تاريخ النشر: 18 مارس 2010
تنتشر حالة فقدان الشهية العصبي anorexia nervosa وتزداد بالتحديد بين الشباب،بحسب إعلان وكالة أبحاث الرعاية الطبية وجودتها (AHRQ) التي أشارت إلى الزيادة الملحوظة لعدد حالات التنويم في المستشفيات بسبب اضطرابات الأكل.وتعد حالات فقدان الشهية العصبي من أكثر الحالات تشخيصا بنسبة 37% لعامي 2005 و 2006م،أي بزيادة 17 %عن عامي 1999 و2000م.
ويزداد بنفس الوتيرة ويسري الأمر على مرض الإفراط في الأكل (البوليميا) العصبيbulimia والمعروف بتناول الطعام بنهم ثم التقيؤ،ووصلت نسبة الحالات إلى 24% في عام 2009م.
وفقدان الشهية العصبي اضطراب معقد،يبدأ بالظهور بين عمري 15 و18 سنة. ويؤثر على حوالي واحد من كل 200 أميركي خلال حياتهم (ثلاثة أرباعهم من الفتيات) برغم خطأ التسمية حيث المصابون بهذا الاضطراب لا يفقدون شهيتهم،بل يعمدون لكبحها،بسبب تخوفهم من زيادة أوزانهم وقناعتهم التامة ببدانتهم برغم نحافتهم أحيانا،لذا فهم يعرضون أنفسهم للتجويع حتى النقطة التي تصل فيها حياتهم للخطر.
والغريب وجود بعض الدراسات الطبية المؤكدة على أن فقدان الشهية العصبي قد يكون وراثيا مما يشير إلى مساهمة الجينات في وجود هذا المرض أكثر من تأثير العوامل البيئية المحيطة.إضافة إلى ذلك، فإن بعض خصائص الشخصية مثل اتجاه الشخص نحو الكمال،وعدم رضا عن جسده،والهواجس المتسلطة والسلوكيات المرتبطة بها،قد تهيئ مسبقا الأشخاص لحالات فقدان الشهية العصبي.وتشمل عوامل الخطر الأخرى التاريخ السابق للقلق والكآبة والإدمان أو التعرض للعنف بشتى أنواعه.
أما العوامل البيئية مثل المجلات أو المواقع الإلكترونية التي تروج لعارضات الأزياء النحيفات فقد تحض على بداية الإصابة باضطراب فقدان الشهية العصبي.وقد تدفع هذه الإشارات الخارجية الفتيات لإنقاص أوزانهن،الأمر الذي يقود إلى تصعيد حالة الشعور بتوجهات متسلطة للحد من تناول الطعام للوصول إلى حجم مناسب للجسم يحقق الرضا.
ووصَف دليل التشخيص والإحصاءات الخاصة بالاضطرابات العقلية نوعين من حالة فقدان الشهية العصبي.الأول (الصارم) وفيه يقوم المصابون بشكل قاسٍ بتقليل تناول الطعام.أما الثاني (الأكل بلذة ثم التخلص منه ) حيث يفقد المصابون أوزانهم بإجبار أنفسهم على التقيؤ أو استخدام ملينات ومسهلات أو حقن شرجية.
وتظهر لدى المصابين مضاعفات تهدد حياتهم،مثل خفقان القلب،والفشل الكلوي والكبدي.حتى ليعد فقدان الشهية العصبي أحد الاضطرابات العقلية القاتلة التي تؤدي إلى هلاك أكثر من5 % من المصابين به خلال عشر سنوات من إصابتهم.ولهذا فإن التجويع لا يؤدي لحدوث أضرار حادة في الجسم فحسب،بل وفي العقل أيضا،لتأثيره السلبي على التفكير والمشاعر والسلوك.وصعوبة العلاج تكمن في عدم إمكانية إعادة تلك العمليات العقلية لأصلها،لذا فإن علاج هذه الحالة محاط بالتحديات.
وما يؤسف له تعرض الشباب إلى تغيرات في التفكير،مثل صعوبة التركيز،كما قد تظهر لديهم عادات غذائية غريبة،مثل القيام بوزن كميات الطعام وتقسيمه لأجزاء صغيرة،وتناوله في أوقات معينة.ولئن كانت محاولات زيادة الوزن لاحقا تساعد في التحسن للتخلص من هذه المشكلات النفسية،إلا أنها نادرا ما تؤدي إلى زوالها نهائيا. فالمصابون بفقدان الشهية العصبي يتطلب علاجهم من خلال جوانب متعددة تشمل الدعم الموجه للعناية بتغذيتهم،وتقديم المشورة النفسية،وتعديل السلوك. وقد يتطلب الأمر تنويمهم وفقا لظروفهم الصحية،كما يمكن أن يجري العلاج خارج المستشفى بشكل كلي أو جزئي،ولأن الأطفال والمراهقين يعانون من أضرار في النمو لا يمكن إيقافها عندما يتعرضون لسوء التغذية فإن العلاج داخل المستشفى يكون ضروريا،وعادة وزن المريض هو ما يحدد نطاق العلاج وقوته. ويشكل دعم الأسرة مجالا حيويا وإيجابيا أثناء علاج المراهقين المصابين بفقدان الشهية العصبي.
أقول ذلك وصور أطفال أفريقيا لا تبرح مخيلتي وهم يعانون من فقدان الطعام القسري!!
تاريخ النشر: 16 مارس 2010
لا يستهويني التسوق مع أولادي،وكثيراً ما أعتذر لزوجتي برغم إلحاحها الدائم علي لمرافقة أولادنا واحتساء كوبٍ من القهوة هناك. فأنا رجلٌ لدي مشاغل كثيرة والتزامات عديدة،ولكني رضخت لإلحاح ابنتي الصغرى فخرجت بصحبتهم.
وحين دلفت محلا في السوق لمحتُ امرأة قد حباها الله جمالاً أخَّاذاً لم أستطع حياله أن أغمض طرفي عنها وتسمرت قدماي وجحظت عيناي لمرآها ! وعندما رأت دهشتي ألقت ما بيدها وخرجت من المحل،فاعتذرتُ لأولادي عن مواصلة التسوق! وتبعت المرأة أسعى خلفها من محلٍ لآخر وكأنني مراهق يتبع فتاة ! التفتتْ نحوي ونهرتني بعنف،فاعتذرت لها موضحا قصدي الشريف بالزواج بها برغم جهلي بوضعها الاجتماعي، وسلمتها بطاقة باسمي ورقم هاتفي،فأخذتـَها وذهبتْ!
غادرتُ السوق وكأن روحي قد غادرتني،وعدت لمنزلي في حالة من الحيرة والقلق والأمل! الأمل أن تهاتفـني وأسمع صوتها،تلك المرأة التي خطفت قلباً وأودعت بدلاً منه لوعة واشتياقاً ! ورجعتُ لنفسي أسألها عن تلك المشاعر الطاغية التي سيطرت على كل كياني،وأنا رجلٌ قد تجاوز الخمسين وتاريخي الأخلاقي شاهد لي بالاستقامة والرزانة،وعجبتُ من القدر الذي أخرجني للسوق لأرى ذلك الملاك الجميل الذي أيقظ مشاعري بعد سبات طويل.
ولم يمضِ غير كثير عليها ولكنه طويلٌ عليَّ،ثلاثة أيام حتى سمعتُ صوتها عبر هاتفي تبلغني بما كنت أنتظره،سيدة مطلقة لها ثلاثة أبناء،عمرها بالأربعين وليس لديها مانع من الارتباط بي! وكانت المكالمة قصيرة جداً إلا أنها وافية بالغرض،حيث اتفقنا على موعد الحضور لخطبتها من والدها.
وحين دخلت منزلهم وجدته قصراً منيفاً لا يتواءم قط مع وضعي الاقتصادي! برغم شغلي وظيفة مرموقة. قابلتُ والدها وإخوتها،وكان الأمر انسيابياً بدرجة عجيبة حين رفضوا قبول مهر أو مسكن خاص أو إقامة حفل زواج،باعتبار أنهم كسبوا إنسانا في أخلاقه،رجلاً في سلوكه!
لم يمضِ الأسبوع الأول إلا وحبيبتي بقربي ألمسها حقيقة بازغة كالشمس،ولا زلتُ أشعر بأنه حلم جميلٌ وليس واقعاً معاشاً !
قضينا سوياً الليلة الأولى في فندقٍ متميز كأجمل سنوات العمر،وتلتها الليلة الثانية والثالثة.وإن سألتم عن حبيبتي فجمالها فتانٌ وحديثها عذبٌ وعقلها راجحٌ،وخفة دمها طاغية،عدا أنها متحدثة بارعة،ذات أناقة متناهية في الذوق ورائحة كالأريج!
وحين تكون نائمة ببراءة أتأملها فتتضاءل نفسي أمام خالقي شكراً له على أن وهبني هذه الإنسانة،ولم يُطِلْ عليَّ لواعجَ الاشتياق ولوعةَ الانتظار وقسوة البعد!
أقتربُ منها وأمسك بيدها وأقبلها وأنا ما قبلت يد أمي أو أبي قط ! ووددتُ لو قبلتُ قدمها وأظافرها وشعرها الأسود! وأجدني وأنا الرجل الراشد لا أستنكف أن أشمَّ رائحة ملابسها ! كانت هي تتعب فتنام وكنتُ أتعب فلا أستطيع النوم خشية أن أكون في حُلم فأستيقظ وأفقد حبيبتي!
واستكمالاً لهذا الكرنفال الفريد وددت قضاء شهر في أوروبا التي طالما تمنيتُ أن يرافقني إليها من يشاركني مشاعري.
أنهيتُ إجراءات السفر بينما تركت الحبيبة تودع أسرتها،وحين هاتفتها لأستعجلها،لم ترد علي إطلاقاً برغم إعادة الاتصال! وحيث لم يبقَ إلا وقت قصير على موعد إقلاع الطائرة حملت حقيبتي وذهبت لمنزل والدها. وقابلت أحد إخوتها فاعتذر لي بلطف بعدم سفرها معي ! وعندما طلبتُ مقابلتها عاجلني أخوها الآخر بإطلاق قنبلة بددت الحلم: انتهى الفيلم يا بطل،فقد لعبتَ دور المُحلِّل لشقيقتي لتعود لزوجها السابق! وطلب مني إرسال ورقة الطلاق بأسرع وقتٍ ممكن،وأمر الحارس بإخراجي من القصر!
حاولت مقاومة الصدمة،مستعرضا الأحداث جميعها! فوجدتُ أنني كنتُ مندفعاً وساذجاً ومغفلاً! فبكيتُ بكاءً مراً ! وبكيت لأنني شعرت بالاستغفال والهوان وهدر الكرامة بسبب نظرة طائشة وعاطفة جارفة!
لم أجد بداً من إرسال ورقة الطلاق بعد مرور أسبوعين على حكاية التسوق إياها. تخيلوا قصة حب دامت أياما، بينما تأثيرها وآثارها ستدوم سنواتٍ وعقوداً!
ولازال السؤال يرن في أذني:كيف لرجلٍ غبيٍّ تطليق ذلك الملاك الرائع ثلاث طلقات؟ وكيف تلفظ بها؟ بينما فشلتُ عدة مرات في إخراجها من حلقي لدرجة أنني كرهت حروفها،ولم أكرهها هي قط ،وأرجو أن تكون نصيبي في الجنة!
تاريخ النشر: 14 مارس 2010
يأتي أسبوع المرور الخليجي هذا العام تحت شعار (احذر أخطاء الآخرين) وهو في الواقع جنون الآخرين،باعتبار أن الطرق والشوارع أضحت مخيفة جدا وكأنها ملك للمجانين لدرجة أن أصبح الراكب سائقا كان أو رديفا (مع وقف التنفيذ) يقرأ دعاء الركوب حال ركوبه ويحمد الله حال نزوله،بل قد يأتي اليوم الذي يبارك الناس لبعضهم عند وصولهم لأعمالهم أو عودتهم لمنازلهم،ولا يستبعد أن تبدأ شركات الاتصالات بوضع عروض رسائل sms تحت مسمى (أبلغوا حبايبكم بوصولكم سالمين)!
الهـمَّ المروري هم الليل والنهار،لاسيما لمن فجعه القدر باختطاف حبيب له لازالت سيرته الزكية تعطر الأركان،وما فتئت رياح الصبا تهب برائحته مشفقة على أحبائه،ليستعيد المرء ذكريات طفولة جميلة بددها هادم اللذات،ومفرق الجماعات.ولعل الكاتبة بدأت تستعيد ذكرياتها في أسبوع المرور الخليجي السادس والعشرين وهو نفس الشهر الذي توفي فيه والدها إثر حادث مروري مروع بسبب مفاجآت غير محسوبة،فعليه رحمة الله تؤنس وحدته،ونرجو أن يخلف عليه شبابه في الجنة ويجمعنا به في مستقر رحمته.
ولعلها فرصة أن أشارك زملائي في الأمن العام باعتبار أن المواطن رجل الأمن الأول،ومشاركتي لا تقتصر على التفاعل مع هذا الأسبوع بتوجيه السائق بالقيادة الآمنة على الطريق؛بل تتجاوزها للمساهمة في التوعية لحماية الأرواح من المخاطر الناتجة عن الرعونة والاستهتار وعدم التقيد بقواعد وآداب المرور.
وقيادة السيارة قبل أن تكون فنا وذوقا وأخلاقا،هي تربية وقدوة بكل ما يعنيه مصطلح تربية،وكل ما تشير إليه عبارة قدوة.فالطفل يطبق ما يشاهده من سلوك وتصرفات والده وينفذ توجيهاته حين يعلمه أصول القيادة واحترام الآخرين بما فيهم الطريق.لذا أصبح من المحتم توجيه الوالدين للقيام بدورهم التربوي في تأصيل القيم والمبادئ ونزع بذور الأنانية من نفوس الأبناء حيث تظهر جلية أثناء قيادة السيارة،ومنها يبدأ الإيذاء ولا تنتهي بالمضايقات.ودور الوالدين يكمن بتغيير سلوكيات الأبناء المكتسبة من خارج المنزل والتي غالبا ينتج عنها حادث مروري قاتل قد يكون سببا في زيادة أعداد الوفيات أو ازدياد عدد الإعاقات التي تزلزل كيان الأسرة والمجتمع،حتى أصبحت المعاناة منها دائمة.
ولئن كان أسبوع المرور الخليجي الموحد يقام سنويا منذ عام 1984م وفيه يتم اختيار شعارات تحمل الكثير من الدلالات والمعاني لحماية مستخدمي السيارات والطرق؛فإن شعار هذا العام (احذر أخطاء الآخرين) يحمل دلالات ترمي لضرورة تحمّل المسؤولية،وعدم الاعتماد على ذكاء الآخرين أو شهامتهم بل ليؤكد أهمية الحذر من أخطائهم وتجاوزاتهم وجنونهم وضرورة الانتباه لمفاجآت الطريق.
وهي مناسبة لنزجي شكرا عاما لإدارة المرور على جهودها الخرافية في سبيل تعميق الشعور بالمسؤولية برغم الانتقادات الحادة من لدن الجمهور الذي أجزم أن أغلبهم من قائمة المخالفين والمستهترين الذين يحمـّلـون المرور أخطاءهم ويشتكون من قسائم المخالفات.والحق أنني لازلت أرى أن رجال المرور(موسعين الصدر)على فئة يمكن أن يطلق عليهم (الفئة الضالة) دون تحفظ بسبب ما نراه من تجاوزات وقطع للإشارة واستهتار بأرواح البشر،ثم يأتي من يقول( يا خوي وين المرور؟ ليجيبه الآخر بتهكم وسخرية: مشغولين بكتابة القسائم) وليتهم كانوا كذلك،لما رأينا تلك الرعونة وهذا الاستهتار!
ولندرك جميعا أنه لا يمكن زرع جندي مرور عند كل إشارة،أو وضع قوات أمنية لملاحقة المستهترين.لذا كان من المجدي الاستعانة بأشخاص متطوعين ذوي ثقة وتحمّل للمسؤولية وإخلاص للوطن وحب للناس؛ليكونوا عينا للمرور وعونا لهم بشرط أن لا تكون تلك العين مثل عين النظافة التي يبذل المتطوعون جهدهم ووقتهم للإبلاغ عن المستهترين،ويتفاجون أن العقوبات لا تطبق بحق المخالف حيث يكتفى بعبارة: لا تعودها مرة ثانية أو نقطع أذانك!!
تاريخ النشر: 9 مارس 2010
أولئك المشرقون الذين يضيؤون أرجاء نفسك، وأركان روحك ودهاليز قلبك. تبكي حين تفقدهم ، وتنتحب عندما تغيب عنهم أو تتوارى شموسهم عن صباحك !!
تقترب لهم تلتمس منهم دفئا ، وترنو لهم تقتنص منهم ابتسامة الرضا وتخطف منهم بهجة القبول. ترتوي أغصانك بمثولهم ، وتزهر أوراقك بوجودهم ، وتثمر أشجارك بحضورهم.
وتجد نفسك ـ دون أن تدري أو أنك تدري ـ تصر أن توقد لهم من رموشك شموع التفاؤل ، ومن ناصيتك تشعل قناديل الفرح ، ومن دمك تمدهم بإكسير الحياة !
وفي لجة الأنس، وصخب السرور، وضجيج السعادة تتفاجأ بخذلانهم يعصر نفسك ألما، ويدمي قلبك وجعا ويضنيه فجيعة ! وأنت بعد لم تجف محبرتك من مشاركتهم كتابة أبجديات الوفاء، بينما هم يحفظون معلقات الغدر وينشدون قصائد خيبة الأمل ويغزلون لك نسيج الخذلان !!
ولئن جربت يوما أن تقوم بمهمة ففشلت، فاعلم أن غصة الفشل أقل وطأة من الخذلان، وإن عانيت قسوة الهزيمة فأدرك أنها أرحم منه، وإن قاسيت مرارة الخيبة فهي أقرب رحما للخذلان ! فقد يقوم بك اجتهادك من كبوة الهزيمة لتتحول بعدها إلى انتصار. وقد تعاود تجربة العمل فتنجح بعد معارك الفشل . أما خيبة الأمل فهي طريق سالك للخذلان. وأشدها وقعا تلك التي تكون من قريب للقلب تحمل له احتراما، وتتوقع منه برا وإحسانا، فيقطع بخذلانه لك وصال المحبة وحبال الاحترام. وحتى لو حاول معالجة ما انقطع، واجتهد برأب الصدع ، فسيبقى أثر تلك العملية الجراحية المشوهة شاهدا على ذكريات مريرة وجراح غائرة لن تندمل. وأشد من ذلك أفول نجمه، وغروب شمسه لتتحول حياتك إلى ظلام وعتمة برغم إبصار الحديد وفكرك الحصيف ، ورأيك السديد !
ولقلة حيلتك وهزيمتك الداخلية تبدأ بإعادة التصنيف، لعلك تجد لك تبريرا لما حدث، وتفسيرا لما حصل ومهربا مما وقع ، فتعزو خذلانه لأنانيته وعدم ثقته بنفسه، أو لانطواء ذاته على استعلاء وغرور، أو لاشتمال نفسه على طمع بك، فربما لم يجد فيك بغيته أو ما يروي مطالبه.
وليس للخاذل حظ أو نصيب من الأخلاق الرفيعة،والمثل النبيلة ، والمبادئ السامية؛ لأن المروءة والشهامة والهمة العالية صعبة المرتقى ، فابن عائشة القرشي يقول:( لولا أن المروءة متصعب محلها،لما ترك اللئام للكرام منها بيتة ليلة)!!
أما قمة الخذلان ـ إن كان له قمة برغم وضاعته ـ حين تجمع كل آمالك وطموحك وأمانيك في شخص واحد ـ دون سواه ـ فيأبى أن يكون مع السيوف اللامعة سامقا بخيلاء وزهو، ويختار أن يصبح خيطا هزيلا يقع مثل الخيوط المهلهلة الضعيفة لا يقوى على القيام والرسوخ، عدا عن الثبات!
أما عنفوان الخذلان، فهو أن تختار امرأ ًيملأ العين هيبة وإعجابا، تحدثه بانبهار، وتناقشه بولع، وتحاوره بشغف ، وتجادله بلهفة، وتلاحيه ببهجة، وما تلبث أن ترى بخذلانه لك تساقط نجومه وتداعي أقماره وغياب سطوعه.
أما ذروة الخذلان فهي أن تجمع لأجله دقائق الوقت ليسعد بتبديدها، وتزخرف ساعات الزمن ليتسلى بتضييعها، لتكتشف بجحوده ضياع عمر الوفاء وسنوات العطاء.
أرجوكم أطفئوا كل الساطعين بحياتكم حتى لا يبهركم نورهم ويخطف أبصاركم، فالشموع تكفي!!
فبضوئها تقرؤون حروفكم ، وبنورها الخافت تتلمسون طريقكم ، وتستشعرون مصيركم؛ فلا يخذلكم النور الساطع الذي يخطف أبصاركم ويدمي قلوبكم ويصادر حرياتكم ويكسر نفوسكم . ولا تكونوا كالفراش الذي تشدّه الأنوار، وتجذبه النار فتحرقه !
تاريخ النشر: 7 مارس 2010
يبدو أن الخير مقبل على بلادنا،والعدل سيعم ديارنا،لاسيما أننا بتنا نسمع بأن المحاكم الشرعية ستكون حضنا دافئا،وملاذا آمنا لكل الحيارى والمظلومين والتعساء !
أقول ذلك بعد أن قرأت خبرا غريبا مفاده أن إحدى المحاكم في المنطقة الشمالية شرعت بالنظر حاليا في قضية نادرة،بعدما تقدم لها مواطن (مقيم في الصحراء) بشكوى ضد جاره في المرعى بدعوى أن جمله تسبب في أضرار بالغة بخروفه أثناء رعيهما سويا في أحد المواقع.
جاء هذا الخبر في صحيفة (الاقتصادية) التي ذكرت أن مركز شرطة لينة (قرية ومورد مياه في الحدود الشمالية السعودية) تلقى بلاغا من مواطن يفيد فيه بأن جمل جاره هشــّم صدر خروفه بضربة موجعة جعلته غير قادر على الحركة،وطالب المشتكي بتعويض مالي من الجار،واستدعت الشرطة الجار من خلال إيفاد دورية أمنية لإحضاره من الصحراء إلى المركز حيث نفى علمه بالواقعة،وهو ما استدعى إحالة القضية إلى المحكمة الشرعية في القرية ذاتها التي شرعت بالنظر فيها.
وما لفت انتباهي من هذه القصة الطريفة فـِـعل (شَرَعَــتْ) وهو بالمناسبة فعل ماض ناقص من أخوات (كان) مبني على الفتح،والتاء للتأنيث،والمحكمة اسم شرعت ولا داعي للخبر لأنه ربما لن يكون هناك خبر حيث سيتحول فعل الشروع إلى فعل لازم يكتفي بالاسم ولا يحتاج لخبر حين يكون الخبر هو نتائج القضية أو حلها أو إعادة الحقوق لأصحابها ! وبدخوله إلى محاكمنا سيتخلى عن كونه أحد أفعال الشروع التي يكون خبرها دائما جملة فعلية فعلها مضارع في محل نصب،حيث تبدو الصعوبة في نفوذ هذه الأنواع من الأفعال،لذا تفضل أن تقبع في كتب النحو ولا تحبذ الخروج منها بحجة المثل المعروف (من خرج من داره قل مقداره !!).
لا عليكم من الأفعال الناقصة والتامة والأفعال اللازمة والمتعدية،ولكن عليكم بالأقوال الرنانة حيث هي المعروفة لدينا ومألوفة لدى المحاكم وكتــّاب العدل،فهم يعدون كثيرا دون تنفيذ. ويجتمعون دون حاجة لإحضار الخصم إن لم تحضره أنت بنفسك ! وأرجو أن لا نستعجل قبل ظهور نتائج قضية الخروف المسكين ! فإن حصل على حقه فربما تعود ثقتنا في محاكمنا الشرعية. مع علمنا الأكيد أن الخروف لن يأخذ حقه من الجمل برغم الذكورية فكيف لو كان شاة ؟ وإن كان هناك أحد سيستفيد وآخر سيتضرر فهما صاحبي الخروف والجمل، وسيعود الخروف مع الجمل لمكان الرعي سويا،بل قد يستدرج صاحب الخروف الجملَ ويستفزه لإيذاء خروفه ليأخذ حقه منه مرة أخرى باعتبار أن المحكمة حكمت على صاحب الجمل بدفع الأضرار المادية لصاحبه دون الأضرار الأدبية التي لحقت بالخروف من جراء ما ناله من ضرب،عدا عن السخرية من حجمه وضآلته التي قادت الجمل للتهجم عليه مع فارق الحجم ، ولم يكتفِ الجمل بالضرر النفسي الذي يلحق فئة الخرفان سنويا بالزكاة فيها ! حيث يستخرج عن كل خمسة بعارين خروفا واحدا،وجل الله في حكمته بذلك.
ودعكم من وقفة النفس بين هذين الحيوانين اللطيفين اللذين كانا سيستأنفان مرعاهما من الغد لولا تدخل الكبار والرغبة بالشحططة في المحاكم ! ولنصرف اهتمامنا إلى التطور الهائل الذي وصلت إليه محاكمنا من استقبال جميع شكاوى الناس والشروع في حلها.فهاهي قاعات المحاكم ستشهد للمرة الأولى قضايا حيوانات بعد أن قضت (عدة سنوات) في قضايا كفاءة النسب،و(عدة عقود) في قضايا النفقة التي لم تبت بها رحمة بالرجل من النفقة على أولاده،وقضت (عدة قرون) في قضايا السيدات المعلقات إكراما وثأرا للرجل من رفض المرأة له.