تاريخ النشر: 29 مايو 2004
تفاجأ السيد سعد وزوجته بحصولِ تشنجاتٍ متكررة لطفلِهم الرضيعِ الوحيدِ ، فقاما بنقله للمستشفى ، إلا أنـهما ـ وباتفاقٍ مسبق ـ أخرجاه أثناء وقت الزيارة دون أخذِ إذنٍ من الطبيب المعالج وقبل استكمال العلاج المقرر، بحجةِ أن الطفل لا تزداد صحَّتُه إلا سوءاً !!
وطرقوا بابَ الطب الشعبي ودخلوا في سراديبَ مظلمةٍ من الجهل حتى تحولتْ لحظاتُ التشنجِ إلى نوباتٍ طويلةٍ من الصرع المتكرر ! وأضحى كلُّ مُدَّعٍ للطب ينصحهـم بعدمِ مراجعة الأطباء لأنـهم لا يدركون أسبابَ الصرع الناتجة من تلبُّسِ الجن بالطفل الرضيع …
رويداً ، رويداً أمست صحةُ الطفل تنهار على مرأى والديه حتى لا يكادا يلحظا أي تغيرٍ يطرأ على نموه.. ولم يُعيرا ذلك اهتماماً بسبب قلةِ وعيهم لانعدام تعليمهم فإذا علمتَ أن(سعد) لا يعرفُ عن المدرسة إلا أنـها معتقلٌ يُربَّط فيه الصغارُ والكبارُ في مقاعدَ خشبيةٍ ثم يخرج الشابُ موظفاً يقبعُ خلف أحد المكاتب وينتظر آخر الشهر استلام الراتب الذي ينفقه في علاج رجليه من آلام الروماتيزم من كثرة الجلوس.عندها تدركُ مدى معاناته حين يجمعه المكان مع أشخاصٍ يتحدثون بانبهار عن آخر مبتكرات( الإنترنت)فيكتفي بجملته الشهيرة(الله يجيرنا !)إلا أن تلك المعاناةَ تنتفي ـ تماماً ـ حين يدلفُ منـزله ويغلقُ بابه بإحكامٍ في محاولةٍ لصدِّ التيار الحضاري القادم والذي يكاد يقتلعه من جذوره فما بالك بالباب !!
وتتسع ابتسامته وهو يرقب زوجته وهي تبادله نفسَ المشاعر وتستقبله ببشاشةٍ وتجدُ نفسها ـ فكرياً ـ معه أكثر مما تجدها مع إخوانـها الذين سافروا وتغربوا لينالوا الشهادات المتخصصة …
وهي حين تـهمُّ بطلبٍ شخصيٍ لـها تجدها تُعرِّض للموضوع ولا تدخل به مباشرة خَشْيَة من تكدُّرِ خاطره ، فـهي ترغبُ بزيارة أسرتـها بإحدى القرى المتاخمة للمدينة حيث أخبار أسرتـها مقطوعة منذُ أن تعطلَ الـهاتف ! والحقيقة أن الـهاتف يعمل بكفاءةٍ سوى أن برمجة الاتصال المختصر لا تعمل بسبب تقادم البطارية فهي تأخذ جهاز الـهاتف ليقومَ أخوها ( أحمد ) بالبرمجةِ المتُّفقِ عليها : ـ
الوالدة رقم ” 1 ” بيت الوالد الثانـي رقم ” 2 ” أختي حصة رقم ” 3 ” أهل سعد رقم ” 4 “…في آخر القائمة !! وهكذا يتمُّ التواصل مع أسرتها ومعارفـها دون معرفةِ الأرقام الحقيقية لـهم لسببٍ بسيطِ وهو أنـها لم تتعلمْ مطلقاً !! ويهونُ أمرُ الاتصالِ حين تقارنه بمعاناة الصغيرالذي أصبحت الإعاقةُ الجسديةُ والفكريَّةُ تظهر عليه من أثر نوباتِ الصرعِ المتكررةِ دون علاجٍ سوى الفاتحةِ والمعوذات التي تتلوها أمُّه عند كلِّ نوبةٍ وقراءة المعوذاتِ في جميع الأحوال أنعم بـها، ولو أضافت العلاجَ المخصصَ للطفل من قِبَلِ المستشفى لعقلتـها وتوكلتْ !!
أصبحت ” أم سالمٍ ” لا تحبِّذ الاجتماعاتِ العائليةَ لأنـهم يتحدثون بلغةٍ لا تكادُ تفهمها كما أنـهم يلومونـها على إخراجِ ابنها من المستشفى دون معرفة الطبيب ومتابعة العلاج .
وتزدادُ حيرتُها حين ترى ” أم هيثم ” يزدادُ ابنها صحةً ونمواً على الرغم من أنه كان يُعانـي من الصرع.ونتيجة لاهتمامِ والدته بصحته وبمواعيد الدواء لـم تعاوده نوبات الصرع منذ أكثر من ستةِ شهور،وحين تُقارنُ بين وليدها وبين”هيثم” ينتابـها الضيقُ ولكنها أبداً لا ترى أن السبب هو المحافظة على العلاجِ ومواعيدِه الدقيقة وكميَّاته المعيَّرة وتعزو ذلك إلى الابتلاءِ وأنه لابد من التوكلِ على الله والصبر. ويغيبُ عن بالـها حديثُ المصطفى صلى الله عليه وسلَّم ” تداووا فما أُنزلَ داءٌ إلا وله دواء ” . وقبل ذلك نسيتْ تماماً أن أول آيةٍ أُنزِلتْ على خيرِ الخلقِ النبي الأمي هي قوله تعالى ” اقرأ “
وحين تناقشها محدثتها عن ضرورةِ التعليم الآن وتحثها على الانضمام لمدارسِ محو الأمية المسائية تضع طرفاً من غطاءِ رأسها على فيها ، وتُشيحُ بوجهها ، وتطلقُ ضحكتَها المتهكمة ومثلُها الجاهز ” يوم شاب ودُّوه الكُتَّاب ” .
نعم يا أم سالم ، ليس كُتَّاباً الآن بيد أنه مركز إشعاع إنها المدرسة يا عزيزتي ، اخرجي من السرداب المظلم إلى الفضاء المضيء،انزعي غطاء الجهل ،وارتدي وشاحَ العلمِ ، فنحن بحاجةٍ إلى ابنِكِ سالمٍ وهو سالمٌ ! ونحن بشوقٍ إليكِ في طابور العرض العلمي .
تعَلَّمي يا أم سالم لتعْلَمي مدى أهميةِ العلاجِ لابنك ولأسرتِك ، وضرورةِ العلم في تشغيل أجهزة منـزلك،ولبناءِ مسكنكِ وحتى حياكةِ ملابسِك !
ولن تضيقي قط حين تجمعك المناسبات بأفرادِ عائلتك وجيرانك لأنك ستفهمين حديثهم وستتبادلين مع ” وفاء ” كتبَ الطهي وتعرفين المعايير الدقيقة المخصصة لعملِ المعجَّناتِ ، والحلويات ..
هذا العالم المجهول الذي ينتظرُكِ ، هو معلومٌ لغيرك عبر ثمانيةٍ وعشرين خطوة ..أقصدُ حرفاً ،وستتحول الصحيفة اليومية لديك إلى انتظارٍ جميلٍ لخبرٍ أو حدثٍ أو معلومةٍ أو حتى كاريكاتيٍر باسمٍ بدلاً من لفِّ أغراضِكِ بـها !
ولن تتساوى أمامك الورقُ والقصاصاتُ،بل سيكون لكلِّ ورقةٍ معنًى ،ومعنىً جميل،فورقة الأغراض المنـزلية لن تتساوى أبداً مع كشف حساب البنك أو شهادةِ ابنك سالم ! الذي سيكون لنجاحه طرقاتٌ ساحرة على قلبك لأنك ستكونين شريكة نجاحه..لا بل ستكونين شريكة مواطنيك في اقتسامِ كعكةِ النجاحِ الكبيرة باتساعِ رقعة هذا الوطن !
بالعلم ،اُخْتُرِعَتْ الثلاجةُ والمكيفُ والـهاتفُ والأدويةُ ، وحتى سجادة الصلاة التي تضعين جبينَكِ عليها أربعاً وثلاثين مرة في اليوم ، عدا النوافل !
كلُّ ما حولك نتيجة العلم وليس بفعلِ الجن كما يصوِّرُ لك ظلامُ الجهل .
العلم نورٌ ، وكما يضيء هذا النورُ الأنفاقَ والكهوفَ فينجلي الخوفُ والرهبةُ من المكان ، يشعُ العلمُ في عقولِ البشرِ فتختفي الأوهامُ والوساوسُ من الصدور!!
*** مع التحية لخريجات الدفعة الأولى من الثانوية العامة لمحو الأمية هذا العام ، وقسم تعليم الكبيرات
تاريخ النشر: 22 مايو 2004
حامد…الابن الأكبر أو هو الأصغر ـ إن شئت ـ هو باختصار وحيد والديه ، تفتحت عيناه على والدٍ مسنٍ ، فـلم يُرزق أبو حامدٍ بأولادٍ في مقتبل حياته إلى أن أكرمَه الله بالأبوة في شيخوخته … وقد نال حامدٌ من التدليل الشيء الكثير !! حتى أن والديه يشفقان عليه من حملِ حقيبته المدرسيةِ فتجدُ والده المسن يحملها إلى بوابة المدرسة، ويتمتم بآية الكرسي والمعوذات كل صباحٍ خشية أن يفقدَ حامداً في لحظةٍ ما! حتى لقد سيطر عليه هاجس الفراق في لحظاتٍ عدة ، ولكنه رجلٌ مؤمنٌ يعلمُ أن الآجال بيدِ الله،إلا أنه ما انفك يفكر بمستقبلِ ابنه عندما يكبر فلا يجد والدَه أمامه ،وتارة ينقلب التفكير رأساًعلى عقب فـيوسوس له الشيطان أن يخرجَ حامدٌ من بوابة المدرسة فتخطفه إحدى المركبات وترديه قتيلاً لدرجةِ أنه كَرِه كلَّ مركبةٍ تسير على أربع عجلاتٍ أو تزيد !!
ولا أخالك إلا مُتعاطفاً معه وأنت ترى انكساره في تلك اللحظات ومشفقاً عليه وهو يمسح دمعة حرَّى بطرف(شماغه) العتيق،فكماأن الله لم يمنحه الذرية إلا في خريف عمره لم تجد الدنيا عليه بالزينة الأخرى (المال)بيد أن إيمانه بربه وقناعته أن الله هو أعلم بما يُصلح عباده يجعل جسدَه النحيل كالطودِ أمام إعصار الحيرة التي تقتلعه عندما يرى بعضَ زملائه وهم ينعمون بالأموال والأولاد وينقصهم الكثيرُ مِما عنده من أمانة وإخلاصٍ في العمل وتعاملٍ رائع مع أفرادِ مجتمعه !
ولـما تراه ساجداً متبتلاً لربه شاكراً لأنعمه تتملكك رهبة الإيمانِ واستقصاءِ حكمة الله في خلقه . ولكنك حين تجده هلعاً على ابنه تشعر بالتناقض والضعف الذي يتلبس الإنسان ! ويظهر ذلك جليَّاً عندما يكون حامدٌ مريضاً بأحد الأمراض التي يصاب بـها عادة الأطفال ، فـهو لا يثـق بالأطباء ، ويشفقُ على ابنـه من مرارة الدواء ! وكم سهر ليالٍ طوالٍ يراقب حرارة ولده ، وكثيراً مـا وضع يده على جبين ابنه وهو يتمنى أن تنتقل الحرارة من ذلك الجبين إلى جسده الـهزيل ،ولـم يتبرمْ من هذا العمل أو يمل طيلة ثمانية عشر عاماً أو تزيد .
****************************
حامدُ ـ الآن ـ في الصف الثـالث ثانوي تمتدُّ قامته أمام والده الذي يجد فيه التعويض عـمَّا فقدَه أولـم يحصل عليه ، فتراه تارة يلاعب ابنه كما لو كان طفلاً يُناغى ! وتارة أخرى يداعبه كما لو كان صبياً يرتعُ في فضاءِ الصبا، وثالثة يغضبُ عليه حين يُقصِّر عن أداء الصلاة في وقتها إلا أنه لا يلبثُ إلا قليلاً فيـعود للملاطفة والتسامح. سلسلةُ من العطاءِ الأبوي لا تنتهي حلقةٌ إلا وتبدأُ الأخرى أكثر اتساعاً بالعطف ، وأقوى إحكاماً بالحنان ! وما والدة حامدٍ ببعيدٍ عن هذا،ولكنـها تُخفي ـ كعادة كلِّ الأمهات ـ مشاعرها داخل قلبٍ يجري فيه حبُّ أسرتها كجريانِ الأنهار نحو البحر!ولا تكاد تطلبُ من ابنها قضاءِ أي احتياجٍ لها أو لأبيه كي لا تشغله عن أداءِ واجباته،فهو في مرحلةٍ دراسيةٍ مهمةٍ قد يحقق النجاح ، وقد يفشل،وقد ينجح بفشلٍ حين يكون مستواه دون القبول بالجامعة!وهكذا كان حامد ، فقد خيَّب أمل والده الذي كان يأمل أن يصبح ابنه في مركزٍ مرموقٍ يعوِّض نقص والده المادي والاجتماعي.
لـم يحققْ حامدٌ المستوى المطلوب في إتمام الشهادة الثانوية،فـلم يحظَ بالقبول بالجامعة .ولقد تدرَّج في سُلَّمِ الفشل منذ كان طفلاً،وصبياً ومراهقاً،وتعوَّد الاتكاليةَ على والديه.فأوامره مُجابة قبـل أن يـهمَّ بطلبها،حتى جاءوقت التسجيل بالجامعة فأصبح يُلح على والديه بالبحثِ عن وسيطٍ لدخول الجامعة حتى طرق والده جميع الأبواب الموصدة وسكب ماءَ وجهه على ( أبواب ) أو إن شئت ( أقدام ) أشخاصٍ كان يظن في قرارة نفسه أنه لن يلتقِ بـهم لأسبابٍ يعرفها هو ويعرفونـها ـ هم ـ جيداً.ولقد استجاب له البعض وأشاح الآخرون وجوههم حتى استنفد ماءَ وجهـه ولـم يتبقَ إلا دمـاء قلبه في لحظاتٍ استفزازيةٍ لـه ،ومطرقة إلحاح ابنه بالدخول لكليَّةٍ بعينـها تـهشم سندان قلبه إلى أن استجاب لـه زميلٌ قديم فـاقه بالعلم والسفر لطلبه على الرغم أنه لم يكن في بداية حياته شيئاً مذكوراً، ولكنه اعترف أخيراً لزميله بالتميزِ عليه لتقدمه بالعلم وليس بالضرورة متفوقاً عليه بالأمانة والصدقِ والإخلاص !
أخيراً دخل حامد الكلية المرغوبة ، لكنه أفاق ذات لحظةٍ على والده وهو يـهذي مكلوماً :
ـ لِـمَ يـا بـني .. لِـمَ لَـمْ تستذكر دروسك جيداً وتحرز الدرجات العالية لتتمكن ـ أنتَ بنفسِك ـ من الالتحاق بالكلية التي تريد والقسم الذي تـهوى؟؟!!
ـ لِـمَ يـا بني تُهدر كرامتي وأنـا الذي حفظتها لك وتعاهدتُ تربيتك ، وكرهتُ المركبات السائرة على الأرض ، والمحلقة في السماء ، خوفاً من أن تخطفك الأولى أو تجهدك الثانية !
ـ لِـمَ يـا بني ؟ لِـمَ لَـمْ تُحقق نجاحَكَ بجهدك ؟؟
حامد.. يـا بني … ليتَـكَ مـا أتيت !!
*******************************
*** صورة مع العتب لكلِّ طالبٍ اعتمدَ على واسطة والدِه وهو يستطيعُ أن يكون أحدَّ وأقوى من الواسطة !!!
تاريخ النشر: 15 مايو 2004
لـم تعتد أحلام الغياب عن مدرستها، فهي تحب الحضور اليومي للمدرسة ولقاء زميلاتـها،ولم يكن غيابـها هذا اليوم بسبب مرضها،حيث اعتادت أن تحضر وتقاوم المرض ، وفي كل عام تستلم شهادة الالتـزام بالحضور اليومي وهدية قيمّـة !
لـم تكن وحدها التي تغيبت بل شقيقتيها الصغيرتين ،كالشمس يشرقن في المدرسة خُلقاً ، وذكاءً ، وأدباً !!
استيقظن فجراً …أدت أحلام الصلاة ، وانتظرت طويلاً في سجادتـها .. لم تستعجل في صلاتها كالعادة ! لتلحق بالمدرسة .. وحين قضت الصلاة التقت العيون الست في لحظة واحدة وفهمت أحلام تلك النظرات ! نعم ، الغياب اليوم كان بسبب ضيق ذات اليد! وعلى الرغم أن والدها ذو وظيفة مرموقة ويشار له بالبنان بيد أنه ابتلي بتبذير المال في أوجه غير شرعية!! وحين يحل منتصف الشهر تجد الأسرة نفسها في وضعٍ حرج!!ولا أخاله يجهلك وضع زوجة صابرة محتسبة،لم يقدِّر زوجها المسؤولية التي أُلقيتْ على عاتقه ! تلك المرأة ـ والدة أحلام وأخواتـهاـ لم تشأ أن تذهب بناتـها للمدرسة دون نقود لشراء ما يُباع في اليوم المفتوح ! وما أدراك ما اليوم المفتوح في مدرسة وضعتْ شعارها التربية أولاً !! فاليوم المفتوح في مدارس البنات بعيدٌ عن التربية، قريبٌ من العبث.حيث بعض المعلمات يرتدين ملابس أشبه بحلل الحفلات ، وما يصاحبها من أصباغ على الوجوه وعطور تعبق في أرجاء المدرسة!!وقد أحضرن حافظات أطعمة تحوي أنواع المأكولات!جزء منها للبيع على التلميذات كالبليلة والذرة المنفوخة،عدا البطاطس المقلية،وجزء خاص بالمعلمات تقرره برودة الطقس أو حرارته!! أما الإكسسوارات فما يُشترى من السوق بريال يُباع بخمسةِ ريالات،وما يُباع بخمسة في المحلات فهو في المدرسة بعشرة ! والكل يدفع بدون جدال .. أليس يوماً مفتوحاً ؟!!
وحذار أن تُحضر التلميذة نقوداً قليلة !! وليس أقل من مائة ريال ، العصفور بالقفص سعره عشرون ،والأرنب بثلاثين ولا يكادان يعيشان طويلاً بعد البيع.أما الحلويات الملونة وما في حكمها فقد تم استئجار آلة صنع حلوى القطن من إحدى مدن الألعاب،وتقوم بالعمل عليها إحدى المعلمات التي طالما حذرت تلميذاتها من خطورة هذا النوع من الحلوى بالذات !! ولعلك تعجب حين ترى التربويات في ساحة المدرسة يحرِّجن على بضائعهن(كلٌ فيما يخصها) حسب التعميم الصادر من مديرة المدرسة بدون رقم أو تاريخ !!
ولا يكتفى بالبيع فحسب بل إنه بدعوى الترفيه عن التلميذات من الملل ـ بسبب غياب المعلمات المتكررـ فإنه يتم التعاقد مع اختصاصية(الحنا)لنقش أنامل الصغيرات في باطن الراحة وظهرها،كما يعمد إلى صبغ وجوههن بالألوان للأشكال الكارتونية المختلفة فهذه وجهها يرسم كالقط وتلك..كالأسد،ولا مانع من رسم وجه الفأرة ! فاليوم مفتوح!! ومما يحز في النفس أن التربويات ـ اقتصاداً في التكاليف ـ يمارسن عملية التشكيل على الوجوه بأنفسهن!!
وقد تشفق على الصغيرات وهن يقفزن على( النطيطة !!)ولمن لا يعرفها ! فهي عبارة عن غرفة بلاستيكية مملوءة بالهواء، بابها وجدرانها الأربعة مصنوعة من الشِبَاك يحشر فيها حشدٌ من الصغيرات بعد أن تدفع كل واحدة خمسة ريالات لخمس دقائق فهن يتزاحمن ويسقطن على الأرض ويدوس بعضهن البعض بيد أنهن لا يبكين ـ كالعادة ـ بل يضحكن بهستيريا مؤلمة وحولهن(معلمات الأمن والسلامة)يرتشفن القهوة مع قطع (الجاتوه ) ويتبادلن الطرف و التعليقات على هؤلاء الصغيرات وهن يتدافعن ويصرخن !!
ولا تستغرب حين تجد كل معلمة قد أحضرت أسرتها معها ـ عدا الزوج طبعاً ـ فالأطفال الذكور حتى سن العاشرة والشابات والخادمة وجارتهم القريبة وقريبتهم البعيدة..فلا مانع من الحضور مادام الجميع سيشتري وتزداد جملة المبيعات!
أما الإدارة!! فهي غارقة وسط مجموعةٍ من النقود،فـهذه خمسون ريال أُخذتْ من تلميذةٍ لم يكن والدها مقتنعاً بهذا الأمر ولكنه لايود أن تكون ابنته أقل من غيرها! وتلك عشرة ريالات سقطت من إحدى الصغيرات وهي تتدافع مع زميلاتها وحين لم تجدها ذهبت للمعلمة لتخبرها بفقدها النقود فواجهتها بالزجر والإبعاد قبل أن تتم الصغيرة شكواها ! أما بقية النقود(من فئة العشرات والخمسات) فكل واحدة لو تكلمتْ لقالت الكثير!!
ولو سألتَ عن الغرض من تجميع النقود لأفدتك بأن واحداً من الأهداف هو صبغ أحد جدران المدرسة بلوحةٍ زيتيةٍ بألفي ريالٍ أو تزيد..وحين لا تروق الألوان للإدارة تغيرها …وتغيرها.. وتعيد صبغ الجدار طلباً للوحةٍ أجمل !! وما أكثر جدران المدرسة !! ولا يزال الجدار يُصبغ والنقود تُـجمع .. وتُدفع !! طالما كانت أيدي التلميذات تخضب، وتنقش ، ووجوههن ترسم بأشكال وجـه القط والفأر !…. والنتيجة آخر العام..ضعفٌ عام في مستوى الطالبات… وربما كانت الأصباغ بتلك الأشكال كما قد غيرت معالم الوجوه فقد أثرت على مستوى العقول !!
***********************
في ذلك اليوم لم يشعر أحد بغياب أحلام وشقيقاتـها …
ولم يتم اتصال الإدارة ـ كالعادة ـ على أسرتـهن !!
وزميلات أحلام لم يفقدن وجودها بينهن ..
فلم تكن زميلاتـها بحاجة إلى استفسار عن الواجب الذي لم يؤدى ـ كالعادة ـ في المنـزل !!
وأي واجب ؟! وأي استذكار ؟!
وهل هناك معلمة دخلت الفصل لتلقي الدرس أو تسأل عن الواجب ؟!
بل .. أي تعليم .. وأي تربية ؟؟ فاليوم مفتوح !!
***********************
في الغد كان غياب الطالبات مثيراً للدهشة …
وحين الاتصال بأسرهن تبين بأن سبب غياب بعضهن آلام في الأرجل والرقبة.. وبعضهن أوجاع ٌفي البطن ونزلات معوية..والبعض الآخر بسبب حساسية في الوجه …
أما المعلمات فكافأن أنفسهن بالغياب عن جهد الأمس !!
وحدها أحلام ، نجحت ـ في آخر العام ـ بامتياز وتفوق باهر …
بينما لا يزال وجهها مشرقاً … منيراً …
ليس لأنه لم يلطخ بتلك الألوان والأصباغ …
بل لأنـها اعتادت منذ ذلك اليوم ( المذبوح ) أن لا تستعجل في أداء الصلاة ، فهي بـها في حالة خشوع ، وقبل أن تصلي الفجر تسبقها بالسنة ، وتتبعها بالدعاء أن يهدي والدها وينير طريقه للرشد…. ويحفظ والدتـها ، ويمنحها الصحة … ويعينها ـ وأخواتهاـ على الاجتهاد في دروسهن في الصغر،وعلى حمل الأمانة واستشعارها والثبات على الحق في الكبر!
تاريخ النشر: 8 مايو 2004
كانت الأمة مجتمعة ومتحدة فدب فيها الاختلاف والتفرق وخرجت فيها الفرق والطوائف الكثيرة التي بسببها أريقت الدماء وتفرقت الكلمة وتشتتت الجماعة ، فكان لزاماً على أهل العلم والحق رد هؤلاء النافرين إلى جادة الصواب امتثالاً لقوله تعالى “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا” فمن استجاب هُدي ومن أبـى يؤخذ على يده حتى يعود حماية للمجتمع منه.
وحين حدث تفجير العليا بالرياض إبان حياة الشيخ الإمام ابن عثيمين رحمه الله تعالى قال: “….فالواجب على طلاب العلم أن يبينوا أن هذا المنهج خبيث(منهج الخوارج)وأن هؤلاء إما جاهلون وإما سفهاء وإما حاقدون، فهم جاهلون لأنهم لا يعرفون الشرع، فالشرع يأمر بالوفاء بالعهد وأوفى دين بالعهد هو دين الإسلام وهم سفهاء أيضا لأنه سيترتب على هذه الحادثة من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله فليست هذه وسيلة إصلاح حتى يقولوا إنما نحن مصلحون ، بل هم المفسدون في الواقع ،أو حاقدون على هذه البلاد وأهلها “ انتهى…
ولا نغفل الواقع الحالي الذي أصبح تعريفُ الجهاد عند بعض ممن يصفون أنفسهم بالمجاهدين هو قتل الكافر في أي مكان وفي أية حال وهذا الفهم الخاطئ تنقصه الرؤية الشرعية، فقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم في قريش يدعوهم إلى التوحيد ولم يأمر بقتل أو أذية أحد من المشركين ولو أمر لوجد من صحابته الجهاد بالنفس والمال والولد ولكن كانت الدوافع الأساسية الدعوة إلى التوحيد وتفنيد معتقدات المشركين ،وعندما طُلب منه قتل أحد المنافقين قال صلى الله عليه وسلم
لا ، حتى يقول الناس بأن محمداً يقتل أصحابه؟؟) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فالجهاد بالحجة أقوى تأثيراً بل إن أمماً تغيرت مفاهيمها بتأثير اندماجها في ثقافات أمم أخرى، وإن كان للجهاد (الحربي)وقت محدد وأحوال يقررها أهل الحل والعقد فجهاد العلم والحجة في كل وقت وفي كل مكان، وكم نحن بحاجة ماسة لعقولٍ نيرة تدافع عن الإسلام وتفند الشبهات، وتدرك أن الدين آية محكمة وحديث صحيح وأثر معتمد، وليس مجالاً للتكفير والتفجير والإرهاب فتُستحل الدماء والأموال بغير حق حتى قلبت عقول الشباب وجعلت نفوسهم مستعدة لأي عمل إجرامي تحت مسمى (جهاد) وهو إفساد لا ينصر ديناً بل يثير الأعداء ويخرب البناء ويهدم الداخل ويقوض العزائم ويصد عن سبيل الله.
والذي وقع في براثن الفتنة وعمل في غير عمل أهل السنة والجماعة فقد ظلم نفسه حين تسبب في قتل الأطفال والنساء والشيوخ من المسلمين أو من غيرهم ، أما من سلم من هذه الفتنة فقد نجا ! ورجوع بعض الدعاة دليل على وجود هذا الفكر الدخيل، وإن كنا نستبشر خيراً في العود الذي نرجو أن يكون حميداً وندعو لمزيد من العائدين، الذين قد لا يكون لمعظمهم دور في الأحداث بل إن كثيراً منهم ينكرها ويأنف من ذكرها فضلاً عن الدخول بها، وهؤلاء ( العائدون عن الخطأ ) هم على كل حال أبناؤنا وقلب الوطن النابض . والقلب يضعف والكبد تنـزف ولكن لا نتخلص منهما ونبترهما بل نعالجهما فلعل هذا القلب يعود لنبضه المعتاد وهذه الكبد تعود إلى أداء وظيفتها! فالوطن بحاجة إلى كل شخص مهما دنت مرتبته .
وكلنا آمل أن لا يصطدم شبابنا(العسكري ) مع الشباب (المتشدد ) لما سيترتب على ذلك من خسارة فادحة للفرعين اللذين هما في الحقيقة أصل واحد وسيشمل الضرر الجميع وستعم الأحقاد النفوس وتوغر الصدور ، فمن قُتل له ابن أو أخ أو زوج سيظل متألماً أبد الدهر، متذكراً ذلك الألم ، بينما علاج الانحراف بالحكمة والتروي يؤتـي نتائج طيبة ومريحة حتى لتلك النفوس التي جبلت على العناد والصلف وعدم قبول الحق إلا بعد حين ! وهي دعوة (لكل هارب ومطارَد ) أن يتوقف عن التخطيط والتدبير ضد أبناء وطنه من رجال الأمن أو المواطنين أو المقيمين ،ويفكر بالعودة وتسليم نفسه للسلطات، ولعله يجد ـ كما وُعِدَ ـ الاحتواء والعلاج الناجع لكل الأفكار الدخيلة، وتكون المحاسبة بعد العلاج ،حيث لابد أن يدرك ـ بعدها ـ كل من انحرف عن الطريق حجم الخطأ !! وإننا لنرجوا أن لا يتواجه الطرفان ، لتتوقف عندئذٍ شلالات الدماء الغالية ، فقد أثخنت الأحداث جراحنا !! واغتالت أفراحنا، وفجعت الأمهات، وترملت الزوجات وتيتم الأبناء .
ورجال الأمن هم أبناؤنا .. وأكباد الوطن التي تتفتت ، وقلوبنا التي تتفطر، ودموعنا التي تتحدر ، فلا تمسوها بسوء ، فتصبحوا على ما فعلتم …. مجرمين !!
تاريخ النشر: 1 مايو 2004
لقد ساعد على انتشار الفكر التكفيري تسلط الدول العظمى على البلاد الإسلامية،وظهور أجيال من الشباب يملؤها الحماس وعدم تحمل الضيم الذي يلقاه أبناء الشعوب الإسلامية المقهورة .
وحين ذهب الشباب إلى أفغانستان كانت الجماعات التكفيرية هناك قد ضربت أطنابها آنذاك وصنفت البلاد الإسلامية والحكام والعلماء (حكاماً وبلاداً كافرة،وعلماء مداهنين)وقابلت طائفة من الشباب كانت مهيأة لقبول أفكارهم ومعتقداتهم ومخططاتهم، فلم يبذلوا جهداً كبيراً في إقناعهم ،سيما أن بعض الشخصيات تميل للعنف والتهور كما هي سمات أكثر الشباب بهذه السن !وكان الدافع للذهاب إلى أفغانستان كثرة ما يسمع عن الجهاد، والرغبة بالجنة ، كما وجدوا هناك من يحرص على لياقتهم البدنية وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة من رشاشات ومسدسات،وقاذفات (RBG) والهاون والقنابل وتشريك المتفجرات وطرق تصنيعها وطرق الهجوم المباغت وحرب العصابات مع شدة في التدريب وما يصاحبه من عنف، وقلة الطعام، لتعويد الشباب على الصبر والتحمل حيث كانوا أحيانا يأكلون بضع تمرات، أو قطعة خبز ناشفة.فهم يعيشون حياة تقشف أقرب ما تكون لحياة الصحابة التي كان الشباب يقرأون عنها،ويعجبون بها ولم يروها،خصوصاً أن هذه الأمور حدثت أيام الطفرة وما تزامن معها من تكالب على الحياة المادية ورغد العيش! وكانت توجيهات قادتهم وإيحاءاتهم كلها توجه بنفس مسارهم مع الطاعة العمياء للأوامر!فهم في المعسكر يشددون في مسألة السمع لهم والطاعة دون مناقشة،بل تطبيق كامل ومباشر لما يقال،وقد شارك أغلبهم في معارك ضد الشيوعيين بينما قلة منهم تردد ولم يشارك في أي معركة حين رأى الأفغان المسلمين يهاجم بعضهم بعضاً وكلٍ يقول:أنا من المجاهدين ! وكلهم يصلي ويصوم ويؤدي الفروض !بينما يقعون في البدع والخرافات .
ويثار الجدل ـ حالياً ـ حول المطلوبين أمنياً بأن غالبيتهم ممن شاركوا في الجهاد ضد الزحف الشيوعي آنذاك،حيث الشكوك تحوم حول العائدين من أفغانستان باعتبار أن كل من جاهد في أفغانستان أصبح يحمل الفكر الإرهابي،والحقيقة أنه ليس كل من ذهب لأفغانستان للجهاد أصبح إرهابياً أو يتبنى الفكر التكفيري!!فهناك من ذهب وسلم من الفتنة ممن أدرك أن الجهاد في سبيل الله لإقامة الدين ونشره ولتكن كلمة الله هي العليا،وليس الغلو والعنف والإرهاب وتوظيف الدين لعمل تخريبي.والإسلام خالٍ من التطرف والعنف والإرهاب ولا يجوز إضافتها إلى الإسلام بأي وجه،فالمتطرف ليس داعياً للإسلام إنما هو داعٍ لآرائه وأفكاره فحسب . ومما زاد من أوار الفتنة أن بعض الدعاة انطلقوا بالتحريض على الجهاد بأسلوب عاطفي وحماسي بعيداً عن النصوص، بينما استند العلماء في مواقفهم على الكتاب والسنة، فاعتدَّ أصحاب الفكر التحريضي بأنفسهم ولم يرجعوا إلى أهل العلم،وتأثروا بالدعاة ممن لم يعُرفوا بالعلم والرسوخ فيه،وبسبب تعجلهم واندفاعهم بعدم الأخذ بأدلة القرآن والسنة والرجوع إلى العلماء أوقعوا أنفسهم في ورطة كبيرة وعظيمة فساهموا ـ علموا أو لم يعلموا ـ بقتل أنفس بريئة.وقد كان الصحابي ابن عمر يقول:”إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لها لمن أوقع نفسه فيها سَفكَ الدم الحرام بغير حله”.وهناك طائفة أخرى لم تسلك طريق العنف بيد أن في قلبها بغضاً للحكام والطعن فيهم فتتعاطف مع هؤلاء،وتتأثر بما يقولون وينشرون،سيما أن كثيراً منهم بعيد عن العلم وأهله ولو رجعوا إليهم لما وقعوا بالفتنة،وجنبوا أنفسهم الإثم .فالمسألة ليست جهاداً بقدر ما هي أفكار وافدة من الخارج ألقت بظلالها على الشباب وغررت بهم وسحبتهم باتجاهها وأوردتهم المهالك حين أبعدتهم عن منهج السلف الصالح وحرفتهم عن طريق الحق عندما استشهدت بأدلة (التترس)التي تعني (إذا كان القتال داخل المعركة وتترس الكفار ببعض المسلمين (أي وضعوهم أمام الصف)فيجوز أن يُقتل هؤلاء حتى يمكن الوصول للعدو)!ووطننا حالياً ليس في ساحة معركة بينما أبناؤنا يقتلون المسلمين في بلادنا بدعوى التترس وهذا يناقض الجهاد الحقيقي ! بل إنه يعتبر قتالاً وإفساداً وترويعاً للآمنين !وأكثر الشباب المغرر بهم ممن ذهب إلى أفغانستان التقوا بجنسيات ذات مذاهب واتجاهات مختلفة عما تعلمه أبناؤنا في بلادنا من تعاليم إسلامية تنادي بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، فضلاً عن جهلهم بأمور الجهاد مع دوافعهم العاطفية والحماسية وحب الشهادة،بسبب صغر سنهم وضعف إدراكهم ، فلم تكن لديهم أدنـى حصيلة علمية أو مرجعية فقهية، أو روابط قوية مع العلماء ، فهم يقبلون كل ما يعرض عليهم حيث الجهل بالدين وأحكامه والحماس غير المنضبط يفقد أهم أصول الجهاد ومقوماته وهو العلم ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )..
في المقال القادم ( إن شاء الله ) سيتم مناقشة آثار الجراح التي أحدثتها التفجيرات ، والخسائر التي يتكبدها الوطن ، وآلام الفقد التي أوجعته، وفجعتنا !!