تاريخ النشر: 31 يناير 2004
الإعلانات التجارية لأنواعٍ عديدةٍ من ماركات الساعات المختلفة الأحجام والألوان والأشكال، حتى يخيلَ إليكَ أننا مجتمعٌ يولي الوقتَ والمواعيدَ جُلَّ اهتمامه! وإذا أمعنا النظر في أوضاعنا العامة نجدُ أنَّ إهدار ساعات الزمن تُعدُّ متعةً لدى البعض،ونوعاً من الوجاهة لدى البعض الآخر حين لا يصلون إلا آخر المدعوين حتى لقد باتت هذه العادة السيئة هي السمة الغالبة على اجتماعاتنا على الرغم أن شريعتنا عدت إخلاف المواعيد من صفات المنافقين بل ووضعت الاهتمام بالوقت وبالمواعيد من شروط تمام العبادات كالصلاة والصيام والزكاة وحتى الحج “واذكروا الله في أيامٍ معدودات” وقال صلى الله عليه وسلم”الحج عرفة”وهو بذلك يقصد الزمان وليس المكان لأنه كما هو معروف عرفة موضع لا يتحرك من مكانه ولكن عدم الوقوف فيه في اليوم التاسع من ذي الحجة يفوت حصول الفرض.
وإذا عدنا لاهتمامنا بالشكليات دونما المضمون نجد أن اهتمامنا بأنواع الساعات الحائطية في الشوارع وفي المساكن والممررات في المباني وفي السيارات والآلات الحاسبة وأجهزة الهاتف والتلفزيون والفيديووساعات اليدوالأصابع والأقدام تباع بأغلىالأسعار وأبخسها! إلا أننا لازلنا نرى الشوارع تغص بالسيارات وفيها يعمدسائقيها لقطع الإشارات وحصول حوادث في الطرق وإقلاع طائراتٍ بأقل عددٍ من الركاب بسبب قلةِ الاهتمام بالوقت أولعدمِ وضع مسافةٍ زمنيةٍ بين المواعيد!وماضياع الفرصللمجتمعات إلا بسبب التأخر في الوصول إلى الحضارة والتقدم.فالأمم المتحضرة ترسم كل خططها ومستقبلها التنموي متزامنة مع الوقت فهناك خططٌ قصيرة المدى وخططٌ طويلة المدى كماتبني منشآت ومصانع على حسب الوقت،ولديهاما يسمى بالعمر الافتراضي للمباني والطرق والمركبات،وإن تخطت العمر الزمني المقررلها تكون خطراً على الإنسان،لذا يتم التخلص منها بالطرق القانونية.
وما استحداث البطاقات الخاصة بالدخول والخروج من العمل إلا للمحافظة على الوقت وعدم تعطيل مصالح الناس إضافة إلى تحديد وقت كل بطاقة شخصية أو مصرفية تنتهي به ولكل اشتراك فترةٌ زمنية، ولولا ذلك لضاعت حقوق وفقدت مصالح. وكل تلك الجهود محاولة لكسب الوقت وعدم هدره.
إنَّ الاهتمام بالوقت وإدارته لابدَّ أن يبدأ منذ الصغر مع الأطفال بتعويدهم بربط الواجبات العامة وأوقات النوم والراحة وتناول الطعام بأوقات الصلاة وذلك بتناول الإفطار بعد صلاة الفجرثم الذهاب للمدرسة،وبعد صلاة الظهر تناول وجبة الغداء،أما بعد صلاة العصر فهو للمذاكرة وحل الواجبات،وبعد صلاة المغرب تناول طعام العَشاء الذي تعقبه الصلاة ثم الخلود للنومِ والراحة.
ولو سرنا على النهج الرباني الذي اختطه لنا الإسلام لأصبحَ برنامجنا اليومي موحداًكما هو في شهر رمضان الذي يجتمع فيه المسلمون في البقعة الواحدة في وقتٍ واحد على تناول طعام الإفطار،وفيه تخلو الشوارعُ ويأوي الناس لمساكنهم حتى يمرَّ شـهر رمضانَ بسرعةٍ هائلة لاشتراك المجتمع في برنامجٍ موحد !
وهل الأمرُ صعبٌ لـهذه الدرجة؟! ونحن نرى شبابنا يتهاوى صباحاً وهم يتجهون لمدارسهم والموظفين نحو أعمالهـم،والأمر ذاته ينطبق على الأطفال ويمتد أحياناً للشيوخ! حتى أصبحت سمةُ السهرِ ليلاً والنوم نهاراً أمنية تتوق لها نفوس الفاشلين الراقدة في أجساد المعتلين وممن لديهم “أنيميا” في الهمة وشحوب بالأهداف وغشاوة في الرؤية وجهل بحكمة خلقهم وهو العبادة التي قننت كلَّ ركنٍ وواجبٍ في وقتٍ محددٍ ومعلوم ،وأن الحياة لـها نـهاية حيث حددها الله بقوله تعالى”لكلِّ أجلٌ كتاب” وما دامت الحياة تُحتسب بالوقت أفليس حريٌ بنا ـ نحن المسلمين ـ الاهتمام به والمحافظة عليه وهو الأغلى من الذهب !!
تاريخ النشر: 24 يناير 2004
إن التعليم ، والثقافة، والتربية الأسرية والاجتماعية تؤلف في مجموعـها منظومة في مفردات الوعي الذي يعد مسؤولية جماعية يتحملها الجميع. وغياب هذا الوعي يدل على ضعف في مقومات التكوين النفسي والاجتماعي ، وما نلمسـه أو يشاهده غيرنا من انعدام الوعي لدى شريحة كبيرة من المسلمين يعكس الوضع المتدنـي الذي تعيشه الشعوب الإسلامية! ولا نعدو الحقيقة حين نقول إن ذلك من ضمن الأمور التي أدت إلى تشويه صورة الإسلام عند الغرب، وحري بالفرد المسلم أن يكون متمسكاً بالصورة المثالية للإسلام المتمثلة بالنظافة واتباع النظام في كل مكان وزمان ، وحسن التعامل والأدب والسلوك الحسن قولاً وعملاً وهذه الخصال من الأمور التي حث عليها ديننا الحنيف وذكرت في مواضع عديدة في القرآن الكريم(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) كما أن السنّة المطهرة أكدت على ذلك الوعي فضلاً عن سيرة السلف الصالح من المسلمين في صدر الإسلام وما فيها من مواقف تشهد بأسبقية الإسلام لهذا الوعي الإسلامي المثالي. ومن هيأ الله له الحج أو العمرة يلحظ ويأسف أن الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة من أكثر المواقع التي يتجسد فيها انعدام الوعي حيث يشاهد الكثير من الصور والمواقف السلبية التي يمارسها بعض الحجاج.فالحاج لا يكاد يفرق بين قدسية هذا المكان وغيره وبالتالي يمارس تصرفات ويرتكب أخطاء سلوكية ويتفوه بكلمات بعيدة عن التهذيب تخالف السلوك الإسلامي المفترض في هذا المقام المبارك! ومن أشكال هذه المخالفات اعتياد البعض الأكل وإلقاء المخلفات وبقايا الأطعمة والبعض الآخر لم يبالِ بقدسية المكان فأحضروا أطفالهم الرضع وانشغلوا عن العبادة برعايتهم أو أهملوهم لأجل أداء الركن ،ناهيك عن التسابق ومضايقة الآخرين والازدحام المتعمد عند أبواب الحرم وفي الطواف والسعي ، وأثناء رمي الجمرات، وعدم مراعاة كبار السن والمعاقين الذين يتطلب وجودهم الرأفة والرحمة،فضلاً عن اتخاذ الحرم مسكناً وإقامة بشكل غير مقبول حتى أصبح من المألوف أن تشاهد أشخاصاً يفترشون الشوارع وينامون أفراداً وجماعاتٍ داخل الحرم أو بالمشاعر المقدسة سيما قرب المكان المخصص لرمي الجمرات في مشاهد غير حضارية لا تليق بالمسلمين!مع تعريض أنفسهم للخطر،وما تشكله ظاهرة الافتراش من مظهر سيء حيث ذكرت الإحصائيات الصادرة من وزارة الحج أن نسبة كبيرة من حجاج الداخل من المواطنين والمقيمين افترشوا الأرصفة والطرقات في المشاعر المقدسة في موسم حج العام المنصرم نتيجة عدم وجود مخيمات خاصة بهم, في إشارة إلى أن هذه الأعداد غير النظامية من حجاج الداخل لم يتعاقدوا مع الشركات والمؤسسات المختصة بالحج.وعليه لابد من تكريس مفهوم النظافة في الحج كونها مطلباً شرعياً وصحياً،إضافة إلى أنها تعكس حضارة الأمم وتتأكد الحاجة لها في أيام الحج. فينبغي الاهتمام بتوعية الحاج بأهمية النظافة لما لعلاقة ذلك بالصحة والحماية من انتشار أية أوبئة أو أمراض قد تؤثر عليه ولا تمكنه من أداء حجه، وحماية بيئة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة من التلوث،كما لابد من قيام وزارة الحج بإلزام مؤسسات الطوافة بضرورة تقديم النصح للحجاج وتوعيتهم بمراعاة النظافة والحرص عليها. وعلى الوزارة مسؤولية التنسيق مع حكومات الدول الإسلامية وسفارات المملكة في الخارج بعمل ندوات ومحاضرات توعوية للحجاج في بلدانهم توضح فيها الطرق السليمة التي بها يؤدي الحاج مناسكه بكل يسر وسهولة،وبعد وصولهم للمملكة يحسن بالحملات ومؤسسات الطوافة توفير المناخ الملائم للعبادة وبث الوعي الديني والسلوكي داخل المشاعر والتنبيه للمخالفات الشرعية وحث الحجاج على استغلال الوقت لأداء الشعيرة فأيام الحج قليلة وسريعة،وقد لا تتكرر في أيام العمر القادمة مرة أخرى.وكثير من الإخوة المسلمين عقد النية للحج والعمرة وتكبد مشقة السفر إلى البلاد المقدسة ودفع مبالغ طائلة ولكنه في النهاية يجد نفسه وقد خدش حرمة المقدسات وأساء إلى إخوانه الحجاج بتصرفات سلبية وكلمات سيئة ، وشوه المعالم الحضارية التي وفرتها له الدولة لتسهيل مهمة الحجاج وأداء مناسكهم. ولاشك أن مهمة التوعية الدينية والسلوكية وخاصة في هذه الأماكن المقدسة شاقة وكبيرة، بيد أن صعوبتها لا يعني استحالتها بل إنها فرصة سنوية لتقويم انحرافات ، وتغيير منكرات، وتصويب مفاهيم شرعية، وسلوكيات خاطئة، تحقيقاً لقوله تعالى ” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” وهي مهمة جليلة يجدر أن نفخر بالقيام بها، وأكِرم بـها من مسؤولية !!
تاريخ النشر: 17 يناير 2004
ما إن يقترب موعد بداية الإجازات إلا وتبدأ إشاعات التمديد والتأخير لـها!!
وعلى الرغم من طول مدة الإجازة لدينا إلا أن هوس التمديد لا يزال هاجس الموظفين والطلاب على حد سواء! فقد تصل إجازة العيد الواحد إلى أسبوعين، ولا تكاد تجد من يستاء لطول إجازات الأعياد لدينا رغماً عن التكاليف الإدارية والمالية التي تتحملها الدولة ، والهدر الاقتصادي فيها سواء على مستوى الحكومة أو على مستوى الأفراد حيث يتزامن وقت الإجازات بالزيادة في الإنفاق سواء بتكاليف السفر أو قضاء أوقات خارج المنـزل للنـزهات وحضور المناسبات ، بل وخلقها إن لم تكن في جدول الإجازة، أولم تقرر مسبقاً!وكأنه لا يمكن أن تقضى الإجازة في المنـزل للاسترخاء وتفقد متطلبات الأسرة .
ولو أعيد النظر بالإجازات الطويلة للعيدين بحيث لا تزيد عن خمسة أيام لكل عيد،مع إمكانية منح أيام إضافية لمن يرغب بأداء فريضة الحج بعد الحصول على ترخيص بذلك. على أن ترحل الأيام الباقية من إجازة العيدين للإجازة السنوية لتكون ثمانين يوماً للمعلمين وخمسة وأربعين يوما ًللموظفين بدلاً من ثلاثين يوماً المقررة حالياً.ويمكن للموظف التمتع بـها دفعة واحدة أو تقسم على دفعتين أو ثلاث حسب رغبته،بحيث يكون هناك مَن يقوم بعمله أثناء إجازته،وهذا الإجراء من شأنه أن يوقف التعطيل الحاصل حالياً لمصالح الناس واحتياجاتهم سيما لدى القطاعات التي تقدم خدمات مباشرة كالمستشفيات والبلديات، وقصر وقت الإجازة يقلل من فرصة السفر خارج البلاد لبعض المواطنين،كما أنه داعية لعودة الموظفين والطلاب لأعمالهـم ومدارسهم بصورة ديناميكية بعيداً عن الكسل،حيث في بلادنا الغالية اعتاد الناس ألا يحضروا في اليومين اللذين يسبقان الإجازة واليومين اللذين يتبعانـها وإن حضروا فإنـهم ينصرفون في وقت باكر، لدرجة أن ذلك أضحى عرفاً تتوارثه الأجيال!!
وقد يعود السبب في التكاسل بالعودة للعمل لعدة عوامل مثل التربية ,وفقدان الشعور بالمتعة عند أداء العمل والهدف المرجو منه ،كما أن لبيئة العمل نفسها دور في ذلك إضافة إلى انعدام فهم المعنى الحقيقي للدور الذي تقوم به القطاعات التي يعملون بـها في سبيل التنمية،لأن شعورهم أنـهم يعملون فقط من أجل الحصول على مرتبات،هو ما يجعلهم ينتظرون الإجازات بل ويعشقونـها ,وبالتالي هو السبب في تأخير معاملات الناس وضعف الإنجاز وهذا يشير دون أدنـى شك لرسوخ الكسل والخمول في نفوس موظفي القطاعات الحكومية بالذات وعدم الجدية في أداء العمل .
ولعل من المجدي إعادة تأهيل موظفي القطاعات الحكومية عبر دورات تدريبية تنمي فيهم حب العمل،و تجعلهم يشعرون بالهدف الذي من أجله يعملون .كما لابد من إيجاد ضوابط إدارية تكفل للوظيفة والمدرسة الاحترام المطلوب وذلك بقصر مدة إجازات العيدين على أيام معدودة مع قيام الجهات الرقابية بدورها المتمثل بالمتابعة المستمرة .وعلى وسائل الإعلام حث المواطنين وتوعيتهم نحو احترام الأنظمة. وضرورة مشاركة الأسرة وذلك بتعويد أبنائها حب العمل والانتظام في المدرسة من خلال تمثيل والديهم القدوة بالالتزام بأوقات الدوام وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية..
وبعد… ألم يــأن الأوان لنقول : حيا على العمل… فقد مللنا الكسل !!
تاريخ النشر: 10 يناير 2004
مـا إن تمر عدة سنواتٍ على قضاء المعلم في مهنته حتى يحاول الخروج منها بعملٍ إداريٍ إما داخل المدرسة أو خارجها.وقلة قليلة من المعلمين والمعلمات ممن يستمر في وظيفته حتى التقاعد! وتجد أن استمارات الترشيح لمسمى (وكيل أو مدير أو مشرف تربوي أو مرشد طلابـي)تتزايد سنوياً في استنفارٍ عجيبٍ للهروب من هذه المهنة التي تعدُّ أم المهن كلها وأكثرها إشراقاً.
إن هذا الهروب المقـنَّع من مهنة التعليم يُشير لوجود خللٍ في الانتماء للمهنة ، وربما يعود ذلك إلى أن الدخول فيها لم يكن اختياراً ضمن خيارات ، بل إن المعلم لم يجد وظيفة إلا التدريس فتقدم لـها وتمَّ قبوله للحاجة لمن يشغل وظيفة ( معلم ) وليست الحاجة إلى ( المعلم ، المربـي القدوة ) ! والملاحظ أن بعض المعلمين محسوبون على التعليم وهم لا يمثلون القدوة الحسنة المطلوبة في المعلم كشرطٍ للقبول ،فالبعض منهم يستخدم الألفاظ النابية وغير اللائقة ، وقد يشتم أو يضرب ويُسفِّه أو يحقِّر طلابه ! وقد يكذب أو يُخلف بالوعد فيظهر بصورةٍ سيئةٍ أمامهم . إضافة إلى عدم التـزامه بالوقت ، وقلة الإخلاص. فضلاً عن ضعف التأهيل ، فالطالب الذي تخرَّج من الجامعة بتقدير ( مقبول ) لا يفوق الطالب (الراسب ) إلا بدرجةٍ واحدةٍ فقط ! بينما يتفوق عليه الطالب الحاصل على تقدير ( امتياز ) بما يزيد عن 30 درجة ثم يعمل كلاهما بالتدريس !! وتفاجأ حين ترى أن بعض المعلمين الحاصلين على تقديرات عالية والناجحين أكاديمياً يفشلون في توصيل المعلومة بطريقةٍ سليمة بسبب ضعف التأهيل التربوي أو عدمه حيث يلاحظ أن خريجي بعض الجامعات و الكليات أصبحوا معلمين ومعلمات دون تأهيل (تربوي )! أضف لذلك عدم الشعور بمسؤولية المهنة وما تقتضيه هذه المسؤولية من كون المعلم مربياً قبل أن يكون موظفاً! فالتعليم مصطلح عام لكل جوانب المعرفة الشرعية والثقافية والتوعوية .والمسؤولية ترتبط بالأمانة ارتباطاً وثيقاً ومرجع ذلك للآية الكريمة ” إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها ، وحملها الإنسان ، إنه كان ظلوماً جهولاً ” فالجبال رفضت هذه الأمانة لارتباطها بمسؤوليات ثقيلة ، بينما المعلم قَبِل هذه الأمانة بانتسابه لمهنة التعليم ، ولكنه لم يدرك المسؤوليات المناطة بـهذه المهنة العظيمة !!
والحقيقة أننا نُحمِّل وزارة التربية والتعليم مسؤولية ضعف انتماء المعلم لمهنته بسبب اعتماد الوزارة على الكم دون الكيف، حيث أن فتحها مجال أكبر لوظيفة معلم جعلت التعليم مهنة منْ لا مهنة له!! وكذلك دخول المعلم للميدان التربوي دون تأهيل،وكان الأجدر المرور على تدريبٍ لا يقل عن عامٍ دراسيٍ كامل قابل للإعادة في حالة عدم الحصول على التأهيل المطلوب مع الدِّقة وعدم تدخُّل المحسوبيات والواسطات سيما وأن ذلك له ارتباط بتنشئة أجيال الأمة وله علاقة بمستقبلها وحضارتـها.إضافة إلى افتقاد عنصر الدعم المعنوي للمعلم المتميز،الذي يسعى لتطوير مهنته وابتكار الوسائل التعليمية المناسبة لهـا،وفي الوقت ذاته يملك الحس التربوي والأبوي تجاه تلاميذه!!
ترى متى نرى في مدارسنا من يتحسس طلابه،ويتلمس حاجاتـهم النفسية،ويرفق بـهم،ويوجههم للنظافة الشخصية والاستحمام دون تعنيف ـ وكأنهم أبناؤه ـ مثلما يطالبهم بالتزام الأدب،واحترامه،وبحل الواجبات ومذاكرة الدروس؟!
تاريخ النشر: 4 يناير 2004
تم التطرق في المقال السابق إلى أن المتسوقات يفقدن قدرتـهن على التفكير السليم بمجرد دخولهن السوق! حيث قام مجموعة من الباحثين الألمان بقياس النشاط الكهربائي في جزء الدماغ المسؤول عن التعامل مع الحس السليم والتفكير المنطقي للنساء المتسوقات ووجدوا إن ذلك الجزء من العقل الذي يتحكم في العواطف والمشاعر يعمل بأكثر من طاقته القصوى،بل يبلغ حد الانفلات أثناء التسوق، وعلى إثر ذلك تم التساؤل:(هل التسوق حاجة أم رغبة أو أنه للمتعة والفرجة؟) وقد خرجنا بحقيقة مفادها أن التسوق تحول من حاجة إلى تضييع للوقت فحسب،وفي نـهاية المقال تم تشخيص هذا الهوس بانصراف تفكير المرأة عن الادخار أو تنمية مالها بما يعود عليها بالفائدة فتبدد أموالها في التسوق كما أن رغبتها بالتقليد واستقلالهـا المادي عن الرجل ووجود سيولة نقدية بيدها، من الأسباب التي أدت لهذه الظاهرة،فضلاً عن انشغال الرجل بأموره والتنصل عن مسؤولياته تجاه أسرته أفضى لتفرغ المرأة فهي لا تستطيع التخلص من مشاعر الكدر والتوتر ولا تكاد تجد راحتها النفسية إلا في السوق.
والدعوة ملحة لوزارة التجارة والصناعة ممثلة بهيئة حماية المستهلك ومن يمثلها في وسائل الإعلام المختلفة لتثقيف المستهلكين وإسداء النصح والتوجيه لهم حتى لا يقعوا ضحية وفريسة للاستهلاك الفوضوي باعتبار أن بعضهم ينقصهم الرشد فيُخدع باحتفالية البائع بالزبون،وتنوع وسائل الجذب كالإبـهار بأشكال الديكورات والإضاءة والتكييف. كما ينبغي ترشيد الاستهلاك عن طريق التخطيط لما سيتم شراؤه وتحديده قبل الشروع بالتسوق،وذلك بوضع قائمة بالطلبات وبالتالي أخذ ما يكفي من المال للتسوق لأن هذا يحد من الرغبة في الشراء مع ضرورة الحزم وإلغاء الأشياء الأقل أهمية،ولابد من إدراك أن يأتـي شراء الاحتياجات قبل الرغبات ،ولاسيما حين اصطحاب الأطفال للسوق عندما يجد الوالدان أنفسهم تحت وطأة وإلحاح الأبناء لتحقيق رغبتهم في شراء كل ما يرونه مع أقرانـهم، ويحبذ عند الشراء لهم اشتراكهم في نوع واحد خصوصاً الألعاب أو الهدايا وذلك حين يكونون متقاربي الأعمار أو متشابـهي الرغبات.
كما أن مسؤولية الوزارة تكمن في وقف انتشار الأسواق بـهذا الشكل الأخطبوطي والعشوائي،التي ساهمت في تدمير الوعي الاستهلاكي لدى المواطن،فأسواقنا تفيض بمنتجات العالم والإعلانات تتكالب عبر الشاشات العملاقة وتضيق الخناق على بعض المستهلكين وتحاصرهم،فتزداد رغبتهم في الشراء،ويحسن بالجهات المختصة الحد من التدفق الإعلانـي للسلع الأجنبية الذي يسعى لتغيير ثقافتنا بأخرى وافدة تدعو للاستهلاك والتبعية الثقافية،وفقد الهوية الوطنية،هذه الثقافة التي تعزز الميل إلى الوجدانية ومن خلالها يرتبط الفرد بالسلعة عاطفياً فيقوم بشرائها رغم عدم حاجته لهـا،ويبد أن التسوق ثقافة استوردناها ضمن ما استوردنا من مواد استهلاكية ومسلسلات تلفزيونية وأفلام أجنبية حتى تحولت من متعة المشاهدة إلى أداة لنقل ثقافة منتجي ومسوقي ومصدري تلك الدول لمجتمعات نامية ذات فكر تبعي وانبهار بكل ما هو أجنبي ونبذ المحلي، وهذا بحد ذاته يعد ضربة في خاصرة الإنتاج الوطني الذي يفتقد كفاءة التسويق،على الرغم من جودة الإنتاج!
وواجب الوزارة والغرف التجارية يكمن في كبح جماح التجار نحو الربح الفاحش الذي يصل إلى أضعاف ثمن السلعة ، فمن يقارن بين الأسعار في متاجر صغيرة وأخرى في مجمعات تجارية ضخمة يجد الفرق شاسعاً،حتى أصبح من المألوف أن من يشتري من متاجر في أحياء بعينها فعليه أن يضاعف السعر لدرجة تصل إلى خمسة أضعاف (دون مبالغة) ولست أعلم مدى مشروعيتها؟ وهل الوزارة تتابع مثل هذه الحالات؟ كما ينبغي التدخل الرسمي بحيث لايكون للموقع أوالديكور دور في رفع قيمة السلعة ومن ثم الدخول في المباهاة بين الناس في الشراء من أسواق بعينها بـهدف الحصول على مكانة اجتماعية،مما يخلق هوة سحيقة بين أفراد المجتمع الواحد حيث يتحول التسوق إلى وجاهة أكثر من حاجة كما هو ظاهر بالسعي لامتلاك السلعة ومن ثم سرعة تغييرها وأكبر مثال على ذلك الرغبة والتنافس للحصول على الجديد والمبتكر على الرغم من السعر المرتفع للسلع التي يحكمها التسوق غير الناضج ، ويقع اللوم على المجتمع نفسه الذي يرفض الواقع ويعيش بإمكانيات أكبر من دخله الاقتصادي عندما يحاول تقليد الطبقات العليا،وهو ما ينذر بانـهيار الطبقة المتوسطة! فتتحول العملية من تسوق واستهلاك للسلع إلى إهلاك للمال وقتل للوقت واغتيال للفكر وتدمير للقيم!!
ألا ترون أنه بات من الواضح أن الدول المتقدمة استطاعت أن تزيد الاستهلاك عن طريق تحويل السلعة إلى ثقافة حيث أصبحت رمزا وصورة للمجتمعات المتقدمة ،فيحلم المجتمع الفقير والشباب بالذات بهذه السلعة والحصول عليها ومن ثم يقع فريسة للاستهلاك عن طريق تسويق ثقافتهم التي أصبحنا مستهلكين لها بعد أن كنا منتجين لثقافة تحمل خصوصيتنا. فهل نحن مدركون.. أم غافلون.. أو أننا سادرون ؟؟!