تاريخ النشر: 24 أبريل 2004
استكمالاً لمقال الأسبوع الماضي حول هروب الخادمات من المنازل وعدم الالتزام بالمسؤولية المناطة بـهن وخطورة هذا التصرف على الأطفال وعلى الخادمة نفسها وتعرضها للخطر.ولعلنا نتساءل عن مبررات هروب العمال والعاملات من الكفلاء هل بسبب سوء المعاملة نظراً لأسلوب بعض الأسر غير اللائق إنسانياً وحضارياً مع العمالة المتواجدة في البلد؟ أم هو بسبب الفوضى والثقة العمياء والإهمال الذي يمارسه البعض ويستغله هؤلاء العاملون والعاملات ؟ أم أنه عود للتأخر في صرف المرتبات وعدم انتظامها ؟ أم أن هناك مافيا يشترك في تنظيمها بعض مكاتب الاستقدام الداخلية والخارجية ؟!ولأن مكاتب الاستقدام تمثل جزءاً من المشكلة ، فالواقع يحتاج إلى تصحيح أوضاع تلك المكاتب التي تدر على أصحابها مبالغ خيالية، وغير نظامية ،والسعي لإيقاف أساليب التحايل على القانون والمبالغة بالأسعار، وتجاهل التقيد بأوقات الاستقدام والتهرب من نصوص مفردات العقد !! وعدم وجود محاسبة قانونية من الجهات الرسمية التي يفترض أن تحاسب هذه المكاتب، هو ما أدى إلى مخالفاتها وتجاوزاتها واستمرار وقوع أضرارها على شريحة كبيرة من المجتمع . وعليه لابد من تحديد وتوضيح دورها بحيث يكون أكثر عدلاً بينها وبين المستفيدين من خدماتها ، ويحسن بمكاتب الاستقدام أن تكون غايتها خدمة المجتمع وتقديم خدمات عامة رفيعة المستوى،حتى وإن سعت إلى تحقيق الأرباح لأصحابـها،فإنه يجب عليها أن تضع في حسبانها مخافة الله تعالى والسعي إلى مرضاته.ولا يكون من أنظمتها وسياساتـها وإجراءاتـها ما يسيء للمتعاملين معها، ولا تسعى إلى تحقيق الربح على حساب الإضرار بالمصالح العامة ومصالح المواطنين بشكل خاص .ودخول بعضها في التأجير الشهري ( غير النظامي ) للعمالة المنـزلية دون عقود يضع علامات استفهام كبيرة حول هذه العمالة بأعدادهـا الهائلـة وأجورهـا الفلكية ، ناهيك عن مخالفتهـم الشرعيـة والوطنيـة في ذلك. إن حل هذه الظاهرة يتوقف في المقام الأول على وعي الأسر ومسؤوليتهم الكبيرة تجاه العمالة ، بأن يضعوا حدوداً للاحترام ومقداراً للثقة في الكثير من العاملين لديهم حيث تعمد بعض الأسر إلى تسليم العمالة مرتباتـهم بأثر رجعي تصل إلى عدة شهور نتيجة للثقة أو كسباً لودهم ، أو إشفاقاً عليهم حين تنساب الدموع ويتم خلالها شرح الأوضاع الاقتصادية في بلادهم ، فجل العمالة شكواهم موحدة: ( بابا فيه موت ، وماما مسكين، وسعودي طيـّب ، وفيه فلوس كتـير) والدفع مقدماً هو ما يغري العمالة بالهرب !! كما أن على الكفلاء واجب الالتزام بمفردات العقد لأن عدم الوفاء به يدفع بـهم إلى هذا السلوك رغماً من خطورته، والله تعالى يقول: (أوفوا بالعقود) وعدم إعطاء الأجير أجره، يحدث مشاكلَ عديدة أشدها: إيذاء الأطفال ، وتلك هي الكارثة ، ويليها: الهروب للبحث عن مصدر رزق آخر مهما كانت خطورة المجازفة . ولعلنا نتفق أن العمالة لم تحضر وتتكبد الغربة إلا لأجل المال، والمال وحده! ومن يعتقد أن المعاملة الحسنة وحدها دون تسليم الراتب في حينه يجعل العامل يتحمل ويقدِّر أوضاع الأسرة الاقتصادية فهو واهم مهما كانت تلك الظروف ! ومن لا يستطيع دفع رواتبهم بانتظام فلا يتجرأ على استقدامهم ، ومعظم العمالة الوافدة إلى بلادنا على وعي تام بحقوقها مهما كان مستوى تعليمها أو مستوى بلادها الاقتصادي أو الاجتماعي سواء أدغال أفريقيا أو أرياف آسيا !! ومما يحز في نفوس العمالة الوافدة (الخادمات) إغفال حاجاتـهن الإنسانية للتقدير والتعامل الإنسانـي وازدواجية الأوامر وكثرتـها من جميع أفراد الأسرة ، وخاصة الأوامر الصادرة من الأطفال بحدة وصلف ،وما يصاحبها من هدر كرامتهن وعدم احترام سنهن . والعمل لساعات متواصلة دون تقدير لأوقات الراحة التي يجب أن تتخلل ساعات العمل، والتقصير في حاجتهن للترفيه،فهن غالباً ما يرافقن الأسرة لرعاية الأطفال أو قضاء متطلبات بقية الأفراد! فهل سبق لأسرة أن قامت باصطحاب خادمة لمكان ترفيهي لأجلها هي بالذات لكي تروِّح عن نفسها ؟! وهل تم وضع جهاز تلفزيون ولو بقناة واحدة في غرفتها ؟ وهل توقف أحدنا في إحدى البقالات ليشتري للخادمة صحيفة بلغتها… ؟! بل .. هل تنام لوحدها أم تسهر حتى ينام أحد الأطفال بجانبها والذي نسيت والدته أنه ابنها ومسؤوليتها وتجاهل والده تذكيرها بذلك ؟!
وبعد…هل نجيد ـ حقاً ـ الأسلوب المثالي في التعامل مع الخدم أو العمالة المنـزلية بشكلها المتعارف عليه دولياً وحضارياً .. وقبل ذلك إسلامياً ؟!! و..هل عرفنا ـ الآن ـ لماذا يهربون ؟!
تاريخ النشر: 17 أبريل 2004
في ضحى أحد الأيام الباردة حين كانت السيدة مها تقوم بعملها في المدرسة، في الوقت نفسه ،كانت خادمتها المؤتمنة على طفلتين تنفذ خطة الهروب من المنـزل!وقد تمت العملية بنجاح ! فتحت العاملة الباب، التفتت يميناً ولم تلتفت شمالاً حيث كان صاحب سيارة أجرة يمر (صدفة) أمام باب المنـزل !! فأقلها لمكان يبدو أنه معروف لديها .
عادت مها إلى منـزلها وهي تحمل في حقيبتها بعض الحلويات التي وعدت بـها(نوف)ابنتها الكبرى ذات الخمس سنوات. وما أن فتحت الباب إلا ويهالها الوضع! فملابس نوم الطفلتين لم يتم تغييرها! ولاحظت أنـهما لم تتناولا طعام الإفطار بعد !ولم تكن الشغالة ضمن الوفد الذي يستقبلها عادة لذا فإن أول ما تبادر إلى ذهنها حصول ضرر للشغالة.بحثت عنها في المطبخ وفي غرفتها بل في كل مكان في البيت !عادت إلى غرفتها مرة أخرى لتتأكد من أمر ما، وبالفعل تأكدت….لقد هربت الشغالة ولم تراعِ وجود الطفلتين ومسؤوليتها تجاههما!!
تقول مها : لم تبدِ العاملة أي تذمر أو استياء ولم تشكُ من أي نوع من الأذى طيلة وجودها بينهم منذ ما يقارب السنتين،وكنتُ أصحبها معي في زياراتـي لأقاربـي حتى تلتقي بالعاملات من نفس جنسيتها فلا تشعر بالغربة.وكانت ذات سلوك حسن ، وقد وفرتُ لها سبل الراحة من غرفة مستقلة مع دورة مياه ، وأشاركها سعادتها حين تصل رسالة من أهلها وأستفسر عن حالهم.
بحثت السيدة مها عنها وأبلغ زوجها قسم الشرطة دون جدوى،وأُغلِق ملف الخادمة وبقي ملف الحاجة لخادمة أخرى مفتوحاً!! ولأنها امرأة عاملة ـ وعمل المرأة ذا أهمية بالغة ،كما يدعي البعض ـ ولوجود حلول عاجلة جاهزة ، لأن التجارب لدينا عامة وليست شخصية ! فقد نصحتها إحدى زميلاتها باستئجار عاملة مؤقتة قبل اللجوء لاستخراج تأشيرة ، واستقدام أخرى وأعطتها رقم هاتف شخصٍ متخصص في هذه الأمور.قامت(مها) بالاتصال حيث وجدت على الخط أحد الوافدين واتفقت معه على التسليم والاستلام في منـزل أسرتـها حيث كانت تقيم هناك لحين الحصول على (شغالة) وقد أصر الوافد على توصيلها مجاناً، ولم يكن الاتفاق تحريرياً بل كان شفوياً بشرط استلام نصف المبلغ الذي يعادل راتب العاملة لشهر واحد.وبالفعل وصلت العاملة للمنـزل حيث كان والد ( مها) ينتظرها أمام البيت،وحين نزلت الشغالة المصون وإذ بها طريدتهم !نعم هي ( سيتي..)!! انـهارت الشغالة وادعت أنها ضحية إغراء مادي من إحدى العاملات من نفس جنسيتها التي تعمل عند أحد أقارب السيدة مها والتي أحضرت من أحد المكاتب (حل مؤقت بسبب هروب خادمتهم) حيث حدثتهن عن أشخاص يستطيعون توفير عمل لهن برواتب أعلى من التي يحصلن عليها حالياً . فزودتها بعنوان الشخص المسؤول عن تنفيذ عمليات تـهريب الخادمات وتشغيلهن لدى الغير. وقد قام والد مها بتبليغ الشرطة بعد أن أمسك بـهذا الوافد وذهبوا إلى المنـزل الذي اتخذه سكناً للخادمات وقد وجدوا لديه مجموعة كبيرة من الخادمات الهاربات من كفلائهن،وذكر الوافد أنه ضمن شبكة مختصة في تهريب الخادمات يمثلها أشخاص يتخذون من المطارات الدولية مقرات لهم حيث يقومون بتوزيع بطاقات تحوي أرقام هواتف داخل السعودية على الخادمات قبل سفرهن وتتضمن توصيات بالطرق التي يجب إتباعها عند رغبة الخادمة في الهرب من كفيلها! ويقدم أعضاء الشبكة عروضا مغرية للخادمات مقابل العمل تحت مظلتهم كما يقومون بتوفير السكن والإعاشة والعلاج للخادمات الهاربات إلى حين حصولهن على فرصة عمل مناسبة . وهناك ذكرت مجموعة منهن أن سبب هروبهن هو تأخر كفلائهن في دفع المرتبات التي تصل إلى الشهور متناسين أن لهن احتياجات والتزامات مالية ولديهن أسر يعتمدون في معيشتهم اعتماداً كلياً على راتبها الشهري.بينما أعادت مجموعة أخرى منهن سبب الهروب للبحث عن الحرية التي لم تتوفر لها في منـزل الكفيل. وذكرت أخريات أن السبب يعود للمعاملة السيئة التي يجدنـها من بعض الأسر.
في المقال القادم ـ إن شاء الله ـ ستتم مناقشة دواعي هروب العمالة من الكفلاء وعلاج ذلك وفق رؤية اجتماعية !
تاريخ النشر: 10 أبريل 2004
في الأسبوع الماضي وعبر مقال ( عباءة الوزيـر) ناشدتُ وزير الصحة أن يتعطف بإضفاء عباءة حنانه على أبناء طبيبات وممرضات المراكز الصحية، ولم أكن أتوقع من الوزير ـ ذاته ـ أن يبادر بخلع عباءته ليغطي بـها إنسانياً أبناء الوطن كافة !!
أقول ذلك بعد أن تلقيتُ من معالـي وزير الصحة مكالمة هاتفية ، ذات نكهة وطنية تضم بين جوانحها انتماءً لـهذا البلد العزيز ، حيث أبدى هموماً وزارية ، وطموحاتٍ شجاعة ، وحماساً نحو توطين وظائف الطبيبات والممرضات وإحلال الكفاءات الوطنية محل الوافدة من موقع الإحساس بالمسؤولية الوطنية ، والشعورٍ بأن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة ، وقد ازددتُ فخراً حين أشاد معاليه بسلوك الممرضات المواطنات النابع من أخلاق شرعية، وكأنه يتحدث عن أخواته ، بل هنَّ أخواته بالفعل !
وازدادت نبرة الحماس لديه وهو يبشِّر بتشييد مراكز صحية على مستوى تقني عالٍ ، فهو يدرك أن تهيئة المكان المناسب تنعكس إيجاباً على الأداء ، أما قمة الطموح لديه فهو تحقيق مشروعه الصحي الكبير الذي يتمثل في حصول كل مواطن على العناية الصحية المنشودة !!
وحقيقة.. حين يجد الكاتب التجاوب من المسؤول أياً كان مركزه الوظيفي فهذا يعني أن الصحافة ليست جريدة تُطوى بنهاية غروب شمس ذلك اليوم ، بقدر ما هي صوت المواطن والمعبِّـر عن رأيه ، والناقل الحقيقي لواقع القطاعات الخدمية ، والعين الثالثة للمسؤولين المخلصين ، فهي تؤدي خدمة مجانية لذلك القطاع حين يتم استثمارها للنفع العام بعيداً عن النيل وتجريح الأشخاص . والمسؤولية الوطنية ما هي إلا مصطلحٌ مزدوج بين المسؤول والمواطن ، وتبادل الأدوار يعني الرقي بالـهمِّ الوطني من درجة التذمر والشكوى إلى صيغةٍ للعمل المشترك في سبيل الوصول إلى آليةٍ للإنتاج وليس تبادل الاتـهامات والنفي والإثبات طلباً للبراءة!
ولا بد أن نؤمن بأن الصحافة ليست للتدليس أو التنفيس بقدر ما هي مطالبات عامة وجادة . والكاتب عندما يركِّز على نموذجٍ أو حالة تحتاج للدراسة أو إعادة النظر فإنه يخلع عنه قلنسوة (كاتب المعاريض ) ليرتدي بزة المتحدث باسم المواطن الذي يحمل الهـمَّ الوطني والاجتماعي !
ولعل الوزير حين قرأ عن معاناة ذوات الدوامين في مقال الأسبوع الماضي توقع أن المقصود امرأة أرملة تعمل ممرضة في مركز صحي بشرق الرياض أو جنوبـها ولديها مجموعة أطفال وتعيش حيرة بين متطلبات وواجبات العمل وحقوق تربية أبنائها ! وقد تفضل معاليه بإبداء المساعدة العاجلة لتلك المرأة !! إلا أن ما تم إيراده في المقال لا يعدو عن كونه نموذجاً ، أو رمزًا لحالة عامة ، وأن ذوات الدوامين هن جُل الطبيبات والممرضات (الأمهات ) في المراكز الصحية والمستشفيات واللاتـي يطالب أبناؤهن بحقهم الطبيعي منهن : تربية وعناية واهتمام ، ولا أخال الدكتور المانع إلا امرؤ ينشد المواطن الصالح الذي ينهل من الأمومة التربية والتوجيه والإرشاد، مثلما يرتـئي ـ الطبيب الوزير ـ من الأمهات أن يقمن بالرضاعة الطبيعية من أجل صحة أفضل للطفل !! وما فساد التربية أو التفريط بـها والتهاون فيها إلا علة إخفاق الأمم ، بل هي مرض وسقم قد لا يدخل في اختصاص وزارة الصحة ، ولكنه بالتأكيد يعد من أولويات اهتمام الدكتور / حمد المانع الأب المربـي .. والمواطن .. والإنسان !!
وإنسانية الوزير التي تبدت بقرار السماح للأطفال بزيارة والديهم المنومين أو أحدهما، نأمل أن تسري بنفس التدفق والعطاء، وذلك بالسعي لتوفير الدواء لكل مريض بدلاً من شرائه من الصيدليات التجارية ، وتوفير الأجهزة الطبية، والمختبرات ، والأشعة،في مراكز الرعاية الأولية المساندة لعمل الطبيب،والتي من شأنـها أن تمكِّن الطبيب من الكشف المبكر للأمراض المزمنة والتي يصعب شفاؤها بعد استشرائها !!
أما الخطوة المرجوة ـ يا معالي الوزير ـ فنأمل من خلالها الشروع برفع المكاتب من عيادات الأطباء واستبدالها برف صغير ـ بجانب سرير الكشف ، إن وجد ـ لكتابة الوصفة فحسب . فكيف يتم الكشف على المريض والطبيب جالسٌ على كرسي وثير يفصله عن مريضه طاولة المكتب التي يصل عرضها إلى المتر أو يزيد !! ولعل في تلك الخطوة اختصاراً لطوابير انتظار المرضى وقوائم الانتظار التي قد تصل لعدة أشهر !! فما عرفنا عن الأطباء إلا الاستعداد والوقوف … الوقوف في وجه الأمراض، وما سمعنا عن الصيادلة إلا التأهب والتهيؤ لتحضير العقار وصرف الدواء ، وما علمنا عن الممرضين والممرضات إلا أنـهم أجنحة رحمة لمرضاهم ، وما من عمل إنسانـي نبيل يصل لمرحلة السمو، مثل عمل الطبيب ، يأتيه المريض تعصف به رياح الألم ذات اليمين وذات الشمال ، فيأمل ذلك المريض من طبيبه أن يرحم ضعفه ، ويحفظ سره ويكرم وفادته كما كرّمه ربه ..
نناشد ـ أولئك كلهم ـ الإنسانية والأمانة والإخلاص في العمل ..فهل يفعلون ؟! لنقوم ـ نحن المواطنين ـ بشكر صنيعكم .. وندعو الله أن يعينكم على تحمّل المسؤولية و حمل الأمانة !!
تاريخ النشر: 3 أبريل 2004
وجهها يوحي بسنٍ أكبر من السن الحقيقي لصاحبته.. فهو مشوب بحزن نبيل تعلوه ابتسامةٌ تليقُ بمسمَّى وظيفتها!!
هي ممرضة في أحد المراكز الصحية الذي اعتاد أن يبعثَ واحدةً من الطبيبات وممرضةٍ لمدارس البنات لإلقاء محاضرات توعوية للتلميذات .. تطلب الممرضة معلومات عن أعداد التلميذات ، والأمراض المنتشرة بين الصغيرات وتُسجِّلُ تلك المعلومات في ورقةٍ رسمية أحضرتـها معها ..
شكرت الممرضة وكيلة المدرسة واعتذرت لها عن استخدامها مكتبها .. وبعد أن أنـهت مهمتها قدمتْ لها الوكيلة فنجاناً من القهوة تعبيراً عن الضيافة المعهودة ، وأثنت على نشاط الممرضة التي بادلتها بابتسامةٍ أشرقت من ذلك الوجه الحزين ! وقالت : هذا النشاط مصاحب للعمل الصباحي، أما المسائي فعسى أن يتوبَ علينا الله !!
وحين استفسرت الوكيلة عن مغزى كلامها، تحدثت الممرضةُ عن معاناتـها وبعضِ زميلاتـها المتزوجات من الدوام المسائي! فدورها في الحياة ليست ممرضة فحسب،بل أنـها تقوم بدور الأم والأب في الأسرة وذلك بعد وفاة زوجها منذُ عدةِ سنوات،وقد ترك لـها ثلاثةَ أبناء أكبرهم يبلغ الآن ثلاثة عشر عاماً،وأصغرهم في الصف الأول الابتدائي،وحين كانوا صغاراً كانت تستعينُ بمربيةٍ ترعاهم بعد أن تغلقَ عليهم بابَ المنـزل حتى عودتها بعد المغرب!تستأنف حديثها.. أما الآن وقد كبروا فلا أستطيعُ إغلاقَ باب البيتِ عليهم،بل إنني أحرصُ على أن يؤديَ ابني صلاتـي العصرِ والمغرب جماعة في المسجدِ القريب من مسكننا،واستدركت لتقول:حقيقة لستُ أدري ماذا يحدثُ بين الصلاتين ! فالشباب في هذه السن يحتاجون لملاحظةٍ دائمةٍ وحثٍّ مستمرٍ على المذاكرة وعدمِ إضاعة الوقت.نعم،لقد تمكنتُ ـ بعونٍ من الله ـ أن يكونَ أبنائي متفوقين ، ولكن لستُ أدري هل أستطيعُ المواصلة أم سأضطر للتوقف ؟!
في كل يومٍ دراسي قبل أن أذهبَ إلى عملي أقوم بإيصالهم إلى مدارسهم،وأحضرُ في وقتٍ باكرٍ لعملي،قبل بداية الدوام الرسمي للمركز ، وأبقى في العمل إلى ما بعد نـهاية الدوام أنتظر خروج أبنائي لاصطحابهم للمنـزل.ثم أستأنف العمل المسائي الذي كان يناسبني في وقتٍ ما،إلا أنني وزميلاتـي المتزوجات ممن لديهن أطفال لا يناسبنا نظام الفترتين مطلقاً.
أشعر أن هناك شيئاً ما.. يقلقني ويؤثر على مستوى أدائي للعمل،فابني المراهق لا أعلم ماذا يفعلُ أثناء غيابي ،وحين أعودُ مجهدة تبدأُ مشاركتي لهم وهم يستعدون للعشاء والنوم ويتوجهون لغرفِ نومهم !! فأهدهد الصغيرَ،وأنصحَ الكبيرَ، وأروي الحكايةَ للأوسط الأثير ، الذي يأبـى النومَ إلا حين يحتضن يدي….وتعود بي الذكريات حين شجعـني زوجي ـ رحمه الله ـ على الدراسة في الكلية الصحية وذلك بعد أن لمس في شخصيتي جانبَ العطف والرحمة بالضعفاء،ولما تخرجتُ رأيتُ أن أعملَ في المركز الصحي وسط نطاقٍ نسائي،وكنت أشعر بالمتعة سيما أنني أحببتُ عملي وأحسستُ بالانتماء للمكان والزميلات اللاتـي شاركنني المتعة في أدائه خصوصاً العمل المسائي الذي أعودُ منه وفي جعبتي بعضَ المواقف الطريفة التي أُحدِّثُ زوجي عنها ويشاركني حماسي بتشجيعه الدائم لي وحثي على بذل الجهد، والإخلاص في أداء العمل،حيث كان هذا مسلكه في عمله.ولم أكن أشعرُ بالمعاناة من الدوام المسائي إلا بعد أن أصبح لدي أبناءٌ بحاجةٍ إلى الرعاية ومتابعة تحصيلهم الدراسي .
حقاً إنني ما زلتُ أُحبُ عملي ولكن ينتابني الضيقُ والقلق وأحياناً الندم على الاتجاه لعملٍ محددٍ كالتمريض بسببِ نظامِ
2
الفترتين، وأفكر بالانتقال إلى عملٍ كتابي ، أو مراقبةٍ في مدرسة ، أحضرُ صباحاً وأنصرف في الظهيرة حتى ولو فقدتُ جزءاً من مرتبي ومميزاته !! هذا إذا لم يُعدَّل الدوامُ ولو لفئةٍ من الموظفات ليتزامن مع دوام المدارس.وهذا الأمر مشتركٌ بين موظفات المراكز الصحية ممن لديهن أبناء ويعملن في الصباح والمساء سواء طبيبات أو ممرضات! وتنتفي المعاناة ممن ليس لديهن أطفال حيثُ يجدن نفسَ المتعة التي كنت أجدها قبل أن أرزق بأطفال .
فـهل تَـتْرك هذه الممرضةُ عملها وهي تشعر بالانتماء لـه ؟؟ وهي (العصامية) التي تكسبُ بيدها اليمنى وتُهدهدُ أولادها بيدها اليسرى وتدفع عجلة الوطن بسواعدها الأمينةِ المخلصةِ ؟! ولو انتقلتْ إلى دائرةٍ أخرى.. ألن يخسرَ الوطنُ إحدى الأجنحة التي تُحلقُ به نحو النماء والبناء ؟!!
ألا يمكن أن يمنحَ الوطنُ لـهذه الممرضةِ وزميلاتـها الاستقرارَ ، ولأبنائها الأمانَ والدفءَ في أحضانِ والدتـهم لتقيهم صقيعَ الحوادثِ وهبوبَ رياح الأيام ؟!
فهل يتكرم معالـي وزير الصحة ويُضفي عباءة حنانه على هؤلاء الأطفال وأمثالهم لينعموا بالدفء وحرارة المشاعرِ مع والدتـهم مساءً ، ويحتسوا من هذا المعين الذي لا ينضب ، والذي أجزم أن معاليه ـ وهو كبير ـ يجتاحه الحنين للعودة لأحضانِ والدته الدافئة ! فكيف بأولادِ ذواتِ الدوامين ؟!!