تاريخ النشر: 24 مايو 2003
ظهر فكر تكفير الدول إبّان اصطدام الرغبة في إقامة دولةٍ إسلاميةٍ محضة وبين قيامِ دولةٍ ٍ تدين بالإسلامِ عقيدة دون شريعة ، وظهر هذا الفكر وأصبح ينتشر في البلدان الإسلامية جميعها، حتى تطور إلى مصطلح تكفير الدولة على الإطلاق سواء التي تحكم بالشريعةِ أو سواها،حيث يرى متزعمو هذه الحملات بطلان القوانين الحديثة التي لم يرد لـها ذكرٌ في الكتاب والسنة ولو لم تتعارض معهما ، على الرغم من أهميتها في حياة المسلم . وزاد من قوة هذا التيار الواقع الذي يعيشه المسلمون من اضطهاد ، مما يُثير عاطفة الشباب بالذات فيندفعون بحماس إلى تغيير الأوضاع الحالية بحجة أنـها تعارض الشرع وأنـها جلبت العار والهزيمة للشعوب الإسلامية ، على الرغم من أن الدولة الإسلامية في نشأتـها قد سنتْ القوانين التي تسهل العمل واستعانت بالفرس والروم في ذلك ! إلا أن الصوت الـهادر حالياًًًً يتمثل بالإصرار على إخراج الكفار من جزيرة العرب دون التفريق بين المحارِب والآمن! وهل الكفار في بلادنا من أمريكا وأوروبا فقط ؟! أم أن هناك جالياتٍ من ودول أخرى غير مسلمة ، وقد تكون شيوعية ملحدة !! والإصرار على خروج غير المسلمين من جزيرة العرب مع قيام الحاجة لـهم في مجالات خدمية متعددة يتعارض مع الواقع سيما أنه وردَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ومازال هناك يهود في المدينة ، بل كان أحد جيرانه يهودي ! أسلم بعد أن رأى سماحة الإسلام من خلال أخلاقه عليه السلام ! ولئن بدأ هذا الصوت يعلو ، فإن له أطناباً ضاربة في التاريخ الإسلامي ، بيد أنه تطور بأساليبه حتى وصل إلى التطرف والانحراف ، وصار يجمع خليطاً من الأفكار ومزيجاً من الآراء الباطلة ومنها أن الغاية تبرر الوسيلة وما يحصل الآن من مظاهر للعنف هو نتيجة أفكارٍ ملوثةٍ منحرفة بحاجةٍ إلى التصحيح . حيث يبدو أن العقول التي تحتضن تلك الأفكار لم تنضج بعد ولم تستشعر المسؤولية ،لذا فإنه يُتوقع لـها النهاية حيث تمت ممارسة العنف بالجزائر وبدولٍ أخرى إلا أنها لم تصل إلى نتيجة. والمصطلح الثأري الذي يرى أن كرامة الأمة لا تسترد إلا بالدم ـ وحده ـ قد أدى إلى الانحدار بوضع المسلمين من سيئ إلى أسوأ! والواقع أن استرداد الحق لا يكون بالدم بل بالحوار والمجادلة الحسنة حتى لا يظهر الإسلام بالصورة الإرهابيةالمرتبطة بالتدمير والخراب والشراسة امتثالاً لقوله تعالى ” وجادلـهم بالتي هي أحسن ” وقوله تعالى ” ولو كنت فضاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك”وقوله عليه السلام” بُعثتُ رحمة “لذا لابد أن نتفق على أن الأسلوب المتخذ ـ حاليا ـ ًلاسترداد الحق المغتصب أمرٌ بعيد عن تعاليم ديننا الإسلامي فضلاً عن أنه أمرٌ ترفضه الفطرة السليمة ، كما أن الأخطاء في المجتمع لا يمكن أن تُعالج بالعنف وتضخيم فكرة الفساد ولا يمكن أن تكون حجة لترويع الآمنين وقتل المعاهدين . إلا أنه يبدو أن الفتاوى التي يستند عليها أولئك الشباب قد صدرت من أشخاصٍ يعتمدون على مرجعية تستنبط أحكام خطيرة من القرآن والسنة دون تدقيق ،وقلة العلم الشرعي تؤدي بصاحبها إلى الضيق بالرأي الآخر إذا كان مخالفاً له!! وتقوقع هؤلاء الشباب على بعضهم يؤدي إلى ضيق الفكر لديهم وقناعتهم بآرائهم القاصرة،بسبب النظرة الأحادية التي تمثل الجهاد على أنه(العنف) أو ليست الدعوة إلى الله على بصيرة نوع من الجهاد ؟! ألا يجدر بـهم التلقي من مصادر شرعية موثوقة والبعد عن الوصم بالتبديع والتفسيق لكل من خالفهم ؟!ولئن أخطأ أولئك الشباب في التصرف وفقدوا حياتـهم بسبب أخطائهم فإنه لا زال هناك من يتبنى تلك التصرفات بل ويغذيها، فعلى عقلاء الأمة علاج خطأهم بالتروي والحكمة فالفكر المنحرف لا يُعالجُ إلا بفكرٍ مستنير ! واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهتها،والإجراءات التي تتفق مع توجهاتـها وذلك بالتوعية عبر كافة الوسائل وتوجيه الأسرة إلى الالتفات لأبنائـها وتربية النشء وإبعادهم عن الوقوع أو التأثر بالتيارات المخالفة للشرع.
إن هذا البلاء الذي ابتليت به الأمة الإسلامية من اتجاه الشباب إلى اعتناق الفكر المنحرف سيؤدي إلى فقدان الأمة لصفوتها من الشباب سواء بموتهم أو قتلهم لغيرهم.إضافة إلى أن هذه الأفعال من شأنها أن تشوه صورة الإسلام الذي يرمز للسلام ،
بل إنه يؤذي الأمة الإسلامية برمتها ويجرح مشاعرها حين توصم بالإرهاب،كما أنه استهتار بكل القيم والمبادئ الإسلامية التي تستوجب تأمين الإنسان حتى ولو كان غير مسلم لا سيما حين يكون بينه وبين المسلمين معاهدة وذمة.
يأتي ذلك في الوقت الذي كنا نرجو من كل فردٍ مسلمٍ حين يسافر إلى بلاد الغرب أن تكون أخلاقه الإسلامية داعية لغير المسلمين الاقتداء به والدخول في الإسلام ،كما كانت أخلاق المسلمين الذين فتحوا البلدان في فجر الإسلام سبباً لاعتناق شعوبـها الإسلام قبل السيف!والرسول عليه الصلاة والسلام يقول(لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ويقصد بـها الغنائم رغما عن حاجة المسلمين آنذاك لتلك الغنائم! وقوله عليه السلام “إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعونـهم بأخلاقكم”
فأين الرفق والاجتهاد بالدعوة للإسلام ؟!!
وما بالكم أيها الشباب تشوهون صورة الإسلام الجميلة الناصعة المطرزة بالرحمة والتسامح، وتضيفون سهماً في رصيد بغض الغرب لنا ؟! فلا نتمكن من دعوتهم للإسلام ! ونحن إذ ننتظر منكم بناء الأمة الإسلامية فإذا بكم تقوضون ـ بأفعالكم ـ صرح الإسلام العظيم القائم على العدل والسلام !! فهل أنتم منتهون ؟!!
تاريخ النشر: 17 مايو 2003
تحدثنا في الأسبوع الماضي عن خطورة مرض الإيدز والدعوة إلى محاصرته ومواجهته قبل انتشاره، بعد أن ثبت وجوده. ولعلنا حين نعترف بوجود مرض الإيدز في مجتمعنا سواء كان نتيجة ممارسات خاطئة ومحرمة أو عن طريق نقل دم ملوث لأشخاصٍ أبرياء ، عدا العلاقة بين زوجين أحدهما مصابٌ بالمرض ، فإنه من الضروري مواجهة هذا المرض ليس بالعلاج فحسب، بل لا بد من فرض قيود عالمية على الدول التي تسمح بالإباحية ، وعدم السماح بوجود تلك الممارسات داخل أسوارها . وعلى منظمة الصحة العالمية دعم خطط التوعية والعلاج للدول ولاسيما الفقيرة . هذا على مستوى العالم ، أما على مستوى الحكومات فلا بد من إشهار سلاح الوقاية ضد المرض بالتوعية لسكانـها بكل الطرق الممكنة ، وتجهيز المؤسسات العلاجية للمصابين مع إمكانية العلاج مجاناً والحفاظ على سرية التحاليل الطبية ، وفتح خط ساخن لتلقي المعلومات بطريقةٍ سريةٍ حتى لا تُجرح مشاعر المتصلين الذين يطلبون المساعدة . وهذه الإجراءات من شأنـها أن توقف زحف المرض وحصده أرواح الناس .
إن نجاح خطط الوقاية والعلاج في مواجهة الإيدز تأتـي بداية من خلال تأهيل الأطباء وتمرسهم بالتعامل مع المرضى والنـزول للميدان للكشف عن المرض ، ثم التوعية بخطورته وإتاحة الفرصة للتعرف على المصابين وبالتالـي علاجهم . وحفظ كرامتهم لأن مريض الإيدز يواجه النبذ من المجتمع بسبب ارتباطه بالممارسات الخاطئة وتعاطي المخدرات حيث تشكل نسبتهم 65% من المصابين .
ولا بد أن ندرك أن حالة مريض الإيدز لا تتطلب العزل حيث يعد ذلك مفهوماً خاطئاً . وهنا يأتـي دور وسائل الإعلام برفع الغشاوة عن النظرة المجحفة لمريض الإيدز والمطالبة بدمجه داخل المجتمع والتعايش معه لأن طرق العدوى محدودة ، كما على المؤسسات التعليمية والتربوية دور توعوي ، وعلى الجامعات والمؤسسات الفكرية عقد ندوات للشباب سواء في النوادي الرياضية أو الأدبية وحتى المصانع والشركات ، وتوزيع منشورات تحذِّر من خطورة المرض في المطارات والمنافذ البرية والبحرية بحيث يكون طابعها الصراحة والشجاعة ، واستخدام لغة الأرقام والإحصاءات لأنـها أصدق مؤشر على وجود المرض وسرعة انتشاره . لا سيما للمرحلة العمرية الخطرة بين سن 15ـ25 حيث أنـها تفتقد للتوعية الكافية . وعلى شركات الاتصالات بعث رسائل (بالهاتف الجوال) ونشر التوعية عبر الفواتير للمطالبة بالنظرة الإيجابية لمرض الإيدز مع التوعية بمخاطر الإصابة به .
كما لابد من توجيه البرامج السياحية والعاملين بـها لمخاطر هذا المرض وإعطائهم معلوماتٍ دقيقة عن خطورته ومضاعفاته وصعوبة علاجه . على الرغم من وجود بشائر بإنتاج أدويةٍ رخيصة الثمن ـ نتيجة لتعاون منظمة الصحة العالمية مع حكومات بعض الدول ـ توقفُ مضاعفات المرض أو تحد من انتشاره ، إضافة إلى علاج الأعراض الانسحابية التي تبدو على المريض ومنها الشعور بالقلق والاكتئاب بسبب العزلة . وكذا الدعوة للاهتمام بمريض الإيدز اجتماعياً واقتصادياً حيث لا بد من تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والمالـي بالتعاطف مع هذه الحالات وتقبلها وخصوصاً من قبل الأسرة والأصدقاء بعد معرفة طرق الوقاية الصحيحة التي تضمن عدم انتقال المرض . ولعل إنشاء الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز يُعد نقطة مضيئة لتعاون الحكومات بتقديم الخبرات و الأدوية والدعم المالي لمواجهة المرض . وتنفيذ الأنشطة التوعوية التي قد تحسِّن الوضع بيد أنـها لا تُعد العلاج الناجع ! ولعلنا ندعو المصابين بـهذا المرض ـ من المسلمين ـ اللجوء لله سبحانه وتعالى بالدعاء الخالص أن يرفع عنهم هذا البلاء وخاصة ممن أصيب به بسبب ممارساتٍ محرمة . والمرض يعد خنجراً يُسدَّد في قلوب مجتمعات العالم بأسرها عندما ابتعدت عن الـهدي الربانـي واتجهت للعبث والفوضى في تجاهلٍ لسنة الله في خلقه حين تجرأت على المساس بحمى الله وحقوقه على عباده . ” وكذلك أخذُ ربِّك إذا أخذَ القرى وهي ظالمةٌ إن أخْذَهُ أليمٌ شديد ” .
وبعد…..ألـم يأن لنا أن نتخذ السبل الوقائية لإيقاف هذا المنجل عن حصد أرواح البشر؟!
تاريخ النشر: 10 مايو 2003
انقضى عام 2002 م بعد حصيلة 42 مليون شخص مصاب بالإيدز بعد أن كانت عدد الحالات قد سُجلتْ في الثمانينات إلى ما يُقارب 500,000 حالة يشكل الرجال فيها نسبة 55%والنساء 37% بينما يشكل الأطفال ما نسبته 8% وتعد هذه الأرقام تقديرية حيث يحول دون الحصول على الأرقام الحقيقية خوف المصابين من الكشف ، وعدم تأهيل القطاع الصحي للمبادرة في كشف المصابين والتشجيع على علاجهم .
والحقيقة أن التفاؤل في العلاج يُعدُّ ضرباً من الخيال مما يخول لنا دقَّ أجراس الخطر في وقتٍ لازالت الحالات فيه تُكتَشف عن طريق الصدفة دون تدخلٍ حكومي ! ولو أنه يجدر بالمصابين التوجه إلى مختبرات الفحص لولا أن المبادرة محفوفة بالمخاطر ، ومنها الخوف من العزلة حين يُكتشف المرض ، وهذا الشعور يعد لدى المصابين أضعاف الخوف من الموت .حيث يشتكي معظم المصابين من النبذ الاجتماعي ، وسبب ذلك الفيروس القاتل الذي يسكن أجسام حامليه فيحتفظون به بصمتٍ وألم !!
وتجدر الإشارة إلى أن أسباب الإصابة به هو العلاقات المحرمة والشذوذ ، فضلاً عن نقل الدم من شخصٍ مصاب إلى آخر سليم ، أو العلاقة بين زوجين أحدهما مصاب بالمرض ، ولا بد أن ندرك أنه عدا ذلك لا يمكن أن ينتقل سواء عن طريق التعامل العادي أو الاختلاط الطبيعي بين البشر !
ولعلنا لو أرجعنا أسباب انتقال المرض وجدنا أنـها تنحصر في الآتـي : ـ
1 ـ السفر للبلاد الموبوءة بـهذا المرض .
2 ـ كثرة اللاجئين والمشردين والعمالة ( حاملي الفيروس ) .
3 ـ قلة وسائل العناية والوقاية بالبلاد الفقيرة.
والخطورة تأتـي من كُمُوْنِ الفيروس داخل الجسم ، دون علم الشخص المصاب به فينقله للأصحاء الأبرياء الذين يواجهون ـ وبدون اقتراف ذنبٍ منهم ـ نبذ المجتمع لـهم وعدم قبولـهم أو التعايش معهم .
إن تصاعد الأرقام وتفاقم المرض لا يدعو للاطمئنان في ظل نقص الوعي الكافي بطرق الوقاية ، إضافة إلى أن ضعف البرامج الوقائية من شأنـها أن تؤدي إلى انتشار المرض . لذا فإنه يجدر بالقطاعات الحكومية والأهلية المختصة بث الوعي والوقاية لأن ذلك من شأنه التقليل من الإصابات التي ستحتاج إلى علاج ، وهذا العلاج فضلاً عن ضعف جدواه ـ فهو موجه للحد من نخره في الجسد ـ فإنه مكلفٌ للغاية حيث تصل تكاليف العلاج من 600 إلى 1000 دولار شهرياً عدا أن العلاج قد يناسب بعض الأفراد بينما لا يناسب الجميع . وإصابة أفراد المجتمع وخصوصاً الشباب بـهذا الوباء يعد كارثة وضربة اقتصادية مستقبلية ، فالأمر يتطلب محاصرة المرض قبل انتشاره .
ولا نعدو الحقيقة حين نقول إن تجارب الدول في مواجهة هذا الخطر تسير بخطى خجولةٍ لا تتعدى الاعتراف الجزئـي بالمرض وبوجوده ، ولكنها لـم توفر بعد المؤسسات العلاجية لضحاياه ، ولـم تحتوِ آلامه ومعاناته ، ونفور المجتمع منه وتقصيرها بنشر الوعي الاجتماعي تجاههم .
في المقال القادم : مريض الإيدز هو إنسان ، مبتلى ، يتألم !! فكيف نخفف من تخبطه بين آلام المرض القاتل والمجتمع القاسي ؟؟!!
تاريخ النشر: 3 مايو 2003
في خلسةٍ من الفجر .. النهار يتأهب للظهور…
أبو ياسر وزوجته وابنهما الصغير على عتبات مستشفى (اليمامـة )بالرياض ..
ومن يتجشم الذهاب للمستشفى في ذلك الوقت سوى المضطر ؟!!
نوبة ربوٍ حادة اضطرتْ والدي ياسر للإسراع به إلى المستشفى لاستنشاق البخار في قسم الطوارئ تفاجأ الوالدان بخبرٍ غريبٍ من الممرضة وهو عدم وجود(كمامات)بالمستشفى!لذا فإنه يلزمهما إحضار كمامة للاستفادة من البخار.
خرج الأب هلعاً يبحث من صيدلية لأخرى عن كمامةٍ تنقذ بعد الله حياة طفله ! وفي هذه الأثناء صدح آذان الفجر معلناً أوان رحيل الليل ومجيء النهار ، وموقفاً الأب على عتباتِ صيدليةٍ مغلقةٍ ( لأداء الصلاة ) .
وما أخالك تجهل شعور الوالد ،عيناه يرسلهما تلقاء الصيدلية ،أما قلبه فكأنما أنبت له جناحين فـهو يخفق طائراً نحو المستشفى تارة ، وبين أضلاعه تارة أخرى !!
يمر الوقت بطيئاً على أم ياسر ، والطفل يستجدي أنفاسه ! فما يجد غير أحضان والدته تضمه تارة وتشفق عليه من الاختناق تارة أخرى فتضعه على السرير ، وتـهرول نحو الباب وما تلبث أن تعود لاحتضان طفلها ..
بتثاقل يعود الصيادلة إلى مخازن أدويتهم والتي جُمعت فيها سيناريوهات التجميل ، بجانب الأدوية وحفائظ الأطفال، ولكنها تخلو عادة من الكمامات ! هكذا تمَّ إبلاغ أبي ياسر، بيد أنه استمر في البحث دون جدوى! فقفل عائداً إلى المستشفى بعد رحلة البحث الشاقة الفاشلة !وفي طريق العودة قادته عاطفته لإحدى الصيدليات ـ القريبة من المستشفى ـ التي كانت مغلقة قبل الفجر فوجد لديها كمَّـاً هائلاً من الكمامات بمختلف المقاسات ، وحين تساءل ـ وهو في عجلةٍ من أمره ـ عن سبب وجودها في هذه الصيدلية بالذات أبلغه البائع أنه ـ في الآونة الأخيرة ـ ازداد الطلب عليها لذا قام بتوفيرها(رحمة )بالمحتاجين إليها من المرضى!!
نَـقَدَ أبو ياسرٍ البائعَ المبلغ واستلم ( الكمامات)والشمس تملأ الأرض نوراً وأملاً،على نقيض قلب أم ياسر الذي أصبح فارغاً ولسانهـا ذاكراً وهي ترنو إلى ابنها وهو شاخص ببصره تسترجع مناغاته حين كان صغيرا، وعباراته الشيقة وهو يلثغ بحروفها يتضوع صحة وإشراقاً،يملأ البيت حبوراً كما تمتلئ ،الآن ،عينا والدته دمعاً فتكفكفه وتستغفر ربـها على ضعفها وتشكو له قلة حيلتها… وبينما أنفاس الطفل تأبى مغادرة صدره الصغير وهو يتفصد عرقا ويزداد شحوبا!! يصل الأب مصطحباً الكمامة،فتقوم الممرضة بتوصيلها وتضعها على أنف وفم الصغير،، حينها بدأت الحياة تتدفق في جسده بعد أن كاد يفقدها ، والأم تنخرط في بكاءٍ مؤلمٍ ، وزوجها بقربها يدرك شعور زوجته وحرقتها فهذا طفلهم الوحيد والأخير الذي نجا من مشاكل حملٍ وولادة متكررٍ لوالدته فاكتفوا بالله والياً رائفاً بضعفهم،وبـهذا الطفل مؤنساً لوحدتهم ..
وفي اللحظات التي بدأ الصغير بـها يستعيد أنفاسه يدخل طفلٌ ـ مع والدته ـ يعانـي من أزمة ربوٍ حادةٍ فتتلقى والدته التعليمات بقسوة من الممرضة حول ضرورة إحضار كمامة ليستفيد ابنها من العلاج حيث أنها غير متوفرة في قسم الطوارئ ، فيسقط بيدها ! هل تترك صغيرها وتذهب لشراءكمامة أم تأخذه معها إلى أقرب مستوصفٍ أهليٍ حيث تتوفر العناية الفائقة سيماحالات الطوارئ !! وأثناء جدالـها واستجدائها الممرضة يدس أبو ياسرٍ يده في جيبه ليخرج كمامةً جديدة ،كان قد اشتراها(تحسبا) للنوبة القادمة!!إلا أنه رأى أن يسلمها لأم الطفل ويرجو منها أن تدعو لابنهم المريض أن يشفيه الله ويحفظه، ولا يعود بحاجة للكمامة ،بل ولا بحاجة لمراجعة مستشفى اليمامة، بضعف إمكانياته،وسوء خدماته ،وصلف ممرضاته!!!,