعبهم ؟! وكيف تتم المتعة بدون أطفال وقد أُفرِدتْ لـهم مساحات بالمنـزل باسمهم ؟ !
*****************************
ولا زال برنامج التقسيط ـ المزعج ـ مستمراً فحين ينتهي أجلُ قسطٍ يبدؤون ببرنامج آخر من مهرجان التزييف والمظاهر أو ما يُسمى بالتقسيط وكأنـهم بذلك يطبقون معنى البيت :
كلَّـمـا أنبت الزمان قنــاة ركَّب المرءُ للقناة سِنـانـا
وهم الذين أنبتوا القناة وركبوا لـها السِّنان ، يقتلون أنفسهم بـها باعتقادهم أنـهم يحققون السعادة ! وربُّ هذه الأسرة إذا مـا الليلُ أرخى سدولـه بسط لـه هـمه وفكره من تراكم الديون التي لا يبدد همومها إلا صوت أذان الفجر ، واستيقاظ العاملات وانتشارهن في أرجاء المنـزل يلمعن رخامه ويصقلن مراياه ، وبزوغ الشمس وانعكاسها على أرجاء المـنـزل هو الفيصل في مستوى النظافة .فسيدة القلعة تستيقظُ من أرقٍ لتذهبَ لعملـها وتستنـزف طاقتها هناك ، وفي نـهاية الشهر توزع مرتبها على العاملات وأدوات النظافة وسماد الحدائق الداخلية والخارجية ، وجلب مزيدٍ من التحف والكماليات …
ولا زال الماراثون مستمراً ، فهدفها من العملِ أصبحَ واضحاً وقدرتـها على السباق مع الزمن أضحتْ بطيئةً حتى تيقنت أن ساعات تبديد الراتب أكثر من أيام العمل فـما تصرفه في ساعةٍ تكون أهدرتْ وقتها وجهدها في جمعهِ أياماً أو شهوراً .
ويا سوء التدبير … وضياع العمر !! فالأولاد ليس لـهم نصيبٌ من التربيةِ والتوجيه ، وصلة الرحم لا تُذكرُ ، والصدقة لا بندَ لـها !! وبراميل النفايات تغصُّ بالمأكولات التي ضاقت بـها ثلاجات المنـزل ، وعجزت عن طبخه مواقده الكهربائية والغازية ، عشر عيون بالموقِدَيْن ، وكانت تكفيهم اثنتان لو كانوا يبصرون !!
ألا من وقفة مع النفس ؟!هل نحن بحاجة إلى كل ذلك ؟و” بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه” ألا منْ يوقف هذا الماراثون المحموم بالاستهلاك المُزيَّف الذي لا ينتهي إلا بتجديدٍ وتنويع،إن لم يكن( ترويع )باستهلاكٍ آخر !!
حين ينام المرء فـهو لا يحتاج إلا لمساحةِ مترٍ × مترين إذا سلِم من الأرق بسببِ غمِّ يومٍ مضى أو همِّ يومٍ قادم.وإن لـم يسلم فمساحات الأرض كلها لن تُـهيئَ له الخلود لنومٍ مريح !
والفكرة من السكن هو المأوى الذي يقيك هجير الصيف وصقيع الشتاء،وليس زمهريـر فواتير الصيف وحيـرة مصروفات الشتاء !!
إن الداخلَ في ماراثون للجري يطمح أن تكون نهايته إحراز قصب السبق والفوز الذي تعقبه الراحة.فهل أصحاب هذا المسكن ـ وغيرهم كثير ـ قد وصلوا إلى هذه القناعة ؟أم أن الماراثون مستمرٌ حتى تنقطعَ الأنفاسُ والأوصال وينـهي العمر بين مطرقة الديون المتزامنة مع البناء وسندان الكماليات المصاحبة للسكن والمستمرة بلا قناعة أو انقطاع !
لابد من النسبة والتناسب في كل الأمور،وحتى في حالة قدرتِك على شراءِ لفة من القماش يكفيك منـها أمتار تستر جسدك وما زاد تشويهٌ في شكل الملبس و تبذيرٌ وإسرافٌ!!
والغرف الكبيرة والساحات الشاسعة في هذا المنـزل تنبئ عن مضمارٍ للسباق وليس سكناً للراحة.ومـا الفرق إذاً بين المسكن المؤجَّر الذي يستنـزف المرء سنوياً،وبين امتلاكـه لمنـزلٍ يُشعره بالاستقرار.
**********************************
ضاق ربُّ الأسرةِ بالمتطلبات المتزايدة من أسرته التي تعدَّتْ قدرته الحالية والمؤجلة ، وغادرت الابتسامةُ وجهَهُ ، وتبعها الوجوم وأمسى يجلسُ وحيداً واعتزل أسرته بعد أن كان يوقد قناديل الفرحِ في البيتِ القديم الصغير حين كانت تُسمَعُ تعليقاتُه وقفشاتُه في كلِّ أرجاء المنـزل فيهمل أولادُه مـا بأيديهم ويتوافدون عليه ويتحلَّقون حوله .وحين يسترسلُ في الضحك تنتابُه نوبةٌ من السعال ، يتقافزُ أبناؤه يحضرون لـه كوباً من الماء،فلا يدري أيُجامل الكبير فيأخذ كوبَـه؟أم يُرضي الصغير فيشرب من مائه ؟ أو يرحم الأصغر الذي أحضر الماءَ وقد انسكب معظمه أثناء الركض !
والآن تعاودُه نوبةُ السعالِ إثر تعرضه للبردِ وقد أهمل علاجها ـ لانشغالـه بعلاج داء تراكم الديون ـ فتجده في سعال مستمرٍ دون أن يشعرَ بـه أحدُ أفرادِ أسرتِه!فاتساع المنـزل لا يمكِّنُهم من سماعِ صوت السعال ! فمـا بالك بالأنين وقد أحكمَ الدائنون قبضتـهم على رقبتـه !!