مقاضــي رمضـان

تاريخ النشر: 25 أكتوبر 2003

 ما أن يقبل شهر رمضان حتى تبدأ في المجتمع حالة استنفار قصوى أقرب ما تكون إلى الحُمـى!ليتردد السؤال المعتاد:( شريتوا مقاضي رمضان) ؟؟! تشارك في هذا الاستنفار الإعلانات في الصحف، والمنشورات التي نجدها تحت أبواب منازلنا لأنواع محددة من المأكولات والمشروبات المتوفرة أصلاً في المنازل والأسواق والبقالات طيلة العام ، والفارق الوحيد هو ارتفاع أسعارها وإقبال الناس عليها، وأصبحت مرتبطة بالعادات الرمضانية أكثر من الحاجة الفعلية لها ! كالمعكرونة  والشعيرية والشوربة والكريمة و(لقمة المتهم) التي لا تغيب عن موائدنا أبداً ، والسمبوسة تشكّل منها المعجنات  والحلويات على مدار العام إلا إنه (يستـعز سوقها ) في شهر رمضان الكريم الذي سمـي كريماً لأن الكرام لا يثقلون على مضيفيهم ! إلا أننا بإدراك منا أو بعدمه قلبنا المفهوم حتى لقد تحولت دلالة هذا الشهر إلى عرض للمنتجات،و مهرجان للتخفيضات في الأسعار وبرامج للتقسيط،في غياب كامل للوعي الاستهلاكي الذي نطالب به دون أن نسعى لتطبيقه!!أما القنوات الفضائية فتتسابق على اختصاص هذا الشهر بالمسلسلات والبرامج التي تصرف الناس و (الشباب بالذات)عن العبادة وحشد المسابقات التلفزيونية التي تتصف بالطابع الديني والمتاجرة بالقرآن الكريم والسنة النبوية لأغراض تجارية ودعائية!!كما ارتبط مفهومه لدى شريحة كبيرة من الناس بالتسوق والشراء والتنوع في الأكل والشرب ، والزيارات والسهر، في انقلابٍ جذريٍ لمدلول رمضان كشهر عبادةٍ، وتـهذيبٍ للنفوس، وفرصة للبذل والعطاء وهنيئاً لمن كانت مكاسبه الدينية تفوق مكاسبه الدنيوية . فالفرائض الإسلامية ليست واجبات دينية يؤديها المسلم وتعبر دون أن يأخذ منها المغزى الحقيقي والدرس التربوي ويستشعر الجانب التوجيهي فيها، وليس من ظاهرها فقط ! فالصيام عن الأكل والشرب فيه تعويد على الصبر والإيمان والتقوى والورع ، وليس القصد منه تعذيب النفس أو إيذائـها بحرمانـها من الطعام . وكذلك فيه تدريب على الالتـزام بالأوقات والمواعيد والتواصل والشعور بحاجة الآخرين مع الرفق واللين عند التعامل.وهي دروس تحتاج لتأملٍ طوال العام بعد أن عايشها المسلم شهراً كاملاً وتربـى على الـهدي الإسلامي بطواعية ليكون باستطاعته تطبيقها دون عناء في جميع مراحل عمره .

والشكل الذي عليه المسلمون في رمضان الآن من السهر لغير عبادة والإسراف في الأكل والشرب في الليل لغير حاجة والـهروب للنوم في النـهار يجعلنا نتساءل بصدق ـ مع إيماننا بأهمية التواصل العائلي وبين الأصدقاء ـ هل هذا هو المعنى الشرعي لصلة الرحم وتفـقد الأحوال ؟أم أن الأمر لا يعدو عن كونه استعراضاً زائفاً لأنواع الأطباق التي تتفنن سيدة المنزل  و(شغالتها ) بإتقانـها أو جلبها من المطاعم التي قد لا تتوفر فيها أدنـى مقومات النظافة !!حيث أنه( لا تمسه الأيدي ) ـ كما يدعون ـ بينما قد تمسه الأرجل !!ونعود لنتساءل لِـمَ لا نشعر بالثراء الفكري والمعرفي في زياراتنا لبعضنا حتى ولو كان الأصل فيها صلة الرحم ؟حتى بات أحدنا يعود بعد كلِّ زيارة وهو لا يحمل من وزر صرف الساعات الطويلة إلا أخبار مستهلكة أو طُرف سخيفة.وتحولت الزيارات العامة والخاصة إلى مجاملات وقضاء وقت فراغ يمتد لساعات متأخرة من الليل وبعدهـا نشتكي من مواصلة العمل و الدراسة في رمضان والمطالبة بوقفها أو تأجيلها!!والتقاعس عن أداء الأعمال في هذا الشهر بالذات يُظهر الحاجة الماسة إلى تأصيل مفهوم رمضان التعبدي والدعوة إلى تفقيه المجتمع المسلم بمدلولاته العظيمة كتشريعٍ وتـهذيب ورقي بالذات،وأنه فرصة سنوية لاستشعار قيم عالية تتمثل بالعبادة والعمل، وممارسة الصبر، ومحاسبة النفس، وتغيير السلوك للأفضل.إن مجتمعاتنا الإسلامية لا تخلو من وجود فئات مغيبة عن الحق وتحتاج للتنبيه فحسـب، لأنـهم اعتادواـ جماعات وأفراد ـ أن يمارسوا عادات اجتماعية قد لا يكون ظاهرها مخالفة للشرع ولكن في باطنها يكمن البعد عن التعاليم الشرعية ، وتلك الفئة تحتاج للتذكير وإيجاد البدائل …                                      

غداً رمضان.. وبالمناسبة شريتوا مقاضي رمضان ؟؟!!مـا أوصيكم..(الله..الله… بالسمبوسة والتوت و…البراطم الحمراء!!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

الطبـق الشَـــِّري !!

تاريخ النشر: 18 أكتوبر 2003

 تنادي سارةُ ـ الابنة الوسطي للسيد عوض ـ والدَها وهو يهم بالخروج،وتطلب منه إحضار طبق (جاتوه أو بقلاوة ) من محل الحلويات المشهور بعمل هذا النوع من الحلوى!وها هي تشيرُ لوالدها بلغة التحذير أن (لا يفشلها ) أمـامَ زميلاتـها ! فينظر إليها ويعضُّ شفتيه !!

  والسيد ( عوض ) أحدُ المطحونين في هذا المجتمع ،فهو يسكنُ منـزلاً شعبياً متهالكاً ، وله من البناتِ خمس، يدرسْنَ في مراحل التعليم المختلفة، إضافة إلى ابنته الصغرى ذات الخمسِ سنوات وسبعة شهور!

وهو حين يعضُّ شفتيه فهو ممتعض !  فالمنـزل صغير وغرفه لا تكادُ تكفي لأفراده،وكثيراً ما ظهرت الاحتجاجات من قِبل ابنته الكبرى ( نورة) وهي تطالبُ بغرفةٍ إضافية لأن غرفة البنات المشتركة أصبحت تضيقُ بـهم !وهي في مرحلةٍ مهمة في دراستها وتحتاجُ للتركيز أثناء المذاكرة .

    وامتعاض السيد ( عوض ) يأتي من قلةِ مواردِه ، فهو موظفٌ بسيط في إحدى الدوائر الحكومية وبالكاد راتبه يكفي ـ أحياناً ـ متطلبات أسرته ، ويحرص كثيراً على إشباع احتياجات كلِّ أفراد الأسرة عندما يستطيع ! كما أنه يهتم بالأمور المعنوية  فغالباً ما تجدُ ( فطوم ) ابتنه الصغرى بغيتها في جيبِ والدها من حلوًى زهيدة الثمن يستخدمها كإغراءٍ لـها على منحه قبلة المساء تطبعها على رأسِه المثقل بالهموم فتـنساب من وجهه ابتسامةُ الرضا ويحمدُ الله تعالى على هذه الذرية الصالحة ، ويستحضر قوله صلى الله عليه وسلم ” من عالَ جاريتين حتى تُدركا جاء يوم القيامةِ أنا وهو كهاتين وضمَّ أصابعه ” وتتوق نفسه الأبية لصحبة رسولِ الـهدى عليه السلام في الآخرة حين لم تتسنَّ له تلك الصحبة في الدنيا ويُثَنِّـي الشكرَ لله عزَّ وجل أن بناتِه سليماتٌ جسدياً ونفسياً من أيةِ عاهة، إلا أنه عندما يسمعُ همساتِـهن وضحكاتِـهن في غرفتِهن تنسابُ من عينيه دمعةُ عجزٍ ! فقد كان يتمنى أن أوضاعه المادية أفضل لكي يحققَ لـهن ما تتوقُ نفوسُهن إليه ..

     حين أخرج محفظته المهترئة أمامَ بائعِ الحلويات ـ المتورم دهوناً وسكريات من مخالطته الحلوى ـ سأل البائع عن أسعارِ بعض الأطباق ،وصورة (سارة ) تتقافز أمام ناظريه وسبَّابتها تلوحُ بـها بالـهواء محذرة إياه من عدم إحراجها عند زميلاتـها !!

  يدٌ تمسكُ بالمحفظة والأخرى يشيرُ بـها نحو الأطباق ..

 ( سارة ) لدى مدرستها حفلة غداً ، والطبق ” الخيري “! من أولوياتِ الحفلة .. لا زالتْ أصابعُ يده تُطبقُ بشدة على المحفظة ،وتذكر أنه قام بتجزئة بعض النقود إلى مجموعاتٍ صغيرة وكتب على كلِّ مجموعةٍ بورقةٍ صغيرةٍ:

   ـ  قسط إيجار المنـزل

  ـ  قسط سلفة ” أبو حمد “

  ـ  فواتير الماء والكهرباء .

  ـ قيمة  إصلاح مكيف غرفة البنات !

ووجد مجموعةَ ريالاتٍ لم تبلغ العشرة!وضع عليها ورقة صغيرة( حلوى فطوم )وانتهى توزيعُ راتبِ هذا الشهر! ووقع في حيرةٍ!! هل ينتظر المؤَجِرُ إيجار المنـزل للشهر القادم؟؟أم ينتظر”أبو حمد “تسديد السلفة والتي طالما تمَّ

 

 

 

 

  تأجيلها كثيراً ؟!أم أن شركة الكهرباء،ومصلحة المياه ستعذرانه لو علمتا أن( سارة)لديها طبقٌ خيري هذا الشهر ؟!

  وحين وقع نظره على المبلغ المخصص لحلوى ( فطوم ) أحسَّ بانقباضٍ في صدره وطرد الفكرة نـهائياً .

    ـ  آه … إنه المكيف … يمكن أن ينتظر إصلاحُه شهراً أيضاً … سيقوم بنقلِ مكيفِ غرفةَ نومِه إلى غرفة البنات ويمكنه أن يتحمَّلَ حرَّ (  سهيل ) … المهم ألاّ تُحرج (سارةُ ) أمام زميلاتـها … فتراه يُنقِّلُ بصرَه بين الأطباقِ وصورتـها لا تفتأُ تسيطرُ على تـفكيرِه …

   ـ  هذا النوع … وأشار إلى أحدِ الأطباق الفاخرة ، ونقد المبلغَ للبائع الذي قام بكلِّ خفةٍ بتغليفِ الطبقِ وهو يدعو له ولأسرته بالـهناء والعافية عند أكله!! ولم يعلم أن آخرَ عهدِه به حين تحمله (سارة) معها وتتجه  نحو المدرسة .

     تكررت الحفلات بمزيدٍ من الأطباق بدعوى … ( الخير ) حتى عمدت إحدى المعلمات إلى خصم  10درجات من كل طالبةٍ لا تُحضر طبقـاً (خيرياً ) ثمَّ استدركتْ المعلمةُ واكتفت بخمس درجات !! كل ذلك والتلميذات لا يعلمنَ مـآل هذا الطبق أو قيمته بعـد بيعه على الأمهات الذي يكون ـ أحياناً ـ بِيْعٌ بأجلٍ !! المهم أن يُباعَ فلا يبقى لغدٍٍ ويتعرض للتلف !! وكثيرٌ من الأمهات يشترين الطبق حرجاً أو تقليداً !! وقد يحدثُ أن تشتريَ الأم نفس الطبق الذي أحضرته ابنتها هذا اليوم ولكن بزيادةٍ في السعر !                                   

ومع فرضِ حُسنِ النوايا وسمو الـهدف، ومعرفة جهة الخير، فالخير ليس طبقاً ، الخير مبدأ ،لا بدَّ من  تعليمه  لأبنائـنا، وللخير أبوابٌ..لابد أن يدخل من خلالـها أبناؤنا مسلحين بعقيدةٍ راسخةٍ بأن المجتمع المثالي هو مجتمعٌ إسلاميٌ متكافلٌ لا يجوعُ فيه الفقير ،ولا يبطرُ فيه الغني ،مع الابتعاد عن الإلزام واعتماد السرية بحيث ” لا تعلمُ شماله ما تُنفقُ يمينه ” .

ومع التسليم التام بأن الطبق الخيري يعودُ ريعه لأصحاب الحاجة، فماذا تبقى للحرَّية الشخصية في دفع الصدقة للأقارب المحتاجين ، والجيران المطحونين برحى المتطلبات الضرورية ؟!!

 لقد ضُيِّق على الناس وأصبح الأمرُ يأخذُ بُعداً آخر هو المباهاة بين الطالبات بأفضلِ طبق ، كما هي المباهاة بين المدارس بأكبر مبلغٍ مُحصَّل بل مُمْتصٍ من دمِ وجهدِ الذين يتكففون الناس ولو كان بـهم خصاصة !

                                                        *******

حين حلَّ الشتاءُ بعد صيفٍ لافحٍ … تنفس السيدُ ( عوض ) الصعداء ، فلم يعد هناك حاجةٌ لإصلاحِ المكيف ولكنه امتعض وعاد يعضُّ شفتيه ويضغطُ على أسنانه فتُـحدثُ صريراً !!

 لقد عادت المدرسةُ بـهمومها وطلباتـها،وعاد الطبق الخيري يتبختر بين الطلبات!!

  هذه السنة “ستَّـةُ ” أطباقٍ خيرية  …   (( فطوم ستدخل المدرسة هذا العام ))  !!!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

نجـــــــــــــــــــــلاء

تاريخ النشر: 10 أكتوبر 2003

    دلفت المكتب برفقة معلمتها التي أبدتْ عزوفها عن مشاركة زميلاتـها الدرس والتحصيل ، وقلةاهتمامها وضجرها على غير العادة ! تركتها المعلمة وقفلت راجعة إلى فصلها .

 تــفـتر عنها ابتسامة باهتة ، بل تحمل غرابة !!

 داعبتُها ـ كعادتـي مع الصغيرات ـ وشرعت أقصُّ عليها حكاية…                                                            

 فلا تكاد تبدي إلا تلك الابتسامة الـهادئة التي ما لبثت أن أفلتْ بعد أن وصلنا إلى أهم فصول الحكاية !!

 عينٌ ترقبها ، والعين الأخرى يسكنهـا القلق والحــيرة!!

 ترى؟ لماذا لم تندهش ؟! ولم يبدُ على مرآة وجهها أدنـى مراتب الإنصات  ؟!

 أهزها بلطف بعد أن شعرتُ أن تلك الغمامة تكاد تمطر دموعاً ويغرق فيها الكلام !!

 لم نكمل القصة ! فالمقطع الأخير ظل منقطعاً ، بل معلقاً !!

أريدها أن تـهزنـي، وتلح علي وتطلب مني إكمال فصولـها !

ولكن نجــــــــلاء..لم تفعل !!!

  ” نجــــلاء  …نجـــــلاء “… أردد اسمها فكأن الأمر لا يعنيها !

 ترى .. هل نطقت بما جرحها ؟ أو بما آذى أحاسيسها ؟ أم أن القصة تذكِِّرهــا بموقفٍ لم يكن عابــراً في حياتـها ؟!

  كانت القصة عن العصافير.. وعن الاستيقاظ باكراً..

  وفرحة تلك الطيور بالنور.. ونشيدها، وتغريدها بأعذب الألحان …

وذكرتُ أن أحدها طار بعيداً، فافتقده أصدقاؤه !

  تعبث نجلاء بشعرها تارة ، وتارة أخرى ،تقضم أظافرها !!وتفرج أصابعهـا، وتتأملهـا، تارات عديدة .

 أصغي إلي يا نجلاء ! سأكمل القصـــــــــة ،

سيعود العصفور محملاً بالأخبار السارة وسيقصُّ على أصدقائه رحلة الاستكشاف…

 ” نجلاء ، نجلاء ” … سيعود العصفور …  اسمعي بقية القصة . 

  ما هذا الخمول، واللا مبالاة ؟! لـمَ لـمْ تشدها القصة ؟! إنـها ممتعة !

” نجلاء ، نجلاء “  أهزها بلطف…                                       

عندها .. بزغت تلك الابتسامة الحائرة….  وفجعتني تلك النظرة الشاردة..

هل تشعرين بألم  يا ” نجلاء “؟ أم أصابك الملل من سرد القصة ؟ إنـها جديدة !

 هذه المرة عن العصافير، والأخرى عن الفراشات…

 فـأنتِ العصفورة والفراشة ،             

  أنتِ كل الطيور المحبوبة والمألوفة والبريئة… أنتِ الكناري والبلابل،

 

 

       هيا ، أسْمِعِيني شدوك وتغريدك. .. أم نتابع القصة ؟

       رفعت ” نجلاء ” بصرها نحو هذا الجسد الماثل أمامـها ،

       وهذا الفم الذي لا يزال يتكلم أو يثرثر !

وكأنـها تقول : توقفي عن الكلام ، كفي عن الحديث !!!

 بيد أنـها لم تفعل ! لأنـهـا تعلم أن ذلك الجسد بداخله كهفٌ من الدفء والحنان والأمان …

 فهي تقترب منه رويداً رويداً ، وتصطدم بكل الصخور الخارجية لتختفي في دهاليز الشرايين ..والأوردة..

فجــأة : ترفع يدها نحو أذنيها لتعلنَ بصمتٍ، وحيرةٍ ، وألـم ، أنـها في هذه اللحظة  لا… تسمع !!

تُخرِجُ من أذنـها جهازاً وتشير إلى أن البطارية قد استنفدت طاقتها !! فتعطلت لغة الاستماع و..الكلام !

وبقيت لغة لا تحتاج إلى وسيلة !

 إنـها لغة الحب والتفاهم بين تلميذة في الصف الأول الابتدائـي  وبين مرشدتـها في المدرسة !!!                               

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

صديقتــــي البكـيريــة

تاريخ النشر: 4 أكتوبر 2003

   عصفت بـي الذكريات نحو ( البكيرية ) مدينتـي الصغيرة ، استقبلتني منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا ، وكانت بجانبي إلى حين ودعتها، إلى العاصمة الصاخبة، فكانت المقايضة غالية جداً ، فقدنا على أثرها الصحة بسبب تلوث البيئة وتتابع موجات الغبار،والهواء المحمل بدخان المصانع وعوادم السيارات.وكلما زادت الحضارة في المدينة نقص المستوى الصحي لسكانـها بفعل التلوث بلا ريب!!بينما هناك في تلك المدينة الغافية على صدر نفود(الغميس ) وما يحمله من رومانسية وهدوء كنا نتدفق صحة وعطاءً ونشاطاً.وكان الجهد الجسدي المبذول ـ ونحن صغار ـ يتفوق على الجهد الفكري بكثير ، فلم تكن الدماء تـهدأ في عروقنا، فـهي أبداً تجري وتتدفق باستمرارٍ وعفوية ، دونما أدوية أو عقاقير. عدا (المُرَّة والحبة السوداء ) نتناولهما بمتعة ! ويبقى الملح بالعين دواءً، وعقاباً، حين لا نصغي لتوجيهات الوالدة!! وكانت الوجبات لابد وأن يتخللها التمر واللبن دون إحساسٍ بالملل من تكرار هذه الوجبة حيث يتم تشكيل اللبن إما حليباً خالصاً بارداً ، أو حاراً حسب فصول السنة،أو زبادياً متماسكاً دون مواد إضافية، أما ” المراصيع ” مع السمن المنـزلـي،فهي الوجبة الرئيسة في الظهيرة من صنع يدي أمي،تعجن وتـهلل وتسبِّح وتدعو الله أن تكون (مداخيله العافية )!!

  تُرى كم عدد الأمهات اللاتـي يمارسن العجن ويعددن الوجبات اليوم لأسرهن دون تذمر ؟!!

  ولو تعلم كل أم يعانـي أبناؤها من أوجاع البطن و آلام الأسنان ، وصداعٍ دائمٍ حتى للأطفال ، لأدركت أنـها تـهدم أمةً قوامها هؤلاء الأبرياء الذين يأكلون من يدي الخادمة ، أو عامل المطعم الذي يمارس غسل يديه ولا مانع من غسل رجليه على العجين في تراجيديا محزنة ومخزية ، وهو يسخر بأمةٍ تأكل من صنع أيادي غيرها !! فلا لوم إذاً حين يعاودنـي الحنين إلى مدينتي الصحية ” البكيرية ” وتجتاحني غائلة الفقد للهدوء النفسي الذي يسكننا ونحن أطفال ، فلم نكن نعانـي من حالات الطفش والفراغ الملازمة لأطفال اليوم على الرغم من ندرة أو انعدام وسائل الترفيه آنذاك! عدا تلك الأحذية نجوب فيها بأصابعنا الصغيرة أرجاء البيت كناية عن سياراتٍ تسير بمحركاتٍ علوية!! وقد تشتعل شرارة الفتنة حين تتقابل سيارتان في مسارٍ واحد ويبدأ أثناءها العناد ، ليتم الصلح على يدي الوالدة التي تهددنا بالحلف على أمرٍ مجهول ، و يبقى حلفها أمراً مقدساً!! هذا ويعد الجيران من أكبر وسائل الترفيه وقتذاك ، فلا يكاد الغريب يفرِّق بين أبناء الأُسر في الحي الواحد إن لم يُدقِّق في الشَّبه ، فالنمط متقارب من حيث الشكل العام باللبس وطريقته وبساطته ناهيك عن تشابه المنازل ، عدا تلاصقها بحميميةٍ تشحنها عواطف سكانـها ، نقيض الجيران الآن فهم ـ في مجملهم ـ  لا يعدون عن كونـهم جدران إسمنتية وأسوار أنيقة معزولة حرارياً وعاطفياً فيما بينهم ، فلا يكاد المرء يعرف عدد أفراد أسرة جيرانه ، فضلاً عن معرفته بآلامهم وهمومهم !! بينما في ذلك الزمن الجميل لم يكن الجار أبـاً لأسرته فحسب،بل يشترك كل أطفال الجيران في هذه الأبوة ، فلا يكاد واحدهم يفرِّق بالمعاملة بين أولاده وأبناء جيرانه ،فالحلوى توزع بالتساوي ، كما التوجيه والإرشاد و(التعنيف)إن لزم الأمر وكأنه قد أُعطي وكالة من بقية الآباء..

  وإن حدَّثتُك عن تناول الوجبات سوياً مع أبناء الجيران سواء في منـزلهم حين يحضر الأكل ترى والديهم يمنحوننا شيئاً من الخصوصية لعلمهم بدوافع الحياء التي تمنعنا من التهام الطعام بحضرتـهم، وعندما يصادف وقت الطعام وهم في منـزلنا تجد والدينا يمنحونـهم كل الخصوصية في تبادلٍ للأدوار الإنسانية ذا نسقٍ عجيب!ولم يحدث قط أن جدَّ في البحث ربُ أسرة عن أولاده فحدودهم المكانية والزمانيـة معروفة.

  وما كنت لدينا حين يحلو اللعب وقت الظهيرة فيستلقي جارنا الشيخ على فراشه( في الليوان) طلباً للراحة وبحثاً عن البرودة، يلف شماغه على عينيه ،وعكازه بجانبه، ومهفته تتفلت من بين أصابعه حين يغفو، وفجأة، يقطع عليه إغفاءته مرور سربٍ من الأطفال، ليستيقظ هلعاً ـ من غير تذمر ـ فيدعو لـهم بالصلاح وما أن يغلبه النعاس حتى يعود السرب مرة أخرى قافلاً مع الطريق نفسه، وهكذا دواليك، حتى يُؤَذَّن لصلاة العصر فيتوضأ ويذهب للمسجد ولا يؤوب إلا بعد صلاة المغرب بعد أن يكون حضر(المجلس)المنعقد كل عصرٍ في السوق. وحضوره المتزامن مع التسبيح والتهليل يعدُّ إيذاناً بعودة كل طفلٍ إلى منـزله.فأي مكانٍ للأمراض النفسية وحالات الطفشِ التي يشكو منها أبناؤنا اليوم؟! وهل ثمة مجالٌ للغزو الفكري الذي يتعرض له أطفالنا عبر القنوات الفضائية والإنترنت والبلاي ستيشن ؟!

      والآن والذكريات تعود بـي وبكم إلى ذلك الزمن الجميل ومرتع الصبا لنكتشف ـ ونحن مدركون ـ أننا استبدلنا الذي هو أدنـى بالذي هو خير: صخب وحضارة زائفة عبثت بصحتنا، وشوشت أفكارنا، ومسخت أشكالنا.

 أفلا من عودة إلى ذلك الزمن الطيني، نشم رائحته، نشكو له تتابع هزائمنا ، وإرهاصات هذا العصر الجائر بمتطلباته ، وتسارعه وقسوته ؟!

     صديقتي ( البكيرية ): لم أنسَ قط أنني غبَّـرتُ قدمي في شوارعك بحثاً عن مجهول، وحين لم أجده، أو هكذا خُيِّل لـي ! رحلتُ وتركتك بحثاً عنه،  لأكتشف أخيراً أنه يسكن بين طرقاتك، ويقبع في أزقتك، وهاهو يقع الاختيار عليك (المدينة الصحية الأولى في الشرق الأوسط) فعمَّ كنتُ أبحث إذاً ؟! أليست السعادة في الصحةِ ؟ أليست الصحة هي الحياة ؟!

 لقد ضللتُ الطريق إلى الحياة !!

 عفوك… هاأنا ذا أعتذر عن عقوقي… أفلا من صفح ؟

 أعطيني رأسك ـ يا صديقتي ـ لأقبله!!

تصنيف: المقالات

Comments Off

اقرأ المزيد

© 2009 جميع الحقوق محفوظة.

Design & Development by VillaARTS, Powered by WordPress.

Delivered by FeedBurner